No votes yet
عدد القراءات: 22008

هل توشك إدارة ترامب على ارتكاب خطأً فادح في سوريا؟

الكاتب الأصلي: 
Mohammed Ghanem
تاريخ النشر: 
13 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

 

سيكون من الأفضل للولايات المتحدة تحرير الرقة على نحوٍ مستدام وضمان سيطرة القوات الموالية لأمريكا على المدينة وذلك على  المدى الطويل.

 

في عام 2007، عندما كنت أستاذاً في جامعة دمشق، كان أحد أصدقائي المقرّبين حارساً في مدرسة مجاورة. كان هذا الرجل، الذي سأسميه "أزاد"، ذكياً للغاية، كما كانت لديه طموحات لمستقبله ومستقبل عائلته. لكن كلانا كان يعلم أن جميع الأبواب كانت مغلقة أمامه ما عدا عمله حارساً  أو نادلاً أو ملمع أحذية لسبب بسيط: وهو أنه كان كردياً.

وكان حزب البعث الحاكم في سوريا قد اضّطهد الأكراد لعقود بصورة منهجية ودون رحمة قبل اندلاع الثورة السورية، منذ "تعداد الحسكة" عام 1962 المشين الذي جرّد 120 ألف كردي من المواطنة. وازدادت معاناة الأكراد عام 1973 عندما بدأ حافظ الأسد حملة واسعة ضد الثقافة الكردية وطهّر عرقياً آلاف الأكراد لإنشاء "حزام أمني عربي". وقد استمر هذا الوضع حتى عشية الثورة السورية، وبذلك كانت أفق فرص العمل أمام  صديقي أزاد هزيلة ذلك أن هويته تدلّ على أنه "أجنبي من الحسكة"، مدينة الأكراد الرئيسية في سوريا.

 

وعشيّة الثورة السورية، كان النشطاء المؤيدين للأكراد مثل "مشعل تمّو" يتعرّضون للاعتقال من قبل الأجهزة الأمنية السورية على نحوٍ منتَظَم. إلا أنّ مجموعة واحدة على وجه الخصوص بالكاد أبدت أية نشاطات متعلقة بسوريا: وهي حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD"، الذي يشكّل صُلبَ "قوّات سوريا الديمقراطية" والتي تُعدّ حالياً شريك أمريكا المفضّل في محاربة تنظيم داعش في سوريا. وقد أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية – البنتاغون- يوم الثلاثاء أنها، نظراً لحصولها على موافقة الرئيس ترامب، ستبدأ مباشرة بتسليح حزب الاتحاد الديمقراطي استعداداً لهجوم قادم على الرقة. لكن هذا يُعدّ خطأً مشابهاً لما جرى في العراق، ذلك أنه يمكن أن يفجّر التوترات العرقية ويمهّد الطريق لظهور تنظيم داعش جديد.

 

وفي منتصف العام 2011، ومع ازدياد الاحتجاجات والمظاهرات ضد الطاغية بشار الأسد، لجأ الأخير إلى استمالة القادة الأكراد عن طريق العروض: ذلك بأنهم في حال تمكّنوا من القضاء على المظاهرات في مناطقهم، فسوف تزيد نسبة الحكم الذاتي للأكراد، ولم يقبل بتلك الصفقة الشيطانية سوى حزب الاتحاد الديمقراطي.

وبعد أشهر قليلة، أُردي الناشط الكردي منذ وقت طويل، والذي أصبح رمزاً من رموز الثورة السورية "مشعل تّمو"، أُردي قتيلاً، ليقوم بعدها أصدقاؤه المقرّبون بتحميل حزب الاتحاد الديمقراطي مسؤولية مقتله. وفي منتصف العام 2012، سلّم الأسد مسؤولية السيطرة على المناطق لكردية لحزب PYD، لتعمل مقرّات الحزب بعد ذلك جنباً إلى جنب مع مقرّات حزب البعث. وبحلول العام 2014، خلص معهد دراسة الحروب إلى أن إدارة حزب الاتحاد الديمقراطي "مكّنت النظام من السيطرة على بعض المناطق الكردية". وبعدها، في عام 2016، انضم الحزب إلى قوات الأسد وإيران وروسيا في حصار حلب، وهو حصار انتهى بحمّام دم هائل واستيلاء النظام على المدينة في شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

ويستند العديد من المسؤولين الأمريكيين في دعمهم لحزب الاتحاد الديمقراطي إلى تجاربهم الإيجابية مع كردستان العراق، لكن حزب PYD يتعارض مع البشمركة، وهم الشركاء الأساسيون للولايات المتحدة في كردستان العراق. ذلك أن بشمركة "روج "، وهي قوات كردية سورية تدرّبت على يد البشمركة، أمضت 4 أعوام في محاربة تنظيم داعش في العراق بعد أن منعهم حزب الاتحاد الديمقراطي من دخولها.

 

وفي حين تصف وسائل إعلام حزب الاتحاد الديمقراطي أراضي "روجافا" التابعة لهم على أنها واحة ديمقراطية، قام الحزب بشن حملات ضد أحزاب كردية معارضة ليُعدّ منهجاً مدرسياً على غرار المنهج البعثي الذي يصفه اتحاد المعلمين الإقليميين ب"الشمولي". وعلى الرغم من قلة القصف الذي تتعرض له مناطق حزب الاتحاد الديمقراطي، إلا أن ما يصل إلى 800 ألف كردي قد هربوا من حكم الحزب، وذلك بسبب ممارسات التجنيد الإجباري واسعة النطاق التي ينتهجها والتي تشمل استخدام جنود من الأطفال.

وكثيراً ما يزعم مسؤولون أمريكيون أنه لا بديل لحزب الاتحاد الديمقراطي، وفي بعض الأحيان عندما يكونون أكثر صراحة يدّعون أن "العرب لا يستطيعون القتال"، لكن هذا غير صحيح. أولاً هناك بديل كردي: إذ تضم قوات بشمركة "روج " 5 آلاف مقاتل وتخطط للتوسع فتصبح 10 آلاف مقاتل. ثانياً، هناك بدائل عربية؛ ففي الأسابيع الأخيرة تمكّن تحالف مؤلف من جماعات للجيش السوري الحر من دحر تنظيم داعش تقريباً من منطقة دمشق، كما يقترب المقاتلون حالياً من مدينة دير الزور الشرقية، فضلاً عن أن الثوار المدعومين من تركيا في "عملية درع الفرات" حققوا مكاسب مبهرة في إغلاق الحدود التركية السورية.

ويضم كل تحالف لهذه القوى ما لا يقل عن 5 آلاف مقاتل نشط، وخلافاً لحزب PYD، الذي يصرّ على احتكار السلطة، تسعى هذه المجموعات إلى التعاون لخلق قوة حقيقية متعددة الأعراق، كما تضم هذه القوات مجتمعة قرابة 15 ألف مقاتل وهذا أكثر من كافٍ لاستعادة الرقة.

 

وبعد عامين من استفادته من معظَم الغارات الجوية على تنظيم داعش والتي شنّها التحالف في سوريا، قد يكون PYD أقوى قوة سورية معادية لتنظيم داعش، بيد أنه ليس قوة مناسبة لإحلال الاستقرار؛ فشراكة الحزب الضمنية مع الأسد وسجلّه في انتهاكات حقوق الإنسان وميله إلى احتكار السلطة، كل ذلك أكسبه عداوة الجماعات الأخرى المناهضة للتنظيم وعداوة السوريين كذلك.  وكان قد اقترح مسؤولون في حزب الاتحاد الديمقراطي هذا الأسبوع خططاً مستقبلية لمهاجمة معقل الثوار في إدلب، بالإضافة إلى ذلك، تشير الأعمال العدائية المستمرة التي يمارسها PYD في تركيا إلى أن هذه المنظمة تفتقر إلى الدعم الإقليمي اللازم لتكون قوة محتملة ناجحة.

وبذلك، تكون إدارة ترامب ترتكب خطأً بمستوى الخطأ العراقي في حال استمرت الولايات المتحدة في اتّكالها المفرط على حزب الاتحاد الديمقراطي.

وكما أخفق رئيس الوزراء العراقي السابق "نوري المالكي" في بناء قاعدة دعم سياسية بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2010، ما أدى إلى ظهور تنظيم داعش، كذلك سيكون الأمر بالنسبة لحزب PYD  إذ لن يكون قادراً على الحفاظ على الاستقرار دون دعم عسكري أمريكي هائل. ومن شأن حقيقة أن البنتاغون يحتاج حتى الآن إلى نشر قوات الصّاعقة للحيلولة دون حدوث اشتباكات بين تركيا وحزب الاتحاد الديمقراطي أن تُظهر جلياً أنّ حزب الاتحاد الديمقراطي إنما يجرّ الولايات المتحدة إلى مستنقع يصعب الخروج منه.

أما عندما يُهزَم تنظيم داعش وتقوم الولايات المتحدة بخفض الميزانية السنوية المخصصة لمحاربة التنظيم والتي تُقدر ب 10 مليار دولار أمريكي، سيخسر الحزب تفوقه العسكري، لكن مساوئه والعداء العربي الناجم عنها سوف يستمران.كما أنّ هناك حرب عرقية دموية تُنذِر بظهور نسخة جديدة من تنظيم داعش ستكون قابلة للاندلاع.

 

في الحقيقة، لقد قاتل حزب الاتحاد الديمقراطي تنظيم داعش على نحو جيد وأمّن كذلك الحماية اللازمة للعديد من الأكراد السوريين، لهذا لا يجب أن يُضحّى به. إلا أنه ليس القوة الصحيحة المناسبة لحُكم الرقة، وهي مدينة عربية كبيرة قد تؤدي سيطرة هذا الحزب عليها إلى تفجير التوترات العرقية في الشمال السوري. بدلاً من ذلك، سينزع البنتاغون فتيل التوترات العرقية ويحمي مكاسبه عن طريق الدعم المتزايد للثوار السوريين الذين يقاتلون تنظيم داعش، ليساعد بذلك القوات المتدربة لدى البشمركة في الدخول إلى سوريا، ويصرّ على نهج أكثر شمولية ليتمكّن حزب الاتحاد الديمقراطي من الحفاظ على المستويات الحالية من الدعم الأمريكي.

وقد يكون الحزب قادراً على منح إدارة ترامب العنوان الذي تريده: وهو "دحر داعش من الرقة"، لكن مصالح الولايات المتحدة ستُخدمُ على نحوٍ أفضل إذا ما ضمنت تحرير الرقة على نحوٍ مستدام بالإضافة إلى ضمان أن تكون سيطرة القوات الموالية لأمريكا على الرقة ستمتدّ على المدى البعيد، حتى وإن استغرق ذلك وقتاً طويلاً.

 

-----------------------

الكاتب:

محمد غانم (Mohammed Ghanem): مدير العلاقات الحكومية ومستشار سياسي رفيع في المجلس السوري الأمريكي، وأستاذ جامعي سابق في جامعة دمشق في سوريا. 

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2532589

مقالات المترجم