عدد القراءات: 7751

فاوض... تظاهر.... قاوم

صادف يوم السبت السابع من آذار مارس مرور نصف قرن على مظاهرة سلمى عام 1965 في ولاية ألاباما الأمريكية بقيادة القس الأمريكي وداعية حركة الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ.
فاوض تظاهر قاوم، هي الاستراتيجية التي اتبعها الدكتور كينغ في حركته المطالبة بالمساواة مع البيض في الحقوق المدنية.
ظهر نجاح هذه الاستراتيجية واضحاً من خلال النضال لنيل حق التصويت في الانتخابات، بعد أن أوضح كينغ عقم النظام القائم آنذاك في إحداث أي تبديل للواقع، فالمسؤولون بيض ينتخبهم فقط البيض والسود ممنوعون من الانتخاب، والبيض يعتدون على السود ويمنعون أي قصاص عادل ضد البيض المعتدين، لأن المسؤولين البيض آمنون على مراكزهم البيضاء لأن الناخبين فقط بيض والسود ممنوعون من الانتخاب.
حلقة مفرغة وجد السود أنفسهم فيها، كان أمامهم لمجابهة الوضع الراهن حلّان فقط، التظاهر السلمي بسياسة فاوض تظاهر قاوم، أو حمل السلاح ضد البيض. ظهرت هذه الثنائية المتناقضة خلال عملية الفض الوحشي للمظاهرة في سلمى بعد أن أوسعت الشرطة البيضاء المتظاهرين السود ضربا وقتلت منهم الكثير سحلا وعدوانا. في غمرة الغضب الأسود تداعى شباب قلائل خلال المجزرة لحمل السلاح بحجة الدفاع عن النفس، فكان الجواب الحاسم من المنظمين السلميين: لآ! لأن هذا ما يتمناه أولئك البيض العنصريون، القوة بأيديهم. كم ستقتلون منهم؟ عشرة؟ سيقتلون منّا مئة. ما هو سلاحكم؟ مسدس؟ سلاحهم سيصبح الرشاش والمدرعة والمروحية، حمل السلاح ضدهم لن ينتج عنه إلا القضاء على هدفنا وأنفسنا.
استمرت المظاهرات السلمية مما استدعى انتباها إعلاميا واسعا وبُثت المظاهرات على الهواء مباشرة وشكلت ضغطا عالميا على أميركا، وأدت إلى زحف المؤيدين من كافة أنحاء العالم للتظاهر السلمي. في غمرة تلك الأحداث العاصفة في أميركا يظهر تأثير الشهيد مالكوم إكس الذي كان قد عاد لتوه من رحلة الحج بعد أن استبدل بآرائه العنصرية السابقة رؤية الإسلام الحنيف ومنهجه في المقاومة والتعايش والتعارف، أراد مالكوم مؤازرة المسالمين الذين أوجسوا في أنفسهم خيفة من آرائه السابقة، فآراؤه المتسامحة الجديدة لم تكن قد عُرفت وانتشرت بعد.
استخدم مالكوم الانطباع القديم عنه بأنه عنصري عنيف باحتراف، فجعل من تلك الصورة بديلاً متوقعا فيما لو لم ترضخ الحكومة الأمريكية للسلميين، وجعل من السلميين الخيار الأوحد للسود ومن هذا الخيار الشيء الوحيد المحمود لتعامل الحكومة الأمريكية مع السود. فوصلت الرسالة للحكومة, ومفادها إما أن تتعاملوا مع أولئك السلميين ونحصل على حقوقنا جميعا أو سأكون أنا وجماعتي البديل. طبعا اختارت الحكومة التعامل مع السلميين وتم اغتيال مالكوم إكس بعد ثلاثة أسابيع، فكان بحق كبش الفداء وحصل السود على حق التصويت. لم يتم انتهاك أي قانون، لكن تم تحدي كل قانون جائر باستراتيجية فاوض تظاهر قاوم.
هذه الاستراتيجية الحكيمة هي التي مكنت السيناتور باراك حسين أوباما من صعود سلم الحكم والوصول لقِمَّة جسر سلمى يخطب أمام العالم أجمع كأول رئيس أسود لأميركا.
ما أغبى من يتظاهر ويقاوم دون أن يفاوض.

علِّق