عدد القراءات: 6840

هل يصبح الحوار الإسلامي العلماني في سوريا الضرورة المستحيلة؟

في حوارٍ لياسين الحاج صالح مع موقع (دويتشة فيله) الألماني، يسأله الصحفي: "في أحد تصريحاتك هذا العام أكدت على "ضرورة تقوية التيار العلماني لإجبار التيار الإسلامي على الاعتدال"، هل هذا الكلام مازال ساري المفعول اليوم بعد تزايد قوة التيارات الإسلامية المتشددة في المنطقة وخاصة سوريا؟".
فتأتي إجابته على الشكل التالي:

"كلامي الوارد في السؤال ورد في سياق الاعتراض على مطالبة أحد المتكلمين في جلسة نقاش في باريس بأن يعمل أمثالنا على تطوير فكر إسلامي معتدل. قلت إني لست إسلامياً، ومن يفترض أن ينتج فكرا إسلاميا معتدلا هم الإسلاميون، أما نحن فنعمل على بناء قوى علمانية وازنة، وتُلزم الإسلاميين بالاعتدال. ولا يزال التصور المضمن في السؤال صحيحا في رأيي، لكن بشرط كسر ثنائية علماني إسلامي باتجاهات ثلاثة. أولا: باتجاه رؤية تعدد العلمانية ذاتها، ووجود نسخ جهادية أو" داعشية" منها، مفتقرة إلى أي مضمون تحرري. ليس لدي أدنى احترام لهذه العلمانية التي وجدت نفسها دوما إلى جانب نظم الطغيان، وبلع أربابها ألسنتهم حيال فاشية النظام، في الماضي واليوم.
وثانيا: كسر الثنائية باتجاه رؤية تعدد الإسلاميين، إذ لا أرى صائبا إجمال الإسلاميين كلهم في خانة واحدة. هذا منطق حرب شاملة، وليس منطق معرفة صحيحة بواقع الحال، ولا منطق سياسة مثمرة. ليس بين كتل الإسلاميين من هم سند حتى النهاية لسياسة تحررية، لكن بعضهم شركاء محتملون على بعض جبهات الصراع، وبعضهم خصوم، وبعضهم أعداء دوما.
وثالثا: يجب كسر ثنائية إسلاميين علمانيين باتجاه رؤية أن لدينا عدوا يفوق في وحشيته أشد الإسلاميين وحشية، وهو النظام الأسدي. لا يجوز للعلمانية أن تكون ذريعة لاصطناع علاقة قربى بنظام قاتل، غذى التطرف في المجتمع، وسعّر الطائفية، وجلب محتلين أجانب للدفاع عن حكمه الوراثي غير الشرعي. في كل مكان من العالم يوصف من يفعل ذلك بأنه خائن للوطن. والنظام الأسدي خائن للوطن السوري.
أدافع من جهتي عن علمانية تحررية، تنخرط في الصراع من أجل التحرر السياسي والاجتماعي والفكري بين الناس، ولا تتعالى على الناس باسم قيم مجردة وخارجية عن كفاحهم".

الاقتباس المطول أعلاه ضروري لأن الحاج صالح يطرحُ فيه، بتركيزٍ ووضوح، مايمكن أن يكون أرضيةً منهجية لتحقيق مهمةٍ أساسية، وإن رأى البعضُ فيها (ترفاً) ثقافياً في الظروف الراهنة: الحوار الإسلامي العلماني، في سوريا وبين السوريين تحديداً.
في الإجابة أعلاه يتعامل الكاتب مع ثنائية علماني / إسلامي بكثيرٍ من الدقة العلمية، ولكن أيضاً بدرجةٍ عالية من العدل والإنصاف. فهو يؤكد بصراحةٍ قاطعة على وجود علمانية فيها من السوء مايُسوﱢغ توصيفها بأنها (داعشية). ثم إنه يرفض التعامل مع الإسلاميين بعد وضعهم جميعاً في خانةٍ نمطية واحدة، لأن النتيجة الوحيدة لهذه الممارسة هي (منطق الحرب الشاملة)، وهو أخيراً يُصر على تخصيص النظام الأسدي بمرتبة العدو الأساسي، رافضاً استدعاء ظواهر التطرف كمبررٍ لأي تغييرٍ في تلك الحقيقة، تترتب عليه ممارسات مشبوهة على المستويين الشعوري والعملي.
من النادر جداً أن يظهر مثل هذا الموقف المنهجي الصريح والحاسم في أوساط العلمانيين السوريين، خاصةً إذا كان الحديث عن الأسماء المعروفة والمؤثرة. من هنا، يمكن القول بأن طروحات الحاج صالح توفر مدخلاً لمحاولة العمل على ترتيب حوارٍ إسلامي / علماني، بات مطلوباً أكثر من أي وقتٍ سابق، على عكس ظن الكثيرين.
لكن ثمة ملابسات كثيرة تتدخل في مثل هذا الموضوع لتضع العقبات في وجه إمكانية حصوله.
أحد هذه العقبات يُحيل إلى مجمل علاقتنا بالثقافة وعالم الأفكار، وخاصةً في عصر الإنترنت والفيسبوك تحديداً. فالحاج صالح يعتمد، مثلاً، بشكلٍ متزايد على نشر جرعاتٍ (مكثفة) من أفكاره على موقعه، وأحياناً بما لايتعدى جملة في بضع كلمات.
وإذ تفهمُ قلةٌ مايعنيه لأنها تضعه في سياق رؤيته المتكاملة الواردة في كتبه ودراساته، إلا أن الغالبية العظمى من القراء تنظر إليه، ليس فقط في معزلٍ عن ذلك السياق، بل وتقرؤه في سياق التوتر العام الذي يعيشه السوريون حالياً نتيجة الضغط النفسي والعملي غير المسبوق، ربما تاريخياً، على شعبٍ من الشعوب.
وفي أجواءَ تُثبت غياب الضمير العالمي فيما يتعلق بالثورة السورية، وأخرى تعم فيها الفوضى بخصوص فساد النخبة السورية وسقوطها في وِهاد التبعية والانتهازية على حساب السوريين. وفي ظروفَ تغيب فيها إلى درجةٍ طاغية ثقافة القراءة الحقيقية بما تتضمنه من قراءة الكتب والتثبت من الأقاويل وربط الحقائق والفهم الشمولي للطروحات. في ظل تلك الملابسات، تنقلب ملاحظات، أو (بوستات)، الحاج صالح في نظر كثيرٍ من قرائه (الفيسبوكيين) لتصبح مجالاً للاتهام والهجوم والتجني. ثمة شريحة واسعة من قرائه، العلمانيين إن صح القول، تُعرب عن قبولها الكامل لأفكاره وتدافع عنه بطبيعة الحال. وهناك أقليةٌ ممن يعتبرون الإسلام هويةً أو مرجعيةً ممن يحاولون الحوار معه ومناقشة أفكاره، لكن أكثرية الذين ينظرون للإسلام بتلك الصفة يرون في ملاحظاته مجرد هجوم على (الإسلام) و(الإسلاميين) و(المسلمين).
يظهر وجهٌ رئيس من وجوه المشكلة في العبارة الأخيرة أعلاه. فالحاج صالح يُفرﱢقُ بوضوح بين دلالات المصطلحات الواردة فيها، ويشرح ذلك بدقة في كتبه، مؤكداً على أن نقده الأكبر ينصبُ على (الإسلاميين)، والاصطلاح هذا عندهُ يدلُ على (الحركيين والحزبيين) الذين يتحركون في الفضاء العام (باسم الإسلام). وبما أن هؤلاء يتحركون في هذا الفضاء، وفي كثيرٍ من الأحيان بغرض احتكاره بذلك الاسم، فإن من الطبيعي جداً لكل من يهتم بالشأن العام أن يقول رأيه في أفكارهم وممارساتهم.
بالمقابل، تخلط الغالبية العظمى، ممن ينطلقون من الإسلام كمرجعية، بين تلك المصطلحات إلى درجة كبيرة، وتضيع عندها أي فروق بين الإسلام كدين وبين المسلمين كجماعة بشرية ضخمة، وبين مجموعات منظمة سياسياً (أو عسكرياً)، هي عددياً أقليةٌ صُغرى في تلك الجماعة، لكنها، عملياً، تحاول احتكار (تفسير الدين) من جهة، واحتكار(تمثيل المسلمين) من جهةٍ أخرى. وهي، رغم كونها أقلية، تمثل الشريحة الأكثر تأثيراً عملياً في الواقع الإسلامي، والسوري، الراهن. وهي، رغم تضارُب تفسيرها للدين، وتنافسها الذي يصل حد الاحتراب أحياناً، بناءً على ذلك التضارب، إلا أنها تجتمع متوافقةً على نقطة (الخلط) بين دلالات المصطلحات المذكورة. ببساطة، لأن هذا الخلط يوفر لها (خطوط دفاع) قوية تنتج عن التماهي في أذهان المسلمين بين إسلامهم، بمقامه العالي لديهم، وبين ممارسات الإسلاميين وأفكارهم.
لا يعرف المرء مثقفاً علمانياً سورياً دافع عن حق الإسلاميين في الوجود، وتعرﱠض من أجل ذلك للهجوم من أصدقائه العلمانيين أكثرَ من ياسين الحاج صالح. ومامن مثقفٍ وقفَ، مثله، ولايزال، موقفاً قيمياً منسجماً مع أفكاره بالنسبة للوطن والثورة، رغم الصعوبات من ناحية، ورغم الإغراءات التي رفضها، في حين استجاب لها كثيرون من أقرانه، من ناحيةٍ ثانية. ومامن مثقفٍ علماني يمكن أن تكون طروحاته، شَرطَ النظر إليها بشمولها، مدخلاً لحوارٍ علماني إسلامي لامفر من حصوله، أكثر من طروحات الرجل.
رغم هذا، تخلقُ الملابسات المذكورة سابقاً سداً يزداد ارتفاعه في وجه مثل هذا الحوار.
فهو، من جانب، يغردُ شبه وحيدٍ في سربه، بينما المثقفون العلمانيون السوريون المعروفون يفقدون صدقيتهم العلمية، وأحياناً الشخصية، مع تتالي الأحداث والمواقف. وغالبية الإسلاميين، من جانب آخر، غارقون في عوالمهم الذاتية، وفي محاولة (تلبيس) القضية السورية بعناصر تلك العوالم، غافلين عن أولوية مثل هذا الحوار وأهميته الاستراتيجية.
قد يكمن مدخل التعامل مع الموضوع في تجنب الأسماء واليافطات (الكبيرة) و(المعروفة) على مستوى الأفراد والتجمعات، والاعتماد على جيلٍ جديد من الكتاب والباحثين والمثقفين العلمانيين والإسلاميين. ليس ضرورياً أن ينطبق على هؤلاء الإسلاميين تعريف الحاج صالح لهم، بمعنى أنهم يمثلون أحزاباً وتنظيمات إسلامية، بل الأرجح أن يكونوا مستقلين، والأرجحُ أيضاً أن يكون استقلالهم هذا سبيلاً لمزيد من الموضوعية، المطلوبة في مثل هذه العمليات.
المهم في هذا المدخل أيضاً أنه سيكون فرصةً للإصرار على قاعدة "رؤية تعدد الإسلاميين" وعدم "إجمال الإسلاميين كلهم في خانة واحدة"، كما ذكر الحاج صالح في إجابته على السؤال أعلاه. بحيث يمكن نزع صفة احتكار المرجعية الإسلامية ووصف (الإسلاميين) من أهل الأحزاب والتنظيمات حصراً، بحثاً عن "منطق معرفة صحيحة بواقع الحال"، وعن "منطق سياسة مثمرة". علماً أنه مامن أحد يمكن له أن يوصد باب المشاركة في مثل هذا المسار في وجه الإسلاميين الحزبيين إذا أرادو ذلك.
خلاصة القول أن الحوار العلماني الإسلامي في سوريا ضرورةٌ ذات أولوية، ومع تسلط (أصحاب الضجيج)، من العلمانيين والإسلاميين، على المسار السياسي وإيصاله إلى أفقٍ مسدود، يُصبح مرفوضاً السماح لهم بتحويل هذا الحوار إلى ضرورةٍ مُستحيلة. علَّهُ يكون مدخلاً لتثقيف السياسة، وسبيلاً لإخراجها، بالتالي، من حالة الاهتراء الشامل التي باتت عليها في واقع الحال.

علِّق