هل لدينا بالفعل آراء شخصية..؟!

 

في شرقنا البائس؛ الشيعي كما السني كما الدرزي كما المسيحي كما العلوي كما...كما....

كل منهم يدافع عمّا تربى عليه منذ الصغر، وما تلقنه من أهله ومحيطه ومجتمعه الذي ولد فيه بالصدفة، وكلٌّ منهم يظن أنه يدافع عن خياره، وإذا ناقشت أحدهم وانتقدت ما يؤمن به، يشرئب في وجهك غضباً ويقول لك: هذا رأيي، أنت الذي تدعي الحرية يجب أن تقبل به.
شكلياً وحقوقياً الفكرة صحيحة تماماً، لكن من حيث الجوهر هي خاطئة. 
فمن يكوّنون قناعاتهم بأنفسهم وبشكل حرّ، لا يشكلون نسبة معتبرة من بين البقية الذين يتبنون أفكار وآراء مجتمعهم ومحيطهم ظناً منهم أنها آراؤهم الشخصية.


لو أن الشيعي ولد سنياً لكان رأيه كرأي اي سنيّ تجاه الشيعة، ولو ولد العربي كردياً لكان رأيه كرأي أي كردي تجاه العرب، والعكس صحيح في جميع الطوائف والاثنيات التي تتقسّم فيها مجتمعاتنا.
إذاً بالمحصلة، في المجتمعات التي تسيطر فيها مشاعر وأفكار الجماعة على الأفراد لا يوجد في الغالب آراء شخصية في كثير من المسائل المركزية، بل آراء مجتمعية و تاريخية تنتقل بالوراثة كما الـ DNA من فرد إلى آخر وتتكرر دواليك، أما من من يكوّنون أفكارهم وآراءهم بشكل حرّ فعلاً، ونتيجة محاكمات عقلية واطلاع وثقافة ووعي، فهؤلاء القلّة سيصبحون هم الشواذ وليس العكس، وسيتحولون إلى أعداء للبقية، ويصبح صاحب الرأي الحقيقي ضحية لمن يظنون أنهم أصحاب الآراء الحرة.


مشكلة الديموقرطية الوحيدة إذا أتت لمجتمعاتنا بشكلها البدائي الحالي أنها ستعطي الصنفين حقاً متساوياً، ولا تميز بين إرادة الفرد الحقيقية وإرادة الجموع، وبين العقلاء والدهماء، وبين المقلّدين والأحرار، وهكذا ستنتصر بالتأكيد الغلبة (الأكثرية الديموقراطية) التي تملك رأياً موحداً، على القلة الحرّة التي تمتلك أراءً مختلفة، وبهذه الطريقة تنتقل الانقسامات والأزمات والحروب من جيل إلى جيل وتبقى الأزمة قائمة في بلداننا.
وكمثال على ما سبق ما يتلقاه كل من يحاول -ولو بأسلوب غير موفق- البحث والتنقيب بجرأة وعقلانية في أسباب هزيمة الأمة أملاً في إيقاظها، أو على الأقل تحريك الماء الراكد فيها، وبدل أن يجد هؤلاء من يسمعهم ويساعدهم في مهمتهم من الجموع الذين يعملون لأجلهم ولصالحهم، تجد تلك الجموع تتبارى لقمعهم وخنقهم ووئدهم بحجة أن أولئك يسيؤون لأفكارهم وقناعاتهم ومقدساتهم.

مثال آخر ما يحدث في الانتخابات اللبنانية الحالية في لبنان، فمعظم اللبنانيين يشتمون الطائفية السياسية ليل نهار ويدعون إلى إسقاطها، لكن حينما تأتي الانتخابات يصوّت السنيّ حكماً لتيار المستقبل، والدرزي لوليد جنبلاط، وهكذا الأمر بالنسبة لبقية الطوائف التي ينحسر التصويت في أفضل أوجه التنافس الديموقراطي فيها بين مرشحين من ذات الطائفة..!!.

أما إن قام أحدهم بانتخاب مرشح من خارج الطائفة بناء على برنامجه السياسي أو الاقتصادي مثلاً، فسيصبح خائناً لطائفته، حتى بالنسبة لهؤلاء الذين كانوا ينادون بإسقاط الطائفية السياسية، والذين -لأجل المفارقة- سيعودون لصفوفهم الأولى بعد انتهاء المرحلة الانتخابية و سيرفعون شعاراتهم السابقة، و يصرخون بزعماء الطوائف "طلعت ريحتكم... صار بدكن ترحيل انتو كمان"..!!

 

هنا تنقلب الموازين بشكل كامل، وتصبح مسألة الحرية و الرأي كالتالي:
"من حقك أن يكون رأيك مثل رأيي...لكن إذا غير رأيي بدعوسك"

علِّق