No votes yet
عدد القراءات: 9542

يجب على الأديان أن تُحاور اللادينيين مثلما تفعل فيما بينها

الكاتب الأصلي: 
Erasmus
تاريخ النشر: 
6 آذار (مارس), 2017
اللغة الأصلية: 

 

دروس مستقاة من جلسة حوار إسلامي- مسيحي حول محو الأمية الدينية

لربما تجد هذا الحدث مطمئناً أو مزعجاً أو بين بين، إذ أنه وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، عقد أحد أبرز رؤساء الأساقفة المسيحيين، وأحد كبار علماء المسلمين في بريطانيا، جلسة حوار في لندن تمحورت حول دور الدين في المجتمع، واللافت في الأمر أن المتحاورين اتفقا على كل شيء تقريباً. كان أحد المشاركين في هذه الجلسة روان ويليامز، الذي كان حتى وقت قريب رئيس أساقفة كانتر بيري ورئيس الطائفة الإنجيلية العالمية، بينما كان الطرف الآخر ممثلاً بـ مُنى صِديقي أستاذة الشريعة الإسلامية في جامعة أدنبرة والكاتبة بغزارة حول شؤون دينها.

كان المتحاوران يعرفان بعضهما البعض جيداً منذ حضورهما جلسة تدريبية في الدبلوماسية الدينية عالية المستوى، جرى افتتاحها بدعم من توني بلير رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ،في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية. بعد ذلك، التقت  خلف الكواليس شخصيات مسيحية ومسلمة بارزة وسَبَرَت فهمها للمفاهيم الدينية كالكتاب المقدس والخلاص والنبوءة. كانت المبادرة برمتها والهادفة إلى مد الجسور، عبارة عن انعكاس لروح الأمل الذي ساد الجو العام بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، ولو أن المسلمين والمسيحيين يعرفون ويفهمون بعضهم جيداً، لكانت كل الأمور على ما يرام. إن تفاؤلاً كهذا هو أقل شيوعاً اليوم، بيد أنه يُصِرُ المشاركون الذين واظبوا على اللقاءات لحوالي عقد من الزمن، أنها أثمرت بتحقيقِ الخير الدائم للطرفين.

وكانت بعض نقاط الالتقاء في نقاش هذا الأسبوع، هي ما قد تتوقعها، إذ اتفق الجانبان على نطاق واسع أن "محو الأمية الدينية" ــ بعبارة أُخرى، المعلومات الأساسية التي يعرفها ويؤمن بها ويقدسها المنتمون إلى دينٍ ما ـــ  كانت تمر بمرحلة تراجع خطير، غير أنه هناك حاجة ماسة إليها أكثر من أي وقت مضى. ورداً على سؤالٍ حول تصوره للمجتمع الغربي بعد ثلاثين عاماً، قال لورد ويليامز إنه يتوقع ولادة طيف أوسع من أي وقت مضى، من الأديان والمعتقدات الراسخة الأخرى التي سوف تحيا بعاطفة لا تخبو أبداً. ولكن ما لم يتغير شيء، فإنه يمكن أن تعيش هذه المجتمعات التي أُثيرت مشاعرها، بحالة من الجهل العميق لقيم بعضها البعض وتفكيرها العقلي، بعبارة أخرى، سيكون هناك نوع جديد من الجلبة واللغط  حيث لا يمكن تجاوز حواجز وعوائق الاتصال الداخلي بين فئات المجتمع.

 

ورأى كِل منَ المتحدثين في هذا الحدث الذي نظمته هذا الأسبوع مجموعة إكليسيا للتفكير الاستراتيجي، حاجة ملحة لزيادة وتحسين مستوى التعليم الديني، فَهُما بالمحصلة مُرَبِيانِ دينيان مُمَيَزان ولهذا فقد نتوقع الكثير منهما. أراد لورد ويليامز الذي يرأس اليوم الكلية المجدلية في جامعة كامبردج، نوعاً من التعليم الديني أكثر تجريبية، ليس فقط تلقين حقائق عن التاريخ والثقافة، بل النقل بصورة أو بأخرى، للناس "كيف تبدو" ممارسة نوع معين من العبادة والإيمان.

وبإلحاحٍ أكثر من ذي قبل، اعترف المتحاوران البارزان،  بأنهما كانا يغضبان في بعض الأحيان من وجهة النظر العامة التي تقول إن الدين منفصل واختياري ومعزول عن حياة الناس. ونوهت السيدة صِديقي أن كثيراً من الناس يعتقدون أن "الإيمان بالله هو جزء من ثقافتهم ولهذا نراهم غير قادرين على الفصل بينها وبين الإيمان". ولاحظ ويليامز أيضاً أنه وخلال مُدة طويلة من التاريخ الإنساني، كان الدين جزءاً لا يتجزأ من المجتمع مثلما هو الطبخ أو عزف الموسيقى مثلاً. وببساطة، لا يمكن للناس الذي يمتلكون تلك العقلية تَخَيُل مجتمعٍ دون الشعور بالمقدسات.

حقيقية وبكل تأكيد هي هذه النقطة، ولكن للأفضل أو الأسوأ فهي تُظهِرُ فرقاً واختلافاً بين العالم الذي يقطنه المتخصصون في شؤون الدين، والفضاء العلماني الذي يقطنه معظم الناس المعاصرين والمجتمعات المتحررة.

وكونهما شخصيتين تتمتعان بفهم عميق لكيفية تطور معتقداتهما الدينية عبر القرون، فإنه يقفُ كلٌ من رئيس الأساقفة ويليامز والأستاذة صِديقي على مسافة طبيعية قريبة من الثقافات التي كان الدينُ مَعنياً بكل لحظات حياتها، غير أنه في بريطانيا ومعظم الأنحاء الأخرى في أوروبا الغربية،  فإن هذا القرب هو اليوم الاستثناء وليس القاعدة. وهناك شيء آخر يجمع بين الشخصيتين ألا وهو أنهما تابعان للأديان السماوية التي تحمل كل تلك القيم البدائية التي تم نقلها للبشرية في لحظة من التاريخ، من ثم جرى صقلها على يد الأجيال اللاحقة من العلماء واللاهوتيين، بمعنى أنه تم توظيف هذه القيم في الماضي بصورة مغايرة لما هو عليه حال معظم الناس المعاصرين. وفي الواقع، إذا ما افترضنا أن معظم المعاصرين يفكرون في ماضيهم الديني على الإطلاق، لربما يفكرون بالأمر مع موجة من الرعب حينما كان يتم تعذيب وحرق الهرطقيين لرفضهم نقاطاَ تتفرع عن المذهب ذاته.

 

وبطبيعة الحال، هناك ما هو أكثر من ذلك من التفكير في الماضي الديني. وكما أشار ويليامز، فإن ثلاثة من أقوى العقول الأوروبية والحكماء في العصور الوسطى كانوا: اليهودي موسى بن ميمون، وتوماس أكويناس أحد آباء الفلسفة الكاثوليكية، والمفكر الإسلامي المعروف لدى الغرب باسم "ابن رشد". وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا مُعاصرين، إلا أنهم كانوا جزءاً من حوار وطني واحد كان المشاركون فيه يأخذون أفكار بعضهم البعض على محمل الجد ويحترمونها. إن هذا تفكير مُلهِم ومشجع وسيكون أيضاً خبراً جديداً لمعظم أتباع هذه الأديان وممارسيها، بصرف النظر عن اللادينيين.

و يجدرُ القول إن الدين كان شيئاً أساسياً في كل لحظة من لحظات الحياة، بحيث لا يمكن تصور العيش بدونه لمعظم الناس الذين مروا عبر التاريخ الإنساني والذين ربما يكون معظمهم على قيد الحياة اليوم. ولكن الحقيقة المُرة هي أنه هناك أعداداً  متزايدة من الناس في المجتمعات الغربية من الذين لا يتبعون أي دين أو إذا ما كانوا يفعلون حقاً فنراهم يعزلونه تماماً عن حياتهم اليومية.

إذا فالجلبة واللغط الذي يخشى ويليامز حدوثه، قد تتحول لتبدو أكثر تحدياً مما كان يتصور. وليس الأمر بهذه البساطة، أن نقول إنه سيتوجب على المسلمين والمسيحيين شرح وتفسير ما يقصدونه لبعضهم البعض بمفاهيم مثل التوبة والوحي أو الحكم الإلهي، سيكون هذا أمراً صعباً بما يكفي، إن الذين يعيشون في ظل ثقافة دينية عميقة، أو نظام من القيمٍ، لا يُفلحون غالباً بتفسير هذه الحالة وشرحها لطرف ثالث، غير أنه هناك شيئاً مُتطلباً وهو أصعب من هذا ألا وهو أنه سيتوجب على المتدينين أن يحاولوا وصف ما يعنيه أن يعيش المرء وفق نصوص أو رواية تَشَكَلت قبل قرون عديدة، لأولئك الذين لا يؤمنون بدين معين، ولشرح هذا الأمر لهم، فإنه قد يكون للنصوص المكتوبة في الماضي البعيد أهمية حاسمة لحياتنا المعاصرة في عامنا هذا 2017، لأن هذه الكلمات ذات المعاني الخالدة دائماً تأخذ معاني جديدة على الدوام. وهذا مفهوم يصعبُ فهمهُ من قِبَلِ شاب صغير السن  تقتصر علاقته بالكلمات المكتوبة، على رسائل مواقع التواصل الاجتماعي كتبها أصدقاؤه قبل ساعات قليلة فحسب. ولهذا فلتنطلق دروس تعلم اللغة.

 

------------------

لمحة عن الكاتبة:

إيراسموس (Erasmus ): هي مدونة تحمل اسم العالِم والمتحضر الهولندي في عصر النهضة، وتُعنى بدراسة نقاط التقاطع بين الدين والسياسات العامة 

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 721845

مقالات المترجم