عدد القراءات: 1966

هل يحلّ علم الاحتمالات أزمة علم الحديث؟

في مقابلة تلفزيونية مع العالم التطوري ريتشارد داوكنز (بابا) الإلحاد في العالم وصاحب كتاب (هم الإله)، يسأله مقدم البرنامح الممثل الأمريكي بين شتين عن إحتمالية عدم وجود إله، فيجيب داوكنز بأنّها احتمالية ضعيفة ومستبعدة، ثمّ يضع رقماً لتلك الاحتمالية هو ( 99%)، فيسأله (بين) لماذا لا تكون 97% فقط، هنا يرتبك داوكنز و يقول: احتمالية عدم وجود إله عالية و هي فوق 50% حتماً

هكذا بخمس دقائق انهارت نسبة داوكنز الإحتمالية من 99% إلى 50%، و أصبح النقاش عبارة عن لعبة أرقام، في خمس دقائق تم هزّ تلك الوثوقية التي كان ينطلق منها داوكنز، بمجرد أن تم تحويل الإحتمال العقلي إلى إحتمال رياضي.

 

يعلم كل دارس لعلم الحديث أن مبناه  على الاحتمال، أو الظن، فليس في علم الحديث قطع و يقين إلا في المتواتر، و المتواتر قليل جداً و نادر.

فلنترك المتواتر الآن و لنتحدث عن خبر الآحاد، و هو الخبر الذي يرويه واحد من الناس (في الغالب الأعم)، و يتم تعريفه بأنّه مادون المتواتر.

يعتبر حديث الآحاد عمود السنة النبويّة، فغالب المرويات الحديثية هي من الآحاد، و عندما يحكم علماء الحديث على الحديث بأنه صحيح، فهذا يعني أن هناك احتمالية جيدة في صدور هذا الحديث عن النبي، و حين يحكمون بالضعف على حديث ما، فهذا يعني أن احتمالية صدوره عن النبي أقل، أو ضعيفة .

مثلاً : حديث في سنده خمسة رجال ( فلان عن فلان عن فلان،، الخ)، هذا حديث آحاد، و لنفترض أن رجاله ثقات حفّاظ ما عدا واحداً منهم سنفترضه ضعيف الحفظ، هذا الحديث يحكم عليه المحدثون بالضعف، مع أنه لا يلزم من الشخص الضعيف الحفظ أن يخطئ، بل هناك احتمالية لا بأس بها ألا يخطئ، و لكن احتمالية خطئه أكبر، لذلك يحكمون على هذا الحديث بالضعف .

و كذلك يقال عن السند الذي جميع رجاله ثقات حفّاظ، فاحتمالية خطئهم أقل، واحتمالية صدقهم أعلى، لذلك نحكم بالصحة على السند، و بالتالي على الحديث.

و من درس هذا العلم، يعلم أن شرط الإمام البخاري في صحيحه يختلف عن شرط الإمام مسلم، فالبخاري اشترط اللقيا، أي أن يكون كل راوٍ في السند قد التقى بالآخر و سمع منه، بينما مسلم اشترط المعاصرة فقط، أي أن يكون الرواة قد عاشوا في مدة زمنية واحدة، بغض النظر هل بلغه أنهما التقيا أم لا.

و طبعا شرط البخاري أفضل، فهو يفيد احتمالية أكبر في سماع كل راوٍ من الآخر، بعكس شرط مسلم، الذي يفيد احتمالية أقل .

و هكذا، فكل علم الحديث تقريباً مبني على الاحتمال، و هو ولا شك علم مبتكر.

 

الانتقال من الاحتمال العقلي إلى الاحتمال الرياضي :

إن علم الحديث هو علم بشري اجتهد به العقل المسلم بغية معرفة سنن نبيه عليه السلام و هذه القواعد الحديثية ليست قرآنا منزلاً، بل بدعة حسنة و اجتهاد بشري قابل للنقد،  قابل للتجديد و إعادة الهيكلة و الأخذ و الرد، خاصة في عصرنا هذا و قد تحصّل لنا من العلوم والمعارف ما لم يكن في متناول أجددانا و أسلافنا .

 

و لكن، كيف يكون التجديد ؟

كل مانريده من هذه الكلمات هو رمي حجر في بركة وعينا كي  تحرّك الماء الراكد، لتحدث شرارة في عقولنا تحثّنا على التفكير، و لسنا ندّعي أن ما سنقترحه هو الجواب النهائي و الطريق الأوحد لتجديد هذا العلم، بل هو اقتراح، مجرد اقتراح، فنقول: يمكن أن يكون التجديد في هذا العلم بالانتقال من الاحتمال العقلي إلى الاحتمال الرياضي، و الاحتمال العقلي هو الاحتمال الذي يرجحه العقل بالقرائن، بينما الرياضي هو التعبير عن ذلك الاحتمال العقلي بالأرقام الرياضية .

مثلا : لنفرض أن لدينا حديثاً في سنده خمسة رجال ثقات حفّاظ، و لنفرض أن نسبة مصداقية كل واحد منهم 90% ( 10% هي نسبة خطأ الراوي و كذبه و نسيانه و تدليسه و و الخ)، فإن نسبة صحة هذا الحديث تكون نتيجة لحاصل ضرب نسب الاحتمال في بعضها :  0.9 *0.9 * 0.9 * 0.9 * 0.9 =  0.5، أي احتمالية صدور هذا الحديث عن النبي هي 50% .

فإذا ورد هذا الحديث من طريق آخر برجال مختلفين، و إذا افترضنا نسبة الصحة ذاتها، فتكون نسبة الخطأ في صدور هذا الحديث عن النبي هي : 0.5 *0.5 = 25% ، أي نسبة الصحة سترتفع لتكون 75% .

نلاحظ أن نسب الخطأ تتراكم في السند الواحد، بينما نسب الصحة هي التي تتراكم عندما يأتي سند آخر يعضد السند الأول .

هذه النسب تبرر رياضياً قول المتكلمين أن التواتر يفيد القطع و اليقين، لأن نسب الصحة هي التي تتراكم حين يأتينا الخبر من مصادر أخرى حتى يبلغ الخبر مرتبة التواتر، فلو فرضنا حديثاً نقله عشرة رجال بنسبة الصحة ذاتها 90% ( 10% احتمالية الخطأ )  سنرى أن نسبة الخطأ ستكون : 0.00000000001 .

 

كل هذه الأرقام تقريبية و افتراضية، و لكن كيف لنا أن نأتي بأرقام حقيقية ؟

هذا هو التحدي الأكبر لهذا الإقتراح، و لكنّه ممكن من خلال التجربة العلمية... نعم يمكن لنا أن ندخل الأخبار البشرية إلى مختبر العلوم، ويمكن اليوم البحث عن عينات من الرجال  تقارب رجال الإسناد في الحديث النبوي ( عينات من رجال عدول و غير عدول، حفظة و أقل حفظاً) و نجعلهم يروون خبراً ما، و يتناقلونه بينهم في مدة زمنية معينة، و من ثم نرى مدى انحراف الخبر المنقول عن الخبر الأصلي، و مدى انحراف كل خبر عن الآخر، و هكذا.

و بذلك يمكن الوصول إلى قيم تقريبية لاحتمالية الصحة .

بهذا يمكن أن نرى الحديث و بقربه ( صحيح بنسبة 80% ) مثلاً، عوض عن كلمة (صحيح) فقط، هذه الكلمة التي طالما استخدمت كالسيف و مورس باسمها الكهنوت الديني بأبشع صوره.

طبعا هذا مشروع لا يقدر عليه الأفراد، لا بد من حكومات وجامعات و مؤسسات بحثية تقوم بهذا الجهد الجبار خدمة لتراث هذه الأمة، لعلها تخرج من هذه الدوامة التي أصابت شبابنا بالدوار و الغثيان.

و لعلي في الخاتمة أذكر مثالاً جميلاً معبراً عن وضع تراث هذه الأمة و مدة حاجتنا للإصلاح و التجديد.

كلنا يعرف حديث (لا تبدؤوا أهل الكتاب بالسلام وإن لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه)، هذا الحديث الذي أقل ما يقال فيه أنه حديث عنصريّ مقيت، قد أخذ به جمهور فقهاء أهل السنة، فلا يجوز ابتداء السلام على أهل الكتاب، و يجب أن نضطرهم إلى أضيق الطريق كي لا يزعجوا (سيدهم) المسلم.

 

المشكلة ليست في هذا الحكم الفقهي فقط، بل المشكلة الكبرى أن دكتوراً كويتياً في الشريعة قام ببحث متعمق في أسانيد هذا الحديث، فتوصل إلى نتيجة مفادها أنه حديث ضعيف، بعد ألف و أربعمائة سنة، تقول لنا : ضعيف ؟!!!... بعد أن تسرب إلى المذاهب الأربعة و أجمع عليه الفقهاء ( تقريباً ) يأتي اليوم صاحبنا ليقوم بتضعيفه!!!

و ماذا عن كل أولئك الذين طبقنا عليهم هذا الحديث و عاملناهم بعنصرية؟ ماذا عن الشريعة التي نسبناها لله ظلماً و عدواناً؟

أخيراً نقول: لم يعد الإصلاح و التجديد  مطلباً كمالياً و رفاهية يمكن لنا تأجيلها، بل هو مطلب وجوديّ، و حاجة ملّحة.

 

التعليقات

موضوع جميل وطرح جريء

طرح رائع!! ياليت قومي يعلمون و يخرجون من سباتهم الأزلي!!؟؟

علِّق