Your rating: لا يوجد (2 votes)
عدد القراءات: 2871

واهمٌ من يعتقد أن الغربيين يتدفقون إلى صفوف داعش بسبب حرب العراق

الكاتب الأصلي: 
Azeem Ibrahim
تاريخ النشر: 
29 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

 

تستغل داعش بأيديولوجيتها الجهادية التناقضات الكامنة بشكل فريد وتقدم جواب نظرية المؤامرة : هذا ليس خطأك.

 

عندما يرتكب المتطرفون الإسلاميون بعض الأعمال الشنيعة، فإنهم غالباً ما يبررون ذلك كاستجابة شرعية للسياسة الخارجية للغرب في العالم الإسلامي. الغرب معتدٍ على "أراضي المسلمين" ويضطهد المسلمين أيضاً، لذلك فإن رداً عنيفاً بنفس القدر هو أمر مناسب تماماً.

سأبدأ بتوضيح الواضحات: إن السياسة الخارجية الغربية في الشرق الأوسط كانت مختلةً جداً، وكثيراً ما كانت مسؤولة عن نتائج ضارة. حرب العراق مثالٌ واضح على ذلك، ولكن الأمر يمتد بجذوره نحو قرن كامل من الماضي. ومع ذلك فإن الفكرة القائلة بأن التطرف الذي يتجه إلى الناس في الشرق الأوسط أو حتى في الغرب هو رد على التدخلات الغربية في العالم الإسلامي هي فكرة غير منطقية.

إن هذا الإدعاء ليس سوى أداة خطابية لإظهار التظلم والتضحية باستدعاء عقيدة "الاستشهاد" الجهادية. الهدف منه هو صبغ الوقائع بلوني الأبيض والأسود فقط، نحن ضد الآخرين، تلك النظرة التي تُبرر أشد تجاوزات الإرهابيين ترويعاً بأنها "ضرورية" في المعركة الفاصلة بين "نحن الخير" و "هم الشر": "إنهم يهاجموننا!! ونحن ندافع عن أنفسنا فقط!! نحن الأخيار في هذه المعركة". من الواضح أنه يجب تعليم الأطفال الصغار القتل بوحشية وبلا رحمة كأسلوبٍ للدفاع عن النفس!.

لو كانت القضية حقاً أن حركة الجهاد العالمية بتجلياتها الحالية ما هي إلا رد فعل على "الإمبريالية" الغربية في الشرق الأوسط، فإن لنا أن نتوقع لهذه الحركة ميزات معينة، وتصرفاتٍ محددة. على سبيل المثال كنا نتوقع أن مثل هذه الحركة ستسعى إلى توحيد المسلمين وحتى غير المسلمين في دول الشرق الأوسط المتضررة وحشد الجهود في صراع ضد العدوان الإمبريالي الغربي، لتستهدف على وجه الخصوص المنشآت والمصالح الغربية في المنطقة.

ومع ذلك تفعل داعش وأمثالها عكس ذلك تماماً. هذا يتكرر في كثير من الأحيان، ولكن لا يبدو أنه يتورط كثيراً مع المجتمع الغربي: الهدف الأساسي لداعش والجماعات المماثلة ليس الغرب. بل هو المسلمون الآخرون. الشيعة قبل كل شيء. ولكن أيضاً الجماعات الإثنية والدينية والقبلية الأخرى.

الهجمات على الغرب نادرة نسبياً، وصغيرة الحجم مقارنة بما يجب على الجماعات الأُخرى أن تعاني منه. لقد كان هجوم باريس في تشرين الثاني الماضي هو الهجوم الأكبر الذي شنته داعش على الغرب. راح ضحيته 130 شخصاً وجُرح 368 آخرون. لقد كان هجوماً مروعاً بكل المقاييس ولكن قارنه بالهجمات على الشيعة أو الأقلية اليزيدية مثلاً. في تشرين الأول عام 2014 أعدمت داعش 1700 من المدنيين الشيعة في جلسة واحدة في معسكر سبايكر، وقتلت أيضاً 670 سجيناً شيعياً في مذبحة أخرى وقعت في تكريت. وبحلول عام 2015 قيم متحف الهولوكوست التذكاري الأمريكي أن داعش ارتكبت إبادة جماعية ضد اليزيديين وجرائم تطهير عرقي وجرائم حرب ضد الشيعة والأكراد والمسيحيين والمندائيين والجماعات الأخرى.

 

أما الهجمات الصغيرة على نطاق ضيق والتي يقل عدد ضحاياها عن عشر فإنها تحدث كثيراً. يبدو أن هذه الهجمات تحدث في الغرب بمعدل عملية كل شهرين في العام الماضي مقارنةً بما يحدث في الشرق الأوسط حيث عمليات القتل العشوائي للمدنيين الشيعة وتفجير الأسواق والمساجد الشيعية فهي تحدث كل يوم.

ودعونا لا ننسى أن الهجمات التي تحدث في الغرب، وخاصة الهجمات الأخيرة في الولايات المتحدة، ليس لديها إلا روابط ضعيفة بتنظيم داعش. لا يتعدى الأمر واحداً أو اثنين من المختلين المسلحين الذي "يتعهد بالولاء" لداعش من غرفة نومه، ثم لا يكون له اتصال مع داعش يتعدى هذا المستوى.

تُعتبر هذه الهجمات بالنسبة لداعش أمراً مهماً للعلاقات العامة والتسويق. فهذه الهجمات تسمح لها بتجنيد مقاتلين أجانب في معاركها في الشرق الأوسط. كما أن تغطية الإعلام الغربي لهذه الهجمات تضمن لداعش صورة من النفوذ والهيبة. ولكن بالنسبة لهم، المعارك الحقيقية هي ضد الحكومة الشيعية في العراق، والحكومة الشيعية العلوية في سوريا والأكراد وأي أقلية غير سنية وبالتالي "غير مسلمة" تتواجد على "أراضي المسلمين".

 

لو كانت داعش تريد الدفاع عن الشرق الأوسط من "العدوان" الغربي فلماذا تستهدف إندونيسيا وهي أكبر بلد مسلم من حيث تعداد السكان في العالم؟ ولم يكن لأندونيسيا أي شأن مع السياسة الخارجية الغربية. و "الخطيئة" الوحيدة التي وقعت بها أندونيسيا هي أنها تمارس نوعاً متسامحاً ومتساهلاً من الإسلام وتفعل ذلك بنجاح كبير. وأمثال داعش لا يجدون ما هو أخطر عليهم مِن مَن يمثلون الإسلام المتسامح الداعي للسلام مع الآخرين وينجحون في ذلك. إن أندونيسيا لا تتعرض لهجمات الصليبيين والصهاينة، وتتعايش مع كل الطوائف الإسلامية والديانات الأُخرى. وهذا ما يجعلها "غير إسلامية" بحسب أيديولوجية هؤلاء الجهاديين المشوهة. فهذا النموذج لا يتماشى مع أيديولوجية التظلم والتضحية ولذلك لا يمكنها أن تكون إسلامية.

ولكن ماذا عن المسلمين المتطرفين في الغرب؟ الشباب والشابات الذين ولدوا في الغرب ونشأوا فيه، ولكنهم أصبحوا متطرفين واتجهوا للقتال في سوريا أو سَعوا لشن هجمات في شوارع المدن الغربية. هل كان التدخل الغربي في الشرق الأوسط سبباً في اتجاههم نحو التطرف؟

الجواب لا. فالتطرف ظاهرة معقدة. هناك من الأسباب التي تدفع للتطرف بعدد ما يوجد من الشباب الذين اتجهوا للتطرف. فكل واحد منهم لديه قصته الخاصة مع مزيج معقد من الأسباب يحاول أن يُفسر بعقلانية تزيد أو تنقص لماذا اتجه نحو الفكر المتطرف. ومع ذلك يمكننا ملاحظة بعض الأنماط القوية في هؤلاء المتطرفين المنبثقة عن مجموعة متزايدة من البحوث في مختلف التخصصات والهادفة لدراسة التطرف.

 

على سبيل المثال معظم هؤلاء الشباب جاؤوا من بيئات اجتماعية غير آمنة وغير مستقرة ولديهم سجل بجنحٍ صغيرة بالإضافة لمشاكل الشرب والمخدرات. من الجدير بالذكر أن هذا الاتجاه ملازم بشكل خاص للذين يغيرون دينهم إلى الإسلام من البيض الغربيين. قد يشعرون أن حياتهم تفتقر إلى التوجيه، ولكنهم يشعرون أيضاً بقلة الحيلة والحرمان من الحقوق. ويشعرون أنهم لا يُسيطرون على أقدارهم.

ما تُقدمه منظمات مثل داعش لهؤلاء هو احتواءٌ مباشر بالإضافة إلى هدفٍ للحياة. يمكنك أن تكون تاجر مخدرات عاطلاً مثيراً للشفقة في يومٍ ما ولكنك بمجرد أن تأخذ الطائرة إلى تركيا ثم تعبر الحدود نحو سوريا فقد تحولت مباشرةً إلى مقاتل في سبيل الله.

يضمن هؤلاء المجنَّدون الجنة في الحياة الآخرة ولكنهم أيضاً يحصلون على الفرصة لإقامة دولة الله على الأرض. تلك اليوتوبيا السياسية التي لم نسمع عنها على وجه الأرض منذ انهيار الشيوعية. يحصلون على كل هذا ومعه أيضاً مجال للتنفيس عن العنف في داخلهم وعن الإحباط الجنسي لديهم وقد أظهرت البحوث أن المجندين هؤلاء يعانون من كلا الأمرين. في أي مكان آخر على وجه الأرض تستطيع الحصول على الشعور بالإنتماء، والفرصة للمشاركة ببناء جنة الله على الأرض، والفرصة لمحاربة الأشرار واسترقاق الكثير من "نسائهم" بقدر ما تستطيع؟ بالنظر إلى ثقافةٍ مثل ثقافتنا تُمجد القوة الجنسية والعنف واليوتوبيا السياسية، فهل من المتسغرب أن ينساق الكثيرون لما تعدهم به داعش؟

السياسة الخارجية الغربية؟ طبعاً لما لا؟ تبدو كأنها حجة منطقية. لنقل بها إذاً. ولكن هل هذا حقاً ما يجعل أي واحد منهم ينهض من فراشه كل صباح؟ لو أن الغرب "خرج من الأراضي الإسلامية" غداً، هل سيكون الوضع أفضل لأي كان في الشرق الأوسط؟ وهل هناك أي طريقة يمكن بها لكافة الدول الغربية أن تقطع العلاقات تماماً مع الشرق الأوسط بحيث يمكن القول أنها "خرجت من الأراضي الإسلامية"؟ في عقلية هؤلاء المتعصبين يصبح مجرد التحدث مع "غير المسلمين" سبباً في فساد نقاء أخلاق الواحد منهم.

والخلاصة أن كثيراً من هذه الشكاوي ضد السياسة الخارجية الغربية ما هو إلا مجرد ممارسة للإنكار: ما ينكره العالم الإسلامي والشباب المسلمون الذين يعيشون هنا في الغرب هو أن معظم المشاكل التي تواجه المسلمين في العالم الإسلامي ليست إلا نتيجة أعمال المسلمين أنفسهم الذين يعيشون هناك. تلك المشاكل من منافساتٍ طائفية وقَبلية محلية ومنافسات إقليمية بين إيران والمملكة العربية السعودية مع استحكام الفساد المتفشي ومعاناة الإقتصاد من سوء إدارة مزمن والتفاوت الاجتماعي الفادح بين عامة الشعب ونخبة صغيرة تحتكر النفط والموارد الرئيسية الأخرى وتزايد أعداد الشباب الذين ليس أمامهم أفق اقتصادية لم تترك للشباب خياراتٍ كثيرةً سوى أن يحملوا البندقية. هذه هي المشاكل الأساسية في الشرق الأوسط، ولا علاقة لها بالغرب أو بسياسته الخارجية في المنطقة. لكنها هي السبب في دفع السكان المحليين نحو التطرف.

تستغل داعش بأيديولوجيتها الجهادية التناقضات الكامنة بشكل فريد وتقدم جواب نظرية المؤامرة : ليس هذا خطأك. هناك شرير كبير يجلس بعيداً في كهف مظلم هو المسؤول الذي خطط لكل مشاكلك هذه. أنتم أناس طيبون، وكل مشاكلنا ستُحل إذا ذهبنا وقتلنا هؤلاء الأشرار. من هم الأشرار؟ لا تقلق بشأن ذلك سندلك عليهم حينما نصل إلى ساحة القتال. في الطب النفسي نُسمي هذه العملية الحرمان والتشريد على التوالي. في العالم الحقيقي علينا أن نُسمي هذا أداة الدين لفرض أيديولجية الموت والمأساة الحقيقية.

 

--------------------

الكاتب:

الدكتور عزام ابراهيم (Azeem Ibrahim): زميل في كلية مانسفيلد في جامعة اكسفورد وأستاذ البحوث في معهد الدراسات الاستراتيجية في كلية حرب الجيش الأمريكي.

علِّق

المنشورات: 56
القراءات: 565383

مقالات المترجم