عدد القراءات: 528

هل عداوة اسرائيل هي حقاً البوصلة الصحيحة للموقف الوطني للسليم..؟!

ليس هذا المقال مخصَّصاً لمناقشة المسألة الكردية أو التطورات الأخيرة في كردستان العراق، لكن إنَّه من الملفت للنظر كيف أن أولئك الذين استلّوا سيوفهم ضد إخوتنا الكرد مؤخراً بسبب الموقف المناهض لحقهم في استفتاء تقرير المصير، قد وجدوا أن الطريق الأسهل لإدانتهم وتخوينهم هو التركيز على وجود علاقات سياسية أو دبلوماسية أو حالة من التقارب بينهم وبين اسرائيل. ولم يقتصر الأمر في هذا السياق على مناصري نظام الأسد و"محور المقاومة والممانعة"، بل حذا كثيرون حذوهم ممن يقفون في المعسكر النقيض تماماً.

وهنا لابد لنا من أن نطرح مجموعة من الأسئلة التي نستلهمها مما سبق، لننطلق منها إلى مناقشة السؤال الأساسي الذي يتصدر عنوان المقال

 

1- لماذا نفترض أن البوصلة الوطنية للشعب الكردي يجب أن تكون نحو معاداة إسرائيل بالدرجة الأولى، رغم أننا أطلقنا دائماً على قضيتنا مع اسرائيل تسمية (الصراع العربي-الاسرائيلي) أو (الصراع الإسلامي-اليهودي على الأرض المقدسة)..؟!

2- لماذا نفترض أنه على الشعب الكردي أن ينحّي قضيته الأساسية ويتخلى عن الواقعية السياسية في سبيل تمكينها لصالح شعارات جوفاء أثبتت تجربة العقود الماضية أنها لم تغيّر واقعنا إلا للأسوأ..؟!

3- لماذا نجد أن أولئك الذين يتّخذون من علاقة الكرد باسرائيل شمَّاعةً لمناصبتهم العداء هم أنفسهم من أشد المطبّلين لروسيا صديقة اسرائيل أو من أشد المنبطحين لأنظمة عربية تنتهج التطبيع العلني أو شبه العلني مع اسرائيل؟
 

في الحقيقة وكما ذكرنا في بداية المقال فإنَّ الغرض من هذه الأسئلة ليس الخوض في مناقشة القضية الكردية على الإطلاق، إنَّما الانطلاق منها لتسليط الضوء على اللوثة الفكرية التي نعاني منها، والتي تختلط فيها عدة أمور:

1- السلفية السياسية التي تحكم تفكيرنا ومحاولاتنا لمعالجة الواقع، حيث أننا ما نزال أسرى لفكر سياسي لم يتطور منذ نصف قرن على الأقل رغم أن العالم أنجز خلال الفترة ذاتها وفي كل المجالات تطوراً يضاهي ما أنجزه عبر تاريخ البشرية بأكمله. في حين ما زلنا نحن متمسكين بنفس الأدوات القديمة –ويا ليتها أثبتت نجاعتها-

2- ثقافة عبادة الشعارات والمفاهيم المتحجّرة التي تقيّد حركتنا وتحول دون إمكانية حل مشكلاتنا وفق استراتيجيات مرنة وأدوات منطقية تتفاعل مع الواقع لا مع ايديولوجيات متخشّبة منفصلة عن هذا الواقع.

3- توظيف هذه الشعارات بشكل متعمد أو غير متعمد لخدمة أجندة سياسية معينة، وتناسي فحوى الشعارات نفسها في مواضع أخرى وفق عقلية الكيل بمكيالين. وهو ما يدل على أنَّ حتى حالة التبنّي لتلك الشعارات هي حالة غير منسجمة مع نفسها، إنَّما هي مجرد وقود لبروباغندات سياسية محددة. ​4- تداول الكثير من المفاهيم التي تفتقر إلى وجود فهم عميق أو تعريف حقيقي ودقيق لها، مثل مفهوم "الوطنية" و"الخيانة" ومفهوم "العداوة" أو "الصداقة" وغيرها.  

4-  أي أنَّ توظيفنا لهذه المصطلحات للاستشهاد بصحة مواقفنا وتعزيزها هو أمر تحكمه الأهواء أو نوع من الأدلجة السطحية القطيعية، ولا يرتكز إلى أساس فكري وثقافي متين ومنسجم مع نفسه.

 

وانطلاقاً مما سبق، لا أجد أنه يتوجب علينا إطلاقاً التردُّد حيال القول بكل شفافية وجرأة ووضوح أن مقولة كون العداوة مع اسرائيل هي الوجهة الصحيحة لإبرة بوصلة الموقف الوطني السليم هي ليست فقط مقولة خاطئة، بل مقولة تضليلية خطيرة يجب نسفها من جذورها، حيث تكمن خطورة هذه البروباغندا في أنها تخدم مصلحة ثلاثة أطراف:

1- الديكتاتورية الفاشيّة في المنطقة ورأس حربتها نظام الأسد، والذي كرَّس هذه الدعاية مع قناعة ملتصقة بها مفادها أن الصراع مع اسرائيل هو صراع عسكري بحت. حيث نلاحظ في أدبيات "المقاومة والممانعة" أنه لا يوجد أي مانع من تسليط الضوء على قوة اسرائيل من الناحية الحربية، لكن يوجد ألف مانع من أن يقول أحد بأنَّ مكامن قوة اسرائيل الأهم تتمثّل في تفوقها في مجالات التنمية والفكر والتكنولوجيا والحريات والديموقراطية وحقوق الإنسان.
هذه المفارقة هي المفتاح لفهم كيفية استفادة نظام الأسد من دعاية العداوة مع اسرائيل، حيث أن طبيعة الصراع كما تصوره وترسمه هذه الدعاية سوف تقتضي العسكرة التامة للدولة السورية والمجتمع السوري والعقل السوري والوجدان السوري، وكل ما يصب في خانة ترسيخ وجود المنظومة العسكرتارية المخابراتية الشمولية الفاسدة التي تستعبد الشعب السوري وتنهب أمواله وخيراته لصالح طغمة سلطوية مافيوزية عائلية.
 

2- المنظومة الجهادية الإسلاموية بشقّيها السنّي والشيعي، التي تتغذى على الرمزية الدينية والتاريخية للقضية الفلسطينية مقابل إغفال جانبها الإنساني والتغطية الخبيثة عليه، لتكون القضية الفلسطينية نقطة الانطلاق لشرعنة النهج الجهادي الإسلاموي حتى لو تم توظيفه في أماكن أخرى أيضاً، وليكون ذلك بمثابة حجر الأساس لـ "بيزنس الإرهاب العالمي" ولتكريس وجود مافيات وتنظيمات ميليشياوية باسم المقاومة أو الجهاد تمارس سلطتها على الأرض كأية سلطة استبدادية وتحقق أكبر المكتسبات مقابل المتاجرة بالقضية.
 

3- اسرائيل نفسها، التي تستفيد من (1) و (2) لتعوّم صورتها في الرأي العام الغربي والعالمي، وحتى على مستوى شعوب المنطقة مؤخراً، من حيث أنها كيان ديموقراطي حضاري متطور ضمن محيط شاذ من الدول التي تحكمها الديكتاتوريات الفاشية أو التنظيمات الإرهابية، وبيئة موبوءة بالجهل والتخلف والعنف والتطرف.
ومن يعتقد أن التغلب على اسرائيل يكون بإرهاب المدنين وطعنهم بالسكاكين، أو بقصف حيفا وما بعد حيفا، والابتهاج بترويع المدنيين الإسرائيليين وإنزالهم إلى الملاجئ، فهو تماماً كمن يعتقد أن إسقاط نظام الأسد في سوريا يكون باستهداف حلب أو دمشق ببعض قذائف الهاون، وهو في الواقع يقوّي أهم دعاية يعتمدها النظام في كسب الحوامل الوجودية له على مستوى المجتمع الدولي أو المجتمع السوري. وكذلك الأمر هنا تماماً بالنسبة لإسرائيل والأسلوب الذي يسميه البعض بالمقاومة.
ولنتذكّر أنه في الوقت الذي تتقدم فيه إسرائيل بخطى واثقة وسريعة نحو الازدهار والتطور العلمي والتكنولوجي والإنساني يقوم نظام الأسد في سوريا بإفقار شعبه وتجهيله وإخصائه تنموياً وفكرياً وإبداعياً. هل ذلك في مصلحة إسرائيل أم الشعب السوري؟!

إن الأسباب الرئيسية السابقة هي التي تدفعني دائماً لتكرار مقولة أن الصراع بين الأطراف السابقة هو صراع حقيقي، لكنه صراع حدود ومصالح جزئية، بينما هي شريكة في العمق وحليفة لبعضها البعض في التحدّي الوجودي الأكبر (متكاملة وجودياً).

وإنَّنا عندما ندعو إلى نسف المقولة القاضية بأن عداوة اسرائيل هي وجهة البوصلة الوطنية السليمة. فهذا لا يعني أن البديل هو القول بأنَّ اسرائيل هي دولة صديقة.
بل يعني ببساطة أن نقول بأن محورالوطن هو الإنسان، وأن الإنسان هو البوصلة الوطنية، وأنَّ العدو هو كل من يطغى على حق هذا الإنسان في الحياة والحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية.
وبهذا المعنى تكون اسرائيل دولة عدوة وكياناً احتلالياً دون أدنى شك. لكن هذا الفهم الجديد يختلف جذرياً من حيث أنه يسمح لنا بالإنطلاق نحو معالجة الواقع وفق مقاربة سببية منطقية موضوعية تنسجم فيها الأسباب مع السبل مع الغايات مع المواقف، وليس مقاربة تقوم على مفاهيم ركيكة وأفكار متناقضة ومتاجرة رخيصة واتهامات متبادلة وحشد شعبوي للقطيع.
 

وعندما ننظر إلى الأمر من هذا المنظار فإنه سوف يكون بوسعنا أن نتبنى طريقة تفكير جديدة تتمثل في النقاط الرئيسية التالية:

1- تعويم القضية الفلسطينية والدفاع عنها في الإعلام وفي السياسة وفي المحافل الدولية بصفتها قضية إنسانية وليس قضية عربية أو قضية دينية إسلامية. فالطفل الفلسطيني المشرّد من منزله هو من يجب أن يمثل رمزية القضية الفلسطينية وليس المسجد الأقصى.

2- ليس المطلوب أن نقول "الموت لاسرائيل" أو الموت لأي أحد، بل المطلوب هو الدفاع عن حق الجميع في الحياة بحرية وكرامة، والحق المقدّس للمهجّرين والمشرّدين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وبيوتهم أو تعويضهم بشكل عادل عما فقدوه.

3- مشكلة التهويد في اسرائيل وكونها دولة تقوم على النظرية الدينية التاريخية رغم شكلها الخارجي العلماني، هي مشكلة لا يمكن حلها إلا بمحاصرة اسرائيل ضمن محيط متفوق عليها حضارياً وديموقراطياً وفي المواطنة وحقوق الإنسان، وهو الأسلوب الأمثل للمقاومة ولو استغرق سنواتٍ وعقوداً طويلة.

4- إنَّ كون اسرائيل دولة عدوانية اضطهادية لا يعني أنَّها الوحيدة في العالم التي ينطبق عليها ذلك، بل هناك نماذج كثيرة هي أسوء منها بمراحل، وهو ما يعني ضرورة الخروج من فكرة العدو الأوحد أولاً، كما يعني ثانياً أنه يجب علينا التخلي عن أسلوب مطالبة الآخرين سواءً الشعب الكردي أو غيره بقطع العلاقات السياسية والدبلوماسية معها أو تبنّي خطاب تصعيدي ضدها. فالأصح هنا هو العمل على تطوير وتعويم وترسيخ موقف أخلاقي عالمي ضد كل إجرام وظلم واضطهاد لا يتمحور حول إدانة إسرائيل ولا يستثنيها.
وليس بالضرورة أن يقف ذلك عائقاً في طريق العلاقات السياسية والدبلوماسية.

5- على المستوى السوري، اسرائيل هي دولة عدوة تحتل أرضاً سورية، لكن إذا كنا نعيش حقاً في الحاضر وليس في الماضي فإنَّ اسرائيل ليست المحتل الوحيد في سوريا اليوم ولا العدو الأول، وليس يتوجب علينا على الإطلاق أن نتردد حيال القول بأنَّ خطورة الاحتلال الإيراني وعداوة نظام الملالي للشعب السوري لا يقل عن عداوة اسرائيل بل ويزيد عنها. كما وأن نظام الأسد وبعد التصريح الشهير لأحد أبرز قادة جيشه عصام زهر الدين قد أصبح حتى بالمعنى السياسي والحقوقي قوة احتلالية تمنع ملايين السوريين من العودة إلى بيوتهم على مساحة تفوق بمراحل مساحة الجولان المحتل، هذا عدا عن أعداد القتلى والمعتقلين من الشعب السوري على يد نظام الأسد التي فاقت عشرات المرات أعداد الضحايا على يد اسرائيل.
 

أعرف أن هذا المقال قد يستفز الكثير من ردود الأفعال التخوينية وأصحاب الاتهامات الجاهزة والمعلّبة، لكن آمل في أن القراءة المتأنية لمن يجيدها قد تكون كافية لاستفزاز العقول نحو اتجاه إيجابي من حيث التنبه إلى ضرورة القيام بعصف فكري وعملية إعادة فرمتة لأنظمتنا المعرفية ومفاهيمنا الفكرية والسياسية، فنحن أحوج ما يكون إلى ذلك في زمننا هذا.

 

 

علِّق