No votes yet
عدد القراءات: 8869

هل تحمل ألمانيا مفتاح هزيمة الشعبوية؟!

الكاتب الأصلي: 
Samuel Huneke
تاريخ النشر: 
31 آذار (مارس), 2017
اللغة الأصلية: 

 

 يمكن لألمانيا ميركل مقاومة الجذب باتجاه اليمين في السياسات الأوروبية.

 

وسط مخاوف من ارتفاع مد الشعبوية في أوروبا، تبدو ألمانيا أنها تقاوم الجذب نحو الأحزاب اليمينية بنجاح فريد، إذ وفي اليوم الذي أعقب انتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة، أشادت صحيفة النيويورك تايمز بالمستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" ووصفتها بأنها "آخر المدافعين عن الغرب الليبرالي". وكان باراك أوباما قد أجرى آخر مكالمة هاتفية له كرئيس أمريكي، مع ميركل التي وصفها بـ"الزعيم الجديد للعالم الحر".

وفي الوقت نفسه، يعتنق زعماء آخرون حول العالم الشعبوية اليمينية ابتداءً من قرار بريطانيا المذهل بالخروج من الاتحاد الأوروبي، مروراً بجدول الأعمال القومي الهندوسي لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وانتهاءً بالسياسات الاستبدادية للرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرت. وفي بعض الأحيان، بدا انتخاب ترامب أنه يضخ طاقة حية في بنية الأحزاب اليمينية في أوروبا. وبما أن بعض دول القارة تستعد للانتخابات الوطنية هذا العام، فإن آفاق فوز هذه الأحزاب تبدو مشرقة، ففي فرنسا على سبيل المثال، من المتوقع أن تتقدم مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف إلى الجولة الثانية من الاقتراع في الانتخابات الرئاسية شهر أبريل/ نيسان القادم، وأظهرت أحدث استطلاعات للرأي فوز لوبان في الجولة الأولى على فرانسوا فيلون المرشح المحافظ الذي لاحقته الفضيحة.

وبطبيعة الحال، كان على ألمانيا التعامل مع حزب البديل "اي إف دي" الذي يُسوِقُ نفس الشعبوية التي تثير النعرات القومية ورهاب الأجانب تزامناً مع تَشَجُع أبناء عمومته حول العالم. وسلطت أجهزة الإعلام سواء في ألمانيا أو خارجها ضوء اهتمامها الكبير على الحزب. وقد خلفت الحوادث الأخيرة بما فيها انشقاق رفيع المستوى عن اتحاد ميركل الديمقراطي المسيحي، حالة من الذعر ضربت السياسات الألمانية.

 

ولكن بالرغم من العناوين الهستيرية التي تزعم أن وجود حزب "اي إف دي" يبشر بـ"عودة النازية"، إلا أن دعم الحزب ظل فاتراً في أحسن أحواله. وفي الانتخابات الأخيرة في مقاطعة سكسونيا السفلى، حصل الحزب على 7،8 % فقط وهي نسبة أقل من هدفه المعلن وهو 10% كما أنه أقل بكثير من  34% النسبة التي حققها حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. أما في انتخابات جرت نهاية الأسبوع الماضي في سارلاند، ففاز الحزب الديمقراطي المسيحي بنسبة أكثر من 40% من أصوات الناخبين، بينما حصل حزب "اي إف دي" على نسبة 6،2 % فقط وبالكاد وضع أقدامه على عتبة حجزه لمقاعد تحت قبة البرلمان الإقليمي.

وتظهر أحدث استطلاعات للرأي تَمَتُع ميركل بنسبة عالية من القبول والرضاَ في أوساط الشعب الألماني، وأن الناخبين الألمان يظلون ملتزمين بالأحزاب الرئيسية في البلاد. وقد أدى دخول الرئيس السابق للبرلمان الأوروبي مارتن شولز، كمرشح المستشارة للحزب الديمقراطي الاجتماعي "إس بي دي"، إلى إشعال يسار الوسط وتعزيز آفاق التيار السياسي الألماني. وحتى إذا ما كان من المتوقع أن يحقق حزب "اي إف دي" ظهوراً كبيراً في الانتخابات، فإن نظام ألمانيا البرلماني القائم على الائتلاف يجعل من غير المحتمل جداً أن يتمكن الحزب من تشكيل حكومة.

وهناك تباينات صارخة في المواقف بين برلين ودول غربية أخرى، مع بروز ردود الفعل تجاه الهجمات الإرهابية الأخيرة التي شهدتها عدة دول أوروبية. وبينما صرح الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قائلا: "نحن في حالة حرب" وأعلن حالة الطوارئ في أعقاب الهجمات التي ضربت العاصمة الفرنسية عام 2015، كانت ردة فعل ميركل على هجوم العام الماضي الذي استهدف سوقاً في برلين في عيد الميلاد، تتسم بالهدوء والاسترخاء. وفي الوقت الذي استخدم فيه ترامب مذبحة أورلاندو بولس لتهنئة نفسه على تنبؤاته في يوم القيامة، "رفض الشعب الألماني العيش في حالة من الذعر".

وهنا، يطرح السؤال التالي نفسه: لماذا ظلت ألمانيا البلد الذي عَرَفهُ ذات مرة المحافظون اليمينيون المتطرفون ولا يزال بعض الأجانب يرون فيه حضناً دافئاً للنازية، حصينة نسبياً ضد فيروس الشعبوية اليمينية العالمية؟!

تتعلق إحدى الإجابات على هذا السؤال بالاقتصاد الألماني، حيث عالج هذا الاقتصاد المُسمى "محرك أوروبا" الأزمة المالية العالمية عام 2008 بشكل أفضل بكثير من معظم الدول الغربية واستفاد بشكل عام من الحدود المفتوحة والعملة الموحدة في المنطقة الأوروبية. يعتمد الاقتصاد الألماني على التصدير وسمح له "اليورو" بتصدير البضائع الصناعية إلى دول أوروبية أخرى وفق شروط  مُربحة.

 

على أية حال، يبدو أن بعضاً من هذه القوة عبارة عن وهم ليس إلا، حيث أشارت صحيفة الإيكونوميست عام 2013 إلى أن مستويات معيشة معظم الألمان قد دخلت في حالة من الركود بالإضافة إلى انحراف الثروة بشكل كبير، ناهيك عن إساءة استثمار الادخار القومي. وعلاوة على ذلك فإن الأساسيات الاقتصادية في ألمانيا ليست أقوى وبشكل مذهل من تلك التي في البلدان الأخرى. واليوم تتمتع ألمانيا بمعدل بطالة يبلغ 4,6% وهو نفس معدلها الحالي في أمريكا والبالغ 4,7%، وليس أقل بكثير من نسبة 6,2% في الدنمارك أو 6,9 % في هولندا. وكما هو الحال في العديد من الدول الغربية، فمن المتوقع أن ينمو الاقتصاد الألماني بنسبة من 1 إلى 2 % العام القادم، بالإضافة إلى ذلك، لاحظ المعلقون أن الأداء الاقتصادي ليس مؤشراً على نداء الشعبوية الاقتصادية. وحتى لو أن اقتصاد ألمانيا السليم نسبياً لربما يخفف الضغط على ائتلاف ميركل الحاكم، فإنه لا يفسر الآفاق الانتخابية الضعيفة لحزب البديل عن ألمانيا اليميني الشعبوي "اي إف دي".  

إن نداء الشعبويين لا يكمن فقط في السياسات الاقتصادية التي يعدون بتطبيقها، بل في قدرتهم على الاستفادة من المخاوف الثقافية والاجتماعية للناخبين الذين يشعرون بأن العولمة تهدد أسلوب حياتهم وحتى هويتهم ذاتها. وقد تكون علاقة ألمانيا الفريدة بالذاكرة الوطنية، أحد أهم أسباب الضعف النسبي لجذب حزب "اي إف دي".

وخلافاً لأي بلد آخر تقريباً، فقد كرست ألمانيا نفسها على مدار عقود سبعة بعد الهولوكوست، لتغرس في نفوس مواطنيها وعياً واضحاً ومسؤولية عن جرائمها. وإن من يجعل الألمان أقل عرضة عموماً للشعبوية اليمنية اليوم رغم الحضور المستمر للحركات المتطرفة والعنيفة أحياناً، هو الحذر من اليمين المتطرف وحِس الواجب القومي بالوقوف ضد العنصرية والتطرف.

بدأت عملية نزع الصفة النازية عن ألمانيا، بمجرد أن احتل الحلفاء البلاد عام 1954. تمت إزاحة المسؤولين النازيين عن المناصب العامة، وطُلِبَ من ملايين الألمان ملء استبيانات إزالة النازية. وجرت محاكمة كبار المسؤولين النازيين في نورمبيرغ حيث أُعدِمَ عشرة منهم لارتكابهم جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية.

ورغم توقف هذه العملية عام 1949ــــ عندما تأسست ألمانيا الغربية واستلم السلطة المستشار كونراد أديناور واعداً بقطيعة مع الماضي النازي للبلاد ـــ وأصبحَ تَذكُر إرث ألمانيا النازية مجدداً أولوية عامة في ستينيات القرن الماضي. إن محاكمة أدولف إيخمان عام 1961 في القدس، والتي أَرَخها الفيلسوف حنا أريندت، إلى جانب محاكمات فرانكفورت أوشفيتز المثيرة عام 1963، أيقظت من جديد شعور الألمان بالتواطؤ مع جرائم حكومتهم.

 

كانت الانتفاضات الطلابية التي شهدتها ألمانيا عام 1968 بدافع من هذا الشعور بالذنب بسبب المحرقة والإحباط لأن الجيل القديم فَضلَ الصمت والنسيان بدلاً من التذكر والتكفير عن هذا الذنب.

عام 1985، وفي الذكرى الأربعين لنهاية الحرب العالمية الثانية، ألقى الرئيس الألماني ريتشارد فون فايزكاكر خطاباً شهيراً اليوم، أمام البرلمان. وفعل الخطاب الشيء الكثير أكثر من أي فعل آخر في تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب، بهدف تعزيز شعور المواطنين عن جرائم النازيين. تحدث فايزكاكر في خطابه علناً عن ملايين اليهود وأبناء عِرقي السنتي والروما، والمِثليين والمعوقين ذهنياً، الذين قتلهم النظام النازي. وقد حث الرئيس جيل الشباب على "فهم سبب حيوية الحفاظ على الذكريات حية في العقول". وفي أحد أجزاء الخطاب، أعلن الرئيس بجرأة قائلا: "إذا ما سَعَينا لنسيان ما حدث بدلاً من تذكره، فلن يكون هذا غير إنساني فحسب..... ويجب علينا بناء نصب تذكاري للأفكار والمشاعر في قلوبنا".

وعلى مدار العقود الماضية، أخذ الألمان استحقاقات رئيسهم على محمل الجد وأكدوا من جديد التزامهم بتفهم ماضيهم والتكفير عنه. وتواصل الحكومة الوطنية في البلاد دفع تعويضات لضحايا المحرقة، في عملية بدأت عام 1952 عندما وَقَعت ألمانيا الغربية على معاهدة مع إسرائيل. ومنذ عام 2013، تعهدت ألمانيا بدفع 800 مليون يورو إضافية للناجين المُسنين من المحرقة.

إن التزام ألمانيا بالتكفير عن ماضيها هو أشد وضوحاً وإبداعاً في شغفها بالآثار. ففي عام 1992 على سبيل المثال، بدأ الفنان الألماني غونتير ديمنيغ وضع أحجار صغيرة مغطاة بالنحاس أمام المباني التي عاش فيها اليهود. ونُقِشَت على تلك الحجارة أسماء الذين كانوا يعيشون هناك قبل ترحيلهم وقتلهم من قبل النظام النازي. ومنذ ذلك الحين، تم وضع عشرات الآلاف من ما يسمى بـ" ستولبيرستين": جميعها من تصنيع ديمنيغ لكن رتبها مختلف الناس، وتعتبر هذه الحجارة مشهداً شائعاً في معظم المدن الألمانية.

ومن بين مئات النصب التذكارية في البلاد، يبقى نصب برلين التذكاري تخليداً للضحايا من يهود أوروبا والذي صممه بيتر ايسنمان، هو الأكثر إثارة للإعجاب. ويقع هذا النصب المُكون من ما يقارب الـ 3 آلاف لوح من الخرسانة الرمادية، في قلب العاصمة برلين. على مقربة من بوابة براندنبورغ ومبنى برلمان ريخستاغ. وكان ما يزيد عن خمسة ملايين زائر قد قصدوه منذ افتتاحه عام 2005.

  " ألماني يمشي وسط النصب التذكاري لضحايا من اليهود الأوروبيين. عدسة كارلو أليغري / رويترز"

 

وبالفعل، كانت المعارضة الشديدة لبيورن هوك مرشح حزب البديل عن ألمانيا "اي إف دي"، لهذا النصب شهر كانون الأول/ يناير الماضي، هي من جلب المخاوف من موجة إثارة تعم الحزب، وأطلقت سيلاً من الانتقادات له. وقال هوك إن الألمان "هم الشعب الوحيد في العالم الذي أسس نصباً للعار في قلب عاصمتنا" على حد تعبيره. لربما كان كلام هوك صحيحاً، بيد أن هذا ليس دليلاً كما يعتقد على ضعف ألمانيا، بل على القيادة الأخلاقية للبلاد.

إن الخطاب العام في ألمانيا حذرٌ عموماً حتى أنه غير متسامح مع أي شيء يمجد الماضي النازي للبلاد أو يخفف من وطأة الشعور بالذنب. وعندما حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عام 2015 إلقاء اللوم على المسلمين بخصوص المحرقة، رد عليه أحد المتحدثين باسم ميركل قائلاً: "نعلم أن المسؤولية عن هذه الجريمة بحق الإنسانية إنما تُلقى على كاهلنا كألمان". ومن الصعب تصور أن لا يتعرض زعيم دولة ما للانتقاد القاسي نظراً لإقراره بالمسؤولية الوطنية. وتقديراً لالتزام ميركل بالحفاظ على ذكرى المحرقة، سيمنحها المتحف التذكاري للمحرقة في الولايات المتحدة جائزة إيلي فيزل لهذا العام شهر أبريل/ نيسان.

وليست الخطابات والنصب التذكارية أو التعويضات التي كانت عنواناً لارتباط ألمانيا بماضيها النازي، عبارة عن إيماءات فارغة أو رموز جوفاء، وإنما هي تعابير عن التزام الألمان الواسع بالتكفير عن الجرائم الماضية  ومنع وقوع فظائع مشابهة في المستقبل. فعلى سبيل المثال، وجد استطلاع للرأي  أن 75% من الألمان يؤمنون أن لبلادهم "دوراً دولياً خاصاً" في منع ارتكاب الفظائع.

 

إن ارتباط ألمانيا بذنوبها يُشكل قطيعة جذرية مع كيفية تعريف معظم الدول لاستقلاليتها. ورغم أنه لا توجد طريقة للتكفير تماماً عن جريمة خبيثة ومدمرة مثل المحرقة، فإن المحاولة بحد ذاتها للقيام بذلك هي ما يميز ألمانيا.

وإلى حد ما، يقف كل بلد على أخطاء ماضيه، ووراء كل أسطورة قومية تكمن جريمة أو أخرى. ولم تعترف بريطانيا العظمى تماماً ببشاعة الإمبريالية التي سلبت ثروة لا توصف من الدول النامية وقتلت الملايين، والتي رأى فيها الفيلسوف أرندت أولى بذور الفاشية. كما أن فرنسا لم تعترف فعلاً بإمبراطوريتها الاستعمارية الشريرة أو التعاون الخبيث لكثير من الفرنسيين مع النازيين. ولم تعترف الولايات المتحدة أبداً بدور العبودية في بناء البلاد، وحِرمان جيم كرو، والإبادة الجماعية بحق الأمريكيين الأصليين والتي تأسست عليها الولايات المتحدة.

إن الصلة بين هذه الأعمال غير المعترف بها، والعنصرية الجنونية وكراهية الأجانب في أحزاب اليمين اليوم، قد تكون خفية لكن لا لبس فيها. كان الحنين الإمبراطوري هو من ساعد على إقناع البريطانيين بالتنصل من ارتباطهم مع أوروبا. إلا ما دعت للعودة إليه رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي لقيام "بريطانيا العالمية"؟! إن لم يكن إلى الإمبراطورية المفقودة!. ثم كيف يمكن تفسير الدعم الكبير غير المعتاد للمستعمرين الفرنسيين الجزائريين السابقين وعائلاتهم الذين يُسمون –"بيير نوارس"، للجبهة الوطنية بقيادة لوبان. وكيف ندرك دفاع اليمين الأمريكي المتطرف عن استمرار ارتكاب الأعمال الوحشية بحق الأقليات، وحبه لرموز وشعارات العنصرية مثل العلم الكونفدرالي.

إن لكل دولة ذنوبها الخاصة، ولكن ألمانيا فقط هي من عَرفَ وسَمى ذنبه وسعى للتكفير عنه. وإذا ما كانت بقية دول العالم تأمل في مواجهة ثورة الشعبوية، فقد يكون من الجيد لها محاكاة التجربة الألمانية.

 

-------------------

الكاتب:

صموئيل هونيك Samuel Huneke، صامويل هونيك هو مرشح للدكتوراه في التاريخ الأوروبي الحديث في جامعة ستانفورد. 

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 710680

مقالات المترجم