عدد القراءات: 9445

ومن الفقه ما هو منتهي الصلاحية

 

يتوجه كثيرون اليوم نحو انتقاد الفقه ومن كَتَبه، ويجعلونه سبباً في تخلف العرب والمسلمين، بينما على الضفة الأخرى هناك من لايزال ممسكاً بكتب الفقه معتقداً أنها الحبل الذي يحمي الأمة من الغرق!!!.

في ظل هذين الموقفين يبدو الحسم بحاجة أولاً إلى فهم معنى (الفقه)، ثم بعد ذلك التعرف على أمثلة تطبيقية لهذا المعنى، لنتمكن أخيراً من تقديم رؤية واقعية علمية.

الفقه في اللغة العربية كلمة تعني: الفهم، ومن هذا المعنى فإن الفقه الإسلامي يمكن تعريفه بأنه: محاولة لفهم الواقع تنطلق من خلال القرآن الكريم والحديث الشريف، نتيجة لهذه المحاولة نستطيع معرفة ما هو حلال وماهو واجب وما هو محرم. (اختصر الفقهاء التعريف بقولهم: الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد).

 

عبر سنوات طويلة التزم الفقهاء بهذا التعريف، وقدموا لنا كتب الفقه التي ذكروا فيها ما توصلوا إليه، وسلكوا في ذلك ثلاثة طرق:

الأولى: تحويل الواقع إلى مسائل مع ذكر الحكم الذي توصل إليه الفقيه فقط. مثل كتاب متن أبي شجاع.

الثانية: تحويل الواقع إلى مسائل مع ذكر الحكم الذي توصل إليه الفقيه مقروناً بالنص الذي اعتمد عليه. مثل كتاب الهداية للمرغيناني.

الثالثة: تحويل الواقع إلى مسائل مع ذكر الحكم الذي توصل إليه الفقيه مقروناً بالطريقة العقلية التي من خلالها فهم الفقيه الواقع والنص. مثل كتاب بدائع الصنائع للكاساني.

طبعاً لأسباب كثيرة تم الاهتمام بالكتب التي سلكت الطريق الأولى والثانية (أي الكتب التي لا تساعد على فهم الحكم بل تقوم على تلقين الحكم فقط ) وأصبحت هي المنهاج المعتمد في ما يعرف بمؤسسات التعليم الشرعي.

 

أبرز محاولة شهدناها لتقريب الفقه من الواقع الجديد هو التأليف فيما يعرف بالقضايا الفقهية المعاصرة، إلا أن ذلك لم يؤثر أبداً على الانكباب على كتب الفقه القديمة والتي تحول اسمها من كتب الفقه إلى ما يعرف بالمراجع الفقهية، وهكذا صار مفهوم الفقه في زماننا يضم: ما تم تدوينه في المراجع الفقهية (الكتب الفقهية القديمة) + ما تم تدوينه في كتب القضايا الفقهية المعاصرة.

ولو نظرنا في كتب الفقه القديمة – ولاسيما التي سلكت الطريقة الثالثة في التأليف – فإننا سنجد أنها لم تقتصر على مسائل العبادات بل لقد ناقشت تفاصيل الواقع الاجتماعي والاقتصادي والحضاري لأبعد الحدود، وفيما يلي أورد بعض الأمثلة:

التخطيط العمراني: ذكر ابن أبي الربيع المتوفى سنة 885م ثمانية شروط ينبغي على الحاكم (أو الحكومة) مراعاتها في تخطيط المدن، منها: (... أن يقدر طرقها وشوارعها حتى تتناسب ولا تضيق... أن يحوطها بسور خوف اغتيال الأعداء لأنها بجملتها دار واحدة ... أن ينقل إليها من أهل الصنائع بقدر الحاجة لسكانها ). سلوك المالك في تدبير الممالك، ص192.

البيئة: يعتبر الفقهاء الهواء المطلق ملك للجميع ولا يملك أحد الاعتداء عليه . انظر مثلاً كتاب المبسوط للسرخسي ج20 ص 159.

لقد وضع الفقهاء وسائل هندسية للكشف عن سبب التصدع في المباني، كما تحدثوا عما نسميه اليوم بالتلوث البيئي والسمعي ( ابن الرامي، الإعلان في أحكام البنيان، ص 59-64).

ومع عظيم تقديرنا لما ذكر أعلاه من أمثلة إلا أنها تنطق وبشكل صريح بأن صلاحيتها قد انتهت، فالمقياس – على سبيل المثال - الذي اعتمده فقهاء الأمس للكشف عن سبب التصدع في المباني لا يصلح أبداً أمام هذا التطور الحضاري الواسع، وبالتالي فإنه بات من الضروري - لمعرفة المقياس المناسب في زماننا - اللجوء إلى الهندسة المدنية.

 

إذاً لا يمكن توجيه اللوم إلى الفقه أو إلى من كتب فيه، بل اللوم يتوجه نحو طريقتنا في التعامل معه، وفي قراءتنا له، والتي تعاني من ثغرتين أساسيتين:

تقديس الفقه: وذلك نتيجة الربط بين الحكم والنص دون الإشارة إلى الدور البشري للفقيه في استخراج الحكم وفهم النص، فصار الحكم الفقهي المبني على الاجتهاد أشبه ما يكون بالنص المقدس، الأمر الذي انعكس سلباً على دارسي الفقه الذين أصبحوا يرفضون أي عملية إصلاحية تمتد للفقه، ناهيك عن غياب تعلم أهم حلقة في الفقه وهي طريقة الربط بين الحكم والنص، فأصبح الجواب: هذا حلال وهذا حرام ، دون فهم السبب.

- تحجيم الفقه: وذلك نتيجة المحافظة على قراءة مسائل وأبحاث بعيدة عن واقعنا كل البعد، والخجل أو التعالي ربما على قراءة الأبحاث والعلوم التي تهمنا.

وهكذا فإن ما يتم تدريسه اليوم في المؤسسات التعليمية الدينية على أنه فقه هو ليس إلا صورة قديمة للفقه بالأسود والأبيض، أما تدريس الفقه الحقيقي فشأنه شأن كثير من إجراءات الاستئصال والزراعة التي ينتظرها التعليم في عالمنا العربي، وإلى أن يتم ذلك بشكل رسمي فإنه لا بد من إدراك أن الاهتمام بمسائل العبادات لا يكفي وحده، وأن الخوض في تفاصيلها قضية ثانوية جداً أمام ما ينتظرنا من علوم ومعارف أساسية جداً إلا أننا أمييون فيها بامتياز.

 

ينبغي إشراك المختصين في الاقتصاد والإدارة والتنمية والسياسة في كتابة فقه يناسب زماننا ومكاننا، وأن تتاح الفرصة أمام هؤلاء كي يصعدوا منابر الجوامع، وكراسي التدريس في المساجد فيخاطبوا الناس عن قرب، ويقدموا لهم البرامج العملية والعلمية المنضبطة بمنظومة قيمنا ومبادئنا للخروج من هذا الواقع الذي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، لا سيما بعد أن أثبتت المناهج المعتمدة على رؤى علماء الدين فقط أنها لا تفي بالغرض، فأول خطوة في مشوار مائة ميل النهضة تبدأ عندما نواجه نقاط ضعفنا بقوة وجرأة.


 

 

 

التعليقات

نعم تحديث كتب الفقه وتطوير أساليب عرض المسائل المستجدة، واخضاعها للاجتهاد المبني على القواعد ولأسس الشرعية مدعمة بآراء أهل الاختصاص في كافة العلوم مطلب ملح، وغاية نبيلة حث عليها ديننا، ولكن السؤال: لماذا اختيار العناوين المثيرة التي تقترب من حدود الاستفزاز، هل تحذون في ذلك حذو عناوين الجرائد الرخيصة التي تهدف فقط إلى جلب القراء، على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة؟ أنصحكم أن تكونوا موضوعيين ساعين نحو الوصول إلى الحقيقة، وليس الى الاثارة الاعلامية أو إرضاء شرائح معينة من القراء.

نشكر لك مرورك وإفادتك، طالما اتفقنا على المضمون فربما مسألة العنوان تبدو ثانوية، كلنا أمل أن تجتمع الأمة على الطريق الذي يخرجها مما هي فيه ويعيد لها مكانتها بين الأمم.

علِّق