هل هناك حاجة للتجديد الفكري في العالم الاسلامي ؟ ملاحظات على مقالة اياد الشربجي

اظن انه لا يوجد انسان عاقل لا يقول بالحاجة للتجديد الفكري الذي يشمل الفكر الديني فنحن في عالم المشرق في معظمنا نعيش بعقلية القرون الوسطى و ذلك ليس حكرا على المسلمين بل يشمل المسيحيين و اليهود مثلما اشار لذلك المفكر جورج طرابيشي و لكن بما ان المسلمين هم الاكثرية فان تلك الظاهرة تبدو و كأنها اسلامية و قد تكون المشكلة في حالة المسلمين لها امتدادات اكبر كونها ضربت الفكر الديني فاصبح الجهل و التخلف له بعد مقدس مما جعل المشكلة عسيرة العلاج و جعل محولات الاصلاح تصطدم بحاجز صلب من القدسية التي ترفض اي محاولة لإعمال العقل و تكتفي بتقديم النص بشكل حرفي مقطوع من ظروفه التاريخية و الموضوعية و هو ما يتماشى مع الفكر السلفي المهيمن على الساحة الفكرية و الذي اعطى طروحات في جملتها لا تناسب الحياة المعاصرة و لكنها قد تكون مناسبة للحياة قبل اكثر من الف عام و يبدو ان هذه المرحلة جزء من قصة التطور الانساني كما حصل من قبل في اوربا في بداية النهضة.

 

الغريب ان طرح السيد شربجي لتحدي هذا الوضع كان بسوق الآية تلو الآية و كأنه يحاول اتهام  القرآن على انه اصل المشكلة في تصرف المسلمين، و بهذا فإنه يتبع المنهج الداعشي / السلفي بأخذ آيات معينة و اقتطاعها من سياقها التاريخي و الاجتماعي، و اعتبارها القانون الالهي الذي يمثل الدين، فمثلا يستشهد بان القرآن امر بقتال غير المسلمين، و اتى بالآية (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله و لا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون ) و هذا اعلان حرب كان له اسبابه الموضوعية و ظروفه التاريخية التي يمكنه ان يجدها اذا احبّ التعمق في الموضوع و لكن مقابل ذلك هناك نصوص تدعوا للتعايش بل البر (مثل بر الوالدين) يبدو انه نسيها : ( و لا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي احسن ...)العنكبوت 46 و ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم و تقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين) الممتحنة 8 و ( قاتلوا في سبيل الله  الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين )  البقرة 190 و ان الله لم يستثنهم من الاجر بل جمعهم مع المسلمين ( ان الذين آمنوا و الذين هادوا و النصارى و الصابئين من آمن بالله و اليوم الآخر و عمل صالحا فهم اجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون) البقرة 62 و غيرها من الآيات.

 

فلكل آية ذكرها في مقالته هناك عدد من الآيات التي تفيد عكسها، و لكنني سأكتفي بالمثال اعلاه لتجنب الاطالة، فالفكرة التي اريد ان اصل لها هي ان اي شخص يستطيع اقتطاع آية معينة، و ان يبني عليها استنتاجات بل تصرفات دون اعتبار القرآن كوحدة متكاملة ووثيقة معقدة، لذلك يظن من لم يدرس القرآن بعمق انه متناقض او يخرج بأعاجيب تناقض العقل و الفطرة السليمة، و هذه الصفة ليست حكرا على القرآن، و لكنها موجودة بدرجة قد تكون اكبر في التوراة و الانجيل ايضا، بل ان ذكر العنف في الانجيل يتجاوز ذكره في القرآن بشكل كبير و قد لمست في مقالتك انك تعتبر ان جميع المسلمين فكرهم سلفي باستثناء بعض المفكرين الحداثيين و لكنني اقول بان ذلك الاستنتاج مجحف جدا، فهناك شريحة لا بأس بها لا تتبع المدرسة الفكرية السلفية و هي في ازدياد مستمر رغم الصعوبات كما انه ليس بالضرورة ان يتحول كل سلفي لداعشي او ارهابي.

 

ان استغلال بعض النصوص في الكتب المقدسة من قبل بعض الناس لتخدم برامجهم و طموحاتهم تسبب في الكثير من الآلام للناس و ازهقت الكثير من الأرواح بحجتها و ما الحروب الصليبية و محاكم التفتيش و الصهيونية و داعش الا امثلة على هذا الاستغلال.  

نحن الآن نحتاج لفهم معاصر لرسالة الاسلام و ووضع الاولويات في مكانها الصحيح لكي تساعد الانسان على الارتقاء الروحي و الاخلاقي، و تقدم تصورا عن الحياة و الكون و الخلق و رؤية الخالق كما نفهمها من كتابه، فنحن نعلم من قصة خلق آدم ان الملائكة ابدت اعتراضا على خلق الانسان  (قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء)  و بالطبع هذا الأمر هو ما حصل حتى الآن و لكن الرب كان له رؤية اخرى ( قال اني اعلم ما لا تعلمون)  كنبوءة بقدرة الانسان على تجاوز هذه المرحلة و السمو و الارتقاء عاليا، و ربما كان هذا ما يجب ان نبشر به و نعمل عليه فكلنا انحدرنا من آدم و حواء، فالخلق كلهم عيال الله و احبهم اليه انفعهم لعياله.

و الملخص اننا نتفق ان هناك حاجة ماسة للتغيير، و لكن ذلك يحتاج لمفكرين احرار، لديهم فهم عميق و فكر ثاقب و نحتاج للعمل على اصلاح التعليم ليخرج احرارا، و ليس خرافا تركت عقلها بأيدي الآخرين و كل ذلك يتطلب جهودا جبارة و عزيمة ماضية و لكن ليس هناك خيار آخر.

--------------------------------
رابط المقالة المعنية (اضغط هنا)

التعليقات

السيد اياد متطرف فكري يتظاهر بالحوار وهو يلدغ كل من يخالفه باقسى العبارات عدا عن تخوين الجميع والقصف العشوائي وصفحته على الفيس بوك تحوي من التناقضات ما تجتاج الى طبيب نفسي لتحليلها

السيد إياد فسّر الآيات من منظور ناقد للاسلام و لا عجب أن نرى استنتاجاته في نهاية كل فقرة ، فكيف نعتب على اشخاص افتوا بارضاع الكبير لجهلهم بالاسلام و لا نعتب على مثقف استنتج أن صناعة الارهاب تتوافق مع نظرة منحرفة لآيات القرآن ؟! حقيقة .. لا أجد حتى الآن داعي لأن افسّر كيف تم تحويل الاسلام منهجاً و ثقافة الى مصنع للارهاب ، و السبب أني لا ارى مقالات السيد اياد وصلت الى مستوى حديث شارع و منطق عام ، سأنتظر حتى يصل الى مستوى ظاهرة تستحق الرد ، و عندها سأرد بمقال أوسع

علِّق