عدد القراءات: 3402

“التحدي والإستجابة” وعقم المحاولة الأولى

 

 1     “التحدي والإستجابة”، نظرية استلهمها المؤرخ الكبير أرنولد توينبي من عِلم النفس السلوكي، وعلى وجه الخصوص من “كارل يونغ 1875 – 1961م” الذي يقول  إنَّ الفرد الذي يتعرض لصدمة قد يفقد توازنه لفترةٍ ما، ثم قد يستجيب لها بنوعين من الإستجابة :
- إستجابة سلبية: النكوص إلى الماضي لاستعادته والتمسك به تعويضاً عن واقعه المُرّ، فيصبح إنطوائيّاً . معزولا عن العالم وعن المحيط
- إستجابة إيجابية: تَـقَـبُّـل الصدمة والإعتراف بها، ثم مُحاولة التغلُّب عليها، فيكون في هذه الحالة إنبساطيّاً . منفتحا على العالم لاتعيقه الحدود

كيف تعاملنا مع هذه الصدمة بمواجهة الغرب المتقدم وعلى الأقل مذ أيقظت مدافع نابليون النائمين وتعرَّضهم لصدمة الحضارة الغربية  ؟؟
المتتبع يلاحظ أننا لجأنا إلى النكوص إلى الماضي دفاعاً عن النفس، بدلاً من العمل لإستعادة القيادة أولمشاركة العالم مسيرة الحضارة بصورها المتنوعة ، للأسف لقد وقفنا عند الأطلال ولم نغادرها وما زالت بكائياتنا عليها مستمرة.
إن أي تحدٍ يتطلب عدة استجابات فبعضها قد لاينجح من أول مرة ، وقد تتكرر التجربة وتفشل ولكن لابد من تغيير المسار في كل مرة وكثرة المحاولات وتنوعها وعدم الدوران حول النفس من غير جدوى ، وقد يتطلب الأمر جرأة بالطرح غير مسبوقة تنسف القاعد القائمة وتتجاوز الثوابت الراسخة ، فمن الأفضل أن نغير رأينا وطريقتنا وننجح من الاستمرار بنفس الطريقة ثم نفشل .

 

 2       في مسألة التحدي والاستجابة وبداية التحريض الذي استدعى مواقف تمثل الحالة الراهنة نجد الاستجابة للتحدي الغربي لم تكن ضد الاستعمار وحده وإنما كانت للرد على التحدي الثقافي أيضاً ، فقد برز الغزو الثقافي بأوضح صوره مستهدفاً الشخصية العربية الإسلامية شاملاً مسائل في السياسة والاقتصاد والاجتماع ، وكان أبرز رد تمثل باستجابة عبر نماذج رصدها المفكر والمؤرخ المغربي عبد الله العروي في كتابه «الأيديولوجية العربية المعاصرة» .
رصد العروي ثلاثة نماذج تصدت للتحدي الغربي هي: الليبرالي ، والتقني ، والشيخ
- أما الليبرالي ممثلاً بالدكتور أحمد لطفي السيد فقد كان متعصباً تعصباً شديداً لليبرالية وهو أدخل مفرداتها ودافع عنها كمذهب سياسي، ودعا إلى القطع مع التراث والدخول في العصر الأوربي
- وأما التقني فتمثل بسلامة موسى الذي دعا للتنمية القائمة التصنيع والتكنولوجيا.،ولم يتح له التحقق إلا بعد قيام ثورة 1952 والتي سعت لنهضة بالتصنيع لم تستمر بسبب السياسة والانتكاسات المستمرة
- و أما الشيخ فكان محمد عبده رائد الإصلاح الديني الذي أراد أن يجعل الإسلام معاصراً ، وأن يشارك في الحياة عبر مدرسة تناولت مسائل تتعلق بالعلم والسياسة والحضور الثقافي الإنساني ، ولكنه فشل في تكوين مدرسة فكرية تواصل جهوده التجديدية في الفكر الديني، وجاء وريثه الشيخ رشيد رضا مؤسس مجلة «المنار» ليرسي التيار المحافظ السلفي المتزمت ، وخلفه حسن البنا مؤسس جماعة «الإخوان المسلمين» (1928) والذي حوَّل تجديد الفكر الديني من مشروع فكري إلى مشروع سياسي انقلابي يقوم على أساس القضاء على الدولة المدنية، وتأسيس دولة دينية على أنقاضها .
الجميع انتكس ولم يحقق الاستجابة المنتجة للتغيير ولم يكن على مستوى التحدي وكانت النتيجة التخلف والتطرف والاستبداد البغيض

 

 3     في معرض الاستجابة على المشاريع الغربية والتحدي القادم من الغرب برزت أربعة تيارات فكرية ، هي التيار الإسلامي ، والتيار الليبرالي ، والتيار العلماني ، والتيار القومي  .
قدم كل تيار توصيفاً للواقع ، ورسموا مشاريع النهوض ، وبعضها قام على منهج أو إيديولوجيا ، وبعضها اعتمد التجربة والخطأ طريقا للمعرفة والتقدم ، لكن المحاولات لم تصل إلى المطلوب رغم بعض النجاحات الصغيرة حين تسلم بعضهم مفاصل الدولة والحكم في بعض الدول فكانت محاولات لتقديم استجابات للتحديات الكبيرة التي كانت تواجه الأمة ، محاولات بقيت هشة وضعيفة بسبب الصراع بين هذه التيارات ، صراعات استخدمت فيها الوسائل العصرية فقط لإضعاف الخصوم ،وكانت المنابرالإعلامية تمارس أسوأ نشاطاتها عبر سجال حول تشخيص الأزمات ووسائل معالجتها واتهام الآخر بأشنع الأوصاف ، وغاب الحوار وتباعد الدعاة ، ولم يصلوا إلا إلى تنفير الناس فابتعدوا عن الصراع الدائر ويئسوا من كل تغيير .
لقد اختلفت الأطراف على نسبة الخير والشر إلى المشاريع والمنتمين إليها ، ولم يتفقوا على المشتركات ، لغياب الروح العلمية والتفكير الموضوعي ، وبسبب الأحكام السريعة والجاهزة ، وعدم المرونة العقلية في التعامل مع الأحداث التاريخية والظواهر الحديثة والمعاصرة بقي السجال حول الهوية وشكلها ومضمونها ، وإشكالية الأصالة والمعاصرة  ، ولم تتقدم نحو بناء يستوعب الجميع ويسمح بالذوبان في بوتقة الوطنية التي تقوم عليها قيم مشتركة وعيش مشترك وبناء متوازن ،  وانخراط ومشاركة  في بناء العالم الجديد . 


 4     المهم أن هذه التيارات خلافها بينها وليس مع الحداثة  الغربية  وكان الطهطاوي مؤسساً لهذا المسار الذي افتتحه  في كتابه القيم (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) ولم يكن الأفغاني ولا محمد عبده ولا الكواكبي ببعيد عن استمرار هذا التوجه القابل لأطروحات الغرب في قضايا الحرية والعدل والمساواة وأنها ليست معادية للإسلام ولا للمجتمعات الإسلامية .


الطامة بدأت مع تيار مستحدث كانت استجابته تحديا للغرب ورفضاً له باعتباره الاستعمار الذي يسعى للقضاء على المنجز الحضاري للإسلام ، وباعتبار ثقافة الغرب ضد الاسلام ، واعتبارالداعين للتفاهم معها يسعون إلى تطبيق القوانين الوضعية ووقف تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية .
ولقد نال الطهطاوي ماناله من هجوم وتقريع وافتئات لموقفه هذا من تيار الرفض فهو البذرة الأولى للتخريب كما جاء في عنوان مطالعة لمصطفى كريم الذي وصفه بأنه : ( رائد الإصلاح والتنوير كما يطلق عليه مؤيدوه، كان الثغرة الأولى التي نفذ منها الغربيون إلى عالمنا الإسلامي) وقال عنه:
(  لما عاد رفاعة الطهطاوي إلى مصر وَلِي رئاسة الترجمة في المدرسة الطبية، وأنشأ جريدة "الوقائع المصرية"، وألف وترجم عن الفرنسية كتبًا كثيرة، وأسس مدرسة الألسن وعمل ناظرها، وهي المدرسة التي أوحى له الفرنسيون بإنشائها ، والتي كانت مركزًا لبث الحضارة الغربية بين طلبتنا باسم العلم والثقافة ، عندما استقدمت مصر أساتذة من فرنسا؛ لتدريس المواد في تلك المدرسة التي شوهت حضارة الإسلام ، وبذلك حقق الفصل بين الأزهر من جهة، وعلوم العصر من جهة ثانية، وأحدث انقسامًا بين النخبة التي يرى أطرافها نقائض لبعضهما  )
( مصطفى كريم ــ البذرة الأولى لشجرة التغريب ـــ منتدى بوابة الإسلام ـــ11/5 /2011 )

وللحديث بقية ....

علِّق