No votes yet
عدد القراءات: 15229

وسط الأنقاض، حلب تحاول العودة إلى الحياة الطبيعية

الكاتب الأصلي: 
Ruth Maclean
تاريخ النشر: 
5 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

الصورة: أبو أحمد، بائع حلويات في شرق حلب: "إن كان الشخص سعيداً يأتي لشراء الحلويات، وإن كان حزيناً فلن يأتي". (تصوير روث ماكلين/ الغارديان).

 

على الرغم من الظروف المزرية، يسعى المواطنون الباقون في مدينة كانت مزدهرة ذات مرة إلى لمّ بعض الشتات من حيواتهم السابقة.

 

بالقرب من قلعة حلب القديمة، تفوح رائحة الزهور والياسمين من أنقاض متجر نصف مدَمر تغطّيه الثقوب الناجمة عن الرصاص. لقد كان هذا المكان ساحة معركة منذ شهر مضى، إلا أنه كان لسنوات طوال متجراً للعطور، لكن الحرب لم تغير رائحته.

وعلى مر القرون كانت سوق حلب المزدحمة مشهورة عالمياً، كما كانت المدينة من بين النقاط الغربية على امتداد طريق الحرير في العصور الوسطى والقديمة. وكانت كذلك تعج بالعملاء المساومين ورجال الأعمال المخادعين والحمير وأكوام من البضائع؛ كالفستق والزعتر والصابون، من جميع أنحاء المنطقة.

لقد كانت المدينة غنية وكان معظم سكانها يعيشون ميسوري الحال، لكن أياً من هذا لم يعد موجوداً. وعلى الرغم من أن القسم الغربي من المدينة، والذي يخضع لسيطرة الحكومة، ما يزال نشطاً إلا أن الكثير من القاطنين فيه يعتمدون على الحوالات المالية التي تصلُهم من الخارج والرواتب التي تبلغ قيمتها جزءاً بسيطاً مما كانت عليه قبل الحرب. أما الجانب الشرقي، والذي سيطر عليه الثوار مسبقاً، فيقبع في الأنقاض عقب حملة القصف التي قادتها روسيا.

 

يقول أبو عبدو (71 عاماً): "لو أن الحرب ما زالت مستمرة، لكنتِ وجدتنا نأكل هذه الأعشاب"، مشيراً إلى ما يبدو وكأنه بذور اللفت تنمو وسط الأبنية المحطمة من حوله.

يجلس أبو عبدو وأصدقاؤه على مقاعد بلاستيكية خارج أقدم مسجد في مدينة حلب القديمة. ويخلّد

مسجد التوتة الصغير، أو مسجد شجرة التوت، البقعة التي يقال إن جيش المسلمين المنتصر توقف للصلاة فيها عقب استسلام الروم عام 637. وبفضل الله، معظم بناء المسجد ما يزال سليماً.

ولعل دمار القسم الشرقي لم يتسبب بوصول الحلبيين ممن ظلوا في مدينة حلب إلى مستوى أفقر شعوب العالم، لكن الكثيرين منهم كانوا معتادين على استخدام مكيفات الهواء واستخدام مئات المكونات في الطهي والحصول على مستوى تعليمي جيد، أما الآن فقد سقطوا من عَلِيْ.

وبعد 6 أعوام من اندلاع الثورة ضد بشار الأسد، ليس هنالك من نهاية تلوح في الأفق للحرب السورية. ففي الشمال، تشن كل من سوريا وروسيا غارات جوية، وفي الرقة لقي عشرات المدنيين مصرعهم جراء الغارات الجوية بقيادة الولايات المتحدة والتي كانت قد استهدفت فيها تنظيم الدولة الإسلامية.

هذا وما يزال الاقتتال مستمراً في ريف حلب، إلا أن أولئك الناجين من القصف في القسم الشرقي من المدينة ممن لم يطلبوا اللجوء ولم يخرجوا من المدينة يحاولون العودة إلى الحياة الطبيعية.

 

C:\Users\Bayan\Desktop\4051.jpg

صبي يبلغ من العمر ( 14 عاماً) يجلس في متجر يقول إنه ملكه في حلب الشرقية، يبيع الألعاب والمياه. (تصوير روث ماكلين/ الغارديان).

 

وبعد أن يخيم الظلام في حي الشعار، وبعد أن يصبح الحي الموجود في القسم الشرقي من حلب حالك السواد، يجلس صبي يبلغ من العمر (14 عاماً) في مدخل متجر يبيع فيه الألعاب والمياه وتحيط به أضواء تغذيها مولدات للطاقة. يقول الفتى إن المتجر ملك له ويمدد جسده على كرسي من البلاستيك محاولاً أن يبدو مالكاً.

أما أبو أحمد الذي يقرب عمره من (65 عاماً) فيبيع المعجنات والحلويات، وقبل بضعة أشهر، وبعد تحقيق الحكومة السورية المدعومة من الروس والإيرانيين التقدم في المعركة، تسببت شظية بجرح عميق في بطنه. ويقول إن الكادر الطبي في المشفى المقابل لمتجره اعتقدوا أنه لا أمل من شفائه وتركوه ملقىً على الأرض يلاقي مصيره، لكن ولحسن الحظ لحظه أحد الأطباء وأنقذ حياته.

ويتابع أبو أحمد فيقول: "كنت أعرف أني سأعيش، لقد كنت مليئاً بالأمل". وعندما سُئل عن السبب الذي منحه ذاك الأمل، شرع يبدأ بالبكاء ويقول: "لدي 3 فتيات في سن المراهقة، كنت أتمنى أن أحيا وأراهنّ يكبرن. عندما يكون لديكِ فتيات، يكون كل شيء في العالم ملك يديكِ، تكونين ثرية".

وبعد 5 أشهر من خسارته لإحدى كليتيه وقسم من كبده، يمضي أبو أحمد أيامه في حشو الدونات بالجبنة والمكسرات. ويقول: "إننا نكافح من أجل حياتنا، لذا يجب علينا أن نفتح متاجرنا. إني أعمل كي نتمكن من سد لقمة العيش".

ويعتمد أبو أحمد في قياس الصحة النفسية لأهل بلده الحلبيين على عدد المعجنات التي يبيعها، ويقول في ذلك: "إذا جاءني أحدهم يريد أن يشتري الحلويات، هذا يعني أنه سعيد، لكنه لن يفكر في شرائها إذا كان حزيناً".

ويَمضي أبو أحمد في حديثه: "ستظل حلب كما هي إلى الأبد. لقد قُدِّر للحجارة أن تتدمر في هذا الوقت، لكننا سنعيد بناءها. إن كنا نعني ذلك بما فيه الكفاية، سيعود هذا مستشفى مرة أخرى" قال ذلك وهو يشير إلى المستشفى قبالته الذي تُرك ليموت فيه. لكنه يضيف أن الأطباء والممرضين التحقوا بالمعارضة، ولن يعودوا.

وبناءً على ذلك، يُعد التحدث إلى أولئك الذين لم يغادروا حلب الشرقية جزءاً من الصورة الكاملة؛ ذلك أن الذين أُرغموا على المغادرة ليسوا موجودين ليحكوا قصصهم، ومن الصعب للغاية أيضاً أن نحكم على مدى صدق ونزاهة من بقي فيها، فالحكومة السورية وحلفاؤها يسيطرون على واقع حلب الحالي والوضع الماضي إلى حدٍّ ما.

وعندما سُئلت إحدى السيدات عن الحياة في القسم الذي يسيطر عليه الثوار في مدينة حلب، قالت: "لا أريد أن أذكر الحكومة بسوء".

وعلى ما يبدو أن حجارة حلب ليست الوحيدة التي تحتاج إعادة بناء.

 

وتصف الطفلة "فاطمة" البالغة من العمر (7 أعوام)، والتي كانت قد فقدت ساقها بعد تعرضها لقذيفة هاون، تقول: "إني أتذكر كل شيء".

وضعت فاطمة ساقاً اصطناعية أعدها مركز التأهيل البدني الذي يديره الصليب الأحمر. كما تتعلم فاطمة المشي وتساعدها اختصاصية فنية بوضع ساقها الاصطناعية الجديدة وتراقبها وهي تقفز في الغرفة وكأنها لا تلقي بالاً.

تعيش والدتها التركية "باهية سليمان" على النقود التي ترسلها لها عائلتها إلى أن تتمكن من العودة إلى ديارها، وتلقى باهية اللوم على زوجها السابق في إصابة ابنتها.

وتقول باهية في ذلك: "لقد قلت له: انظر ماذا حصل؟ لقد أصيبت ابنتنا لأنك لم تخرجنا من هنا". وتضيف: "لقد تركته لأنه السبب في قدومي إلى حلب وبقائي فيها".

الكثيرون هنا يعيشون يوماً بيوم، وما تزال المدينة المدمرة تعاني أزمة إنسانية حادة كما أن أولئك الذين يرجعون إلى القسم الشرقي من المدينة لا تتوفر لهم الكهرباء ولا يجدون فيها الأمان. ويعتمد هؤلاء على المساعدات الخيرية للحصول على الطعام والتأقلم مع حجم الدمار الكبير الذي لحق بمنازلهم وبالكاد يستطيعون ادّخار المال كذلك.

ولدى عودة الكثيرين إلى القسم الشرقي، يجدون منازلهم قد نُهِبَت، وهو أمر يلقي فيه المسؤولون الحكوميون اللوم على الثوار، بينما يقول آخرون إن ذلك من فِعل الجيش السوري في الأسابيع التي أمضاها في "تطهير" القسم الشرقي من الذخائر غير المتفجرة عقب عمليات إخلاء السكان منها.

وقال "جورج كومنينوس"، رئيس اللجنة الدولية التابعة للصليب الأحمر فرع حلب: "نحن نتصدى لحالة طارئة للغاية. ويعتقد الناس أن الوضع هادئ في مدينة حلب، وأن الأمور على خير ما يرام، والحقيقة عكس ذلك".

"يفكر الناس في عملية إعادة الإعمار، لكننا أبعد ما نكون عن أمر كهذا. ينبغي لنا أن نؤمّن الاحتياجات الأساسية أولاً"، حسب قول كومنينوس.

وعلى الرغم من هذا الوضع البائس، يحاول الناس أن يخلقوا شيئاً من أي شيء.

 

وتقول "انتصار أبو صالح"، اختصاصية أشعة تُسهم في إدارة مركز "التآلف"، وهو مؤسسة خيرية تقدم المساعدة للاجئين والأشخاص الذين يعيشون في القسم الشرقي من المدينة، تقول: "أنتِ لا تعرفين الشعب الحلبي"، وتضيف: "لقد مرت 6 أعوام على هذا الوضع، وما زالوا يعيشون حياتهم. إنهم يحبون الحياة، ويحبون المزاح. وحتى في هذه الحالة المظلمة، تجدينهم يسعون إلى العيش بمقدار قليل من الدعم".

ولقد كان مسجد شجرة التوت المكان المفضل للقاء أبي عبدو وأصحابه، حيث اعتاد هؤلاء الأصحاب على أن يكونوا محاطين بأحاديث عن الأعمال والتجارة والعبادة والسياحة والشؤون العائلية.

بالإضافة إلى ما سبق، لحق بعض الضرر بمئذنة المسجد الضخمة، كما تحمل حجارتها كتابات بالطلاء الأسود.

في بعض الأحيان، يمر شخص ما، وفي أحيان أخرى، تأتي مجموعة من الأطفال يعيشون في الجوار ليروا ما إذا كان المسجد مفتوحاً، لكن ما يجدونه في الغالب، هو مجرد صوت ثرثرة الرجال.

لكن الحياة في حلب مستمرة، هكذا يقول أبو عبدو: "لطالما جلسنا خارج المسجد، لذلك نحن هنا الآن".

--------------------------

الكاتب:

روث ماكلين (Ruth Maclean): مراسلة غرب أفريقيا للغارديان.

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2532165

مقالات المترجم