No votes yet
عدد القراءات: 5380

هل كان الشرق الأوسط مستقراً يوماً؟

الكاتب الأصلي: 
JON B. ALTERMAN
تاريخ النشر: 
9 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

هل بإمكان البلدان العربية التعلم من بعضها البعض بغية إيجاد نموذج صالح للعمل؟

 

أيا كان الدارس لواقع العالم العربي فإنه سيبدو له أحياناً أنه يتداعى، فمن انفجارات في بغداد وسيناء تودي بحياة العشرات، إلى اقتحام جهاديين لسجن في البحرين وإطلاق سراح بعض المتشددين، إلى إسقاط الدولة الإسلامية في العراق والشام لمروحية عراقية،  وفرار 10.000 لاجئ من الموصل. كل ذلك حصل فقط هذا الأسبوع.

وبالرغم من ذلك ما ينبغي لنا رؤيته في حالة الفوضى هذه، هو ليس تشابه الظروف بين بلدان العالم العربي بل اختلافها. وقبل عقد من الزمن تقاربت بلدان العالم العربي العشرين غير المتجانسة من بعضها البعض في اقتصادياتها وأحوالها السياسية وحتى على صعيد مجتمعاتها التي أصبحت متشابهة. وما لبث أن جاء الربيع العربي الذي تبدو غلاله مع مرور الوقت بتناقص إلى أقل وأقل ما يشبه الغلال الربيعية. والآن أوضاع مجتمعات بلدان العالم العربي وسياساتها تتباعد وسيستمر تباعدها في السنوات المقبلة.

ولا يبدو الآن أن إدارة ترامب القادمة ميالة  إلى إيجاد سياسة واضحة المعالم نحو العالم العربي مما يشكل مشكلة ينشأ عنها تحديات للمنطقة. فبعض الحكومات ستجرب والبعض سيفشل فالولايات المتحدة مهتمة بالدروس التي يستفيدون منها وجيرانهم، فهي فرصة كبيرة. ويمكن لأي استراتجية أمريكية ناجحة أن تحدث فرقاً بين منطقة في طور الاستقرار وأخرى مضطربة وبامتدادات ذلك وتأثيره على العالم بأسره.  

 

ففي حين اعتقد المراقبون في ثمانينيات وتسعينيات وفترة نهاية القرن العشرين بأن منطقة الشرق الأوسط لم تكن مستقرة، بينما كان الاستقرار ماثلاً أمامنا. أما في خمسينات وستينات القرن الماضي فقد أطاحت الثورات بالحكومات الملكية في كل من مصر والعراق وليبيا وفي بلدان أخرى. كما أخرج الثوار القوى الاستعمارية من الجزائر بعد صراع دموي. وفي بلدان كسورية التي شهدت انقلابات عسكرية وانقلابات عسكرية مضادة، وفترة من الاتحاد القصير والمشؤوم مع مصر.

وثم ما لبث أن توقف كل ذلك. وكل الكلام عن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط بين عامي 1969 و2003 رافقه استمرار الرؤساء والملوك بسدة الحكم حتى وفاتهم. في حين سقط شاه إيران آخر الملوك في المنطقة المجاورة للشرق الأوسط عام 1979. وتضاءلت الفروقات بين الحكومات بمرور الوقت. وبدأت الممالك العربية مثل الكويت والمملكة العربية السعودية والأردن تبدو أكثر وأكثر مثل الجمهوريات بتعيينها هيئات تشريعية ضعيفة لعبت أدواراً استشارية شكلية للملك القوي. كما وجدت هيئات تشريعية ضعيفة في جمهوريات كسورية ومصر والعراق ورؤساء غالباً ما تصرفوا مثل الملوك وورثوا منصب الرئيس لأبنائهم. وعلى الصعيد الاقتصادي، انهارت التقسيمات القديمة بين الاشتراكية العربية والرِأسمالية.

وبرز إجماع في جميع أرجاء العالم العربي حول مفهوم الدولة الأبوية التي ترعى شؤون مواطنيها مع تأمينها شبكة أمان اجتماعي قوية ومستويات عالية من التوظيف. وكانت النظرة للإسلام السياسي نظرة رضا ما دام تحت السيطرة، لكن جميع البلدان ردت وبشدة على أي تحد للشرعية مع الدين.  وبدا أن الحكومات مجتمعة ومنفردة كانت قد أعدت كل شيء بما يتناسب وأهوائها حتى وإن خالفها الملايين من مواطنيها الرأي.  فقد ساعدت وتعلمت الحكومات وإلى حد ما قلّدت بعضها البعض.

 

وما أن حل الربيع العربي حتى تفرقوا. وخلصت دول الخليج العربي إلى أن أكثر ما عانى منه مواطنيها هو الحرمان المادي، لذا سعت إلى زيادة التوظيف وأشكال الدعم الحكومي الأخرى.  فملك المغرب محمد السادس ذهب إلى المناطق البعيدة وطرح نفسه وسيطاً بين الفصائل المتنازعة في بلاده. أما ملك الأردن عبد الله فقد جمع رعيته من حوله وسط تصاعد موجة التهديدات الخارجية وسعى للحصول على المال من  مناصريه الأثرياء. في حين حاول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي العودة بالزمن بإحياء نموذج الحكومة الناصرية، وهي حكومة تكنوقراط بقيادة العسكر ووضعها على أهبة الاستعداد في مواجهة أي تمرد داخلي. وتعتبر تونس الدولة الوحيدة بين الدول التي شهدت ثورات التي حاولت متخبطة تفويض هيئات تشريعية مختلفة وابتعدت عن إغراء إقامة سلطة تنفيذية قوية. ويشكل انهيار الدولة في سورية وليبيا واليمن (والبعض يقول العراق) النتائج المترتبة عن الفشل في إيجاد النموذج الصحيح للدولة.  ولكن تنوع النهج يعكس الاختلافات الجوهرية بين بلدان الشرق الأوسط التي برغم كل التقارب فيما بينها، تعاني من مشاكل مختلفة جداً بحاجة للحل وظروفاً مختلفة للحكم. فبعض هذه الدول كبير وبعضها الآخر صغير وبعضها غني وبعضها فقير. وكل مواطن قطري على الأرض يمكن أن يتلاءم في أياً من أحياء القاهرة العشرين. فالإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال يشكل مواطنوها ما نسبته 4% من عدد سكان اليمن، في حين يشكل الناتج المحلي الإجمالي لليمن 4% من الناتج المحلي لدولة الإمارات. وبعض الدول لديها موارد طبيعية وبعضها لا تمتلك موارد. وبعض الدول تمتلك نسيج سكاني متجانس وبعضها غير متجانس. بعض الدول لديها قوى عاملة ماهرة ودول أخرى تمتلك قوى ليست ماهرة. وبطبيعة الحال، فإن الحكومات تختلف اختلافاً كبيراً في مؤهلات أعضائها.

والأضرار الاقتصادية الناجمة عن تراجع أسعار النفط وازدياد نسبة الشباب من السكان وتكنولوجيا الاتصالات التي استرعت الانتباه إلى الرسائل الجديدة والمبتكرة والتي لم تشكل قوة للحكومة. فقد وجدت الحكومات نفسها تناضل للوصول إلى الاستقرار ولكل منها مجموعة أدوات مختلفة. ومع تزايد القيود المفروضة، سوف تحتاج كل دولة لتجربة، وكما هو الحال مع جميع التجارب والنتائج ليست محتومة النجاح. فلأكثر من ثلاثة عقود، عاشت الدول العربية حالة من الترف جعلها تتقدم ببطء. وقد رسخت أحداث 2011 وهبوط أسعار النفط عام 2014 إلى أقل من مستوياتها أن هذا الترف من الصعب الحصول عليه.

والسؤال المحوري الذي ينتظر الإجابة، هل جعلت الحكومات الاستبدادية وضع المنطقة أفضل أم أسوأ؟ وبعبارة أخرى، أكان خطأ الرئيس المصري السابق حسني مبارك الحفاظ على السلطة بقدر المستطاع فكان قمعيا جداً، أو لم يكن قمعياً بما فيه الكفاية؟ وكيف على قائد ليبيا الجديد عند استلامه السلطة التعامل مع بلاد ممزقة؟ وهل العنف في عراق اليوم هو نتيجة لحكم صدام حسين الاستبدادي أو مجرد مبرر له؟

وفي حين يرى الكثيرون في الولايات المتحدة أن الليبرالية هي الرد الأفضل على التطرف، فإن الكثيرين في المنطقة لديهم إيمان أكثر بكثير في المحافظة الحذرة ومقاومة التغيير.

 

هل تجعل الحكومات الاستبدادية مشاكل المنطقة أفضل أم أسوأ؟

مجموعة أخرى من الأسئلة تتعلق بكيفية توجيه الشباب والمثقفين والشبكات السكانية خصوصاً مع زوال العقيدة السياسية. وقد لاحت في الأفق الواسع مسألة الولاء والطاعة في منطقة الشرق الأوسط في الألفية الجديدة، ولكن فائدتها قد تناقص. وبعض الأسئلة الأكثر صعوبة بما يتعلق بكيفية إيجاد استراتيجية اقتصادية ناجعة للدول العربية، التي يشكل الشباب نسبة كبيرة من سكانها، في ظل القطاعات الصناعية الصغيرة نسبياً، وانخفاض الإنتاجية. أين هي المزايا النسبية للبلدان؟ في العديد من الدول الأكثر ثراء تعتبر الأجور غير قادرة على المنافسة على الصعيد العالمي وانخفاض الإنتاج يفاقم المشكلة. وتتزايد ببطء مشاركة القوى العاملة النسائية، ولكن عدداً قليلاً نسبياً من العمال ما زالوا يدعمون أعداداً كبيرة من النساء العاطلات عن العمل والأطفال وكبار السن. وتشترك الحكومات في جميع أنحاء المنطقة بغريزة الحرمان المادي الذي لعب دوراً كبيراً في انتفاضات 2011، وتتبع استراتيجيات متباينة على نطاق واسع في ظروف مختلفة جداً لتعزيز اقتصاداتها. ويكاد يكون من المؤكد أن بعض تجارب هذه الحكومات سيكون أكثر نجاحاً من غيرها، وبعضها سيكون قابلاً للتحول أكثر من غيرها. وإن كان صحيحاً أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تتخذ قرارات لبلدان أخرى حسب ما تراه مناسباً لمسيرة تقدمها، فإنه من الصحيح أيضاً أن الرئيس الأمريكي له تأثيراً على هذه البلدان. فقد لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دوراً تشجيعياً في تنمية شرق آسيا في خمسينيات القرن المنصرم، وكانت شريكاً لحكومات أوروبا الشرقية في تسعينيات القرن الماضي. كيف ترى بلدان المنطقة خياراتها وكيف ستتعلم من نتائج قراراتها ونتائج جيرانها، هذا ما سيشكل مسار المنطقة في السنوات القادمة. والولايات المتحدة لديها مصلحة كيف ستتم العملية ولها دور في ذلك أيضاً.

 

علِّق