عدد القراءات: 2232

هل الإسلام دين عالمي أم دين قومي ّخاص ّ بالعرب ؟

 

قد يبدو السؤال غريبا ً بالنظر إلى ثقل الأفكار التراثية التي ترزح فوق صدورنا كمسلمات غير قابلة للنقاش، برغم أن السؤال نفسه يبدو منطقيا ً تماما ً عند الكلام عن الأديان الأخرى، فلقد أجمعت الأمة أن جميع الأنبياء السابقين لبعثة نبينا عليه الصلاة و السلام كانوا مختصين بأمّة واحدة فقط، أمة محددة بصفات قوميّة معينة.

فموسى أرسل لبني اسرائيل فقط، و عيسى القائل في إنجيل متى :( لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ).

و كذلك سائر الأنبياء و الرسل الذين ذكرهم القرآن، كانوا مختصين بأقوامهم، رسالتهم موجهة لأمة واحدة.

(( و إلى ثمود أخاهم صالحا ً ))، (( و إلى مدين أخاهم شعيبا ً ))، (( و لوطا ً إذ قال لقومه)).

و لكن لا يوجد من التزم تلك الحدود القومية للرسالة غير اليهود، فالمسيحية تم عولمتها، و المثل حدث للإسلام .

لعلّي أشير هنا لمقال الأخ مصطفى عطا الله ( الأساطير المؤسسة للثقافة الإسلامية – عالمية الإسلام).

فلقد سرد في مقاله بعض الأدلة القرآنية التي تفيد أن الإسلام دين خاص بالعرب، مثله مثل باقي الأديان السابقة.

سنقوم بعرض تلك الأدلة في عجالة، و لكننا سنضيف عليها أدلة أخرى، و سنركز على آثار هذا الرأي في الفقه الإسلامي .

 

الأدلة القرآنية على قومية الإسلام:

 

- لكل أمّة رسول:

يقول تعالى: ((وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)). سورة يونس.

و يقول : ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا)). سورة النحل، ((وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)). سورة الرعد.

في هذه الآيات و أمثالها تأكيد للمبدأ العام في إرسال الرسل(لكل ّ أمة رسول)، و هذا المبدأ العام يبقى على عمومه حتّى يأتي نص مخصص، نص يقول بأن النبي محمد عليه الصلاة و السلام استثناء من القاعدة.

و لكن الواقع أن هذا النص غير موجود، بل ما يوجد هو عكسه تماما ً، آيات كثيرة تنفي الخصوصية عن النبي و تؤكد أنّه كباقي إخوانه من الأنبياء : (( قل مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ ))، (( و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)).

بل أكثر من هذا، القرآن ينهى عن التفريق بين رسله، كما في قوله: (( لا نفرق بين أحد من رسله))، فرسل الله كلّهم سواء لا يوجد فرق بينهم، دعوتهم واحدة و طريقهم واحد.

 

 - اللغة كشرط للبيان:

لا أذكر أنّي قرأت كتابا ً يذكر بين ثنايا صفاحته بأنه مكتوب باللغة الفلانية، العربية أو الإنكليزية، و رغم بداهة هذه المعلومة التي ستعرفها بمجرد الإطلاع على صفحات الكتاب، إلا أن الله ذكرها في أكثر من نص، و لا يمكن أن يكون ذكر لغة الكتاب نوع من اللغو، بل هو لمعنى معين يريده الله من وراء ذلك، كما في قوله: ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ))

وقوله: ((كَذَلك أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًّا))، أو قوله: ((إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)).

فما هو الهدف من ذكر لغة الكتاب؟ القرآن يجيبنا، و ذلك في الآية المحورية في موضوعنا، ففي بداية سورة ابراهيم يقول الله تعالى: (( و ما أرسلنا من رسول إلّا بلسان قومه ليبيّن لهم)).

ففي هذه الآية يضع الله إتحاد اللغة بين النبي و قومه شرطا ً للبيان و إقامة الحجة، و يعمم هذا الشرط على جميع الرسل دون استثناء.

و أيضا ً تبدو هذه المعلومة بدهية، لكي ندرك بدهيتها فلنتخيل أن يقوم رجل ياباني بمراسلة شركة عربية باللغة اليابانية.

و لعلنا نشير هنا إلى نكتة، فالإمام الفخر الرازي ذكر هذا المعنى في تفسيره مفاتيح الغيب1، ذكره كشبهة ألقاها بعض اليهود في عصره، و النكتة أنه بدأ ردّه عليهم بقوله: ( لما لا يجوز... ) و هي صيغة تمريضية2 كما في مصطلح الحديث.

 

- اختلاف اللغة بين النبي و قومه عذر لعدم الإيمان:

في هذا المعنى يقول القرآن: ((وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ)).

فالأعجمي لا يمكن له أن يدرك معاني القرآن، كما أن الترجمة تذهب البلاغة التي هي إعجاز القرآن و حجته الأولى و الأخيرة.

و لا بد أن نشير هنا أن الفقهاء لم يتفقوا على جواز ترجمة القرآن، و حتى من أجاز ذلك فقد منع تسمية الترجمة ( قرآنا ً)، و ذلك لاستحالة ترجمة القرآن حرفيّا ً 3.

 

- الحدود الجغرافية للرسالة:

برغم جميع الأدلة السابقة و التي تكفي أي منصف صاحب عقل، إلّا أن الله لم يكتف بذلك، بل وضع حدودا ً جغرافية للرسالة، و ذلك في قوله: (( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)).

نلاحظ الترابط بين صفة الكتاب و حدوده الجغرافية ( قرآنا ً عربيا ً لأجل إنذار الجزيرة العربية).

فالحدود الجغرافية للرسالة المحمدية هي ( أم القرى و ما حولها )، البقعة الوحيدة في الأرض التي تنطق بالعربية.

فهل ثمّة من شك بعد هذه الأدلة المتضافرة ؟.

 

- نقد الأديان الأخرى في القرآن:

إن المتتبع لحجاج القرآن في عرضه عقيدة الإسلام يجده دائما ً ما ينتقد عقائد المشركين من العرب بجانب نقده لعقائد أهل الكتاب، و هذه هي الأديان التي كانت منتشرة في جزيرة العرب فقط لا غير.

فالقرآن مملوء بالآيات التي يوجهها لأهل الكتاب ابتداء (( قل يا أهل الكتاب لستم على شيء))، و أحيانا ً يصحح لهم دينهم و عقائدهم: (( و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم )).

و لكننا في المقابل نجد غيابا ً تاما ً و صمتا ً مطبقا ً عن العقائد الأخرى، فلا ذكر في القرآن للهندوس، أو للبوذيين، أو حتى المجوس المقاربين لجزية العرب في فارس.

بل يحق لنا أن نسأل أيضا ً: أين ذكر عقائد الهنود الحمر في أمريكا؟، أو السكان الأصليين في استراليا؟ لو كان القرآن لهم لكان ذكر عقائدهم و نقدها كما فعل بأهل الكتاب و مشركي العرب.

بإختصار، القرآن يحاور الأديان التي دانت بها العرب فقط لا غير، و لا يلتفت لأي دين وجد أو سيوجد خارج الجزيرة العربية.

 

قومية الرسالة في الفقه الإسلامي :

سنرى الآن كيف أن بعض فروع الفقه الإسلامي بنيت على هذا الأساس، و أن بعض الأحكام الفقهية قد أخذت صفة القومية.

 

- قرشية الخليفة:

ورد في البخاري عن معاوية بن أبي سفيان ( إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لاَ يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ، إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ) .

و على هذا الحديث و أمثاله أجمع أهل السنة و الجماعة، بأن الخليفة يجب أن يكون من قبيلة قريش حصرا ً .

ذكر ذلك الماوردى فى كتابه الأحكام السلطانية حين قال: ( والسابع النسب وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه)

و أيضا النووي في شرحه على صحيح مسلم حين يقول: ( هَذِهِ الْأَحَادِيث وَأَشْبَاههَا دَلِيل ظَاهِر أَنَّ الْخِلَافَة مُخْتَصَّة بِقُرَيْشٍ، لَا يَجُوز عَقْدهَا لِأَحَدٍ مِنْ غَيْرهمْ، وَعَلَى هَذَا اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع فِي زَمَن الصَّحَابَة، فَكَذَلِكَ بَعْدهمْ، وَمَنْ خَالَفَ فِيهِ مِنْ أَهْل الْبِدَع أَوْ عَرَّضَ بِخِلَافٍ مِنْ غَيْرهمْ فَهُوَ مَحْجُوج بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة)

و على الجهة المقابلة نجد الشيعة اشترطوا عائلة واحدة من قريش تحتكر منصب الخلافة، و هم آل البيت كما هو معروف.

و السؤال: إذا كان الإسلام دينا ً عالميا ً، فكيف يكون أعلى منصب سياسي فيه حكرا ً على قبيلة واحدة؟

 

- حروف القرآن السبع:

جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم: ( أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه يأمره أن يقرأ القرآن على حرف فطلب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهون على هذه الأمة فأمره أن يقرأه على حرفين فطلب منه التخفيف إلى أن أمره أن يقرأه على سبعة أحرف).

و الحرف هو اللهجة، أي أن القرآن لم ينزل فقط بلغة عربية، بل أنزل أيضا ً باللهجات المحلية للقبائل العربية، و الحكمة من ذلك مذكورة في نص الحديث، و هي التخفيف على الناس، فبعض القبائل العربية احتجت بأن القرآن أنزل بلهج قريش التي لا يفهمونها، فأنزل الله القرآن بلهجتهم أيضا ً تخفيفا ً عنهم.

السؤال هنا: لو كان الإسلام دينا ً عالميا ً، أما كان على النبي أن يسأل جبريل أن ينزل القرآن باللغات المشهورة في عصره على الأقل؟ بدل أن يطلب  نسخا ً بلهجات محليّة؟.

 

- قومية التشريع دليل على قومية الرسالة:

كثير من شعائر الإسلام و تشريعاته ما هي إلا امتداد و تطوير لما كان موجودا ً و مطبقا ً في الجاهلية.

فقطع يد السارق تشريع جاهلي ّ أقرّه القرآن، أحكام عدة النساء تم تطوريرها قليلا ً عمّا كانت عليه قبل الإسلام، شعائرالحج بقيت كما هي تقريبا ً في الجاهلية.

في المقابل نجد غيابا ً تاما ً لأي تشريع إسلامي تم اقراره أو تطويره من خارج البيئة العربيّة، مما يؤكد أن المشرّع حين وضعه للتشريع كان يأخذ بالحسبان طباع البيئة التي سيطبق عليها، و هي البيئة العربية فقط.

 

ختاما ً نقول: إن هذا الرأي القرآني إذا تم تبنيه سيقلب المفاهيم الإسلامية رأسا ً على عقب، و سينهي الجدل حول مصير ( غير المسلم) في الآخرة، فلا يمكن وصفه بعد ذلك بأنّه ( كافر)، فهو غير مخاطب بالدعوة من حيث الأصل.

و كذلك سينهي أحلام الإسلام السياسي المتمثلة بفكرة ( أستاذية العالم)، و ( حاكمية الشريعة على البشرية).

تلك المبادئ التي تشكل عصب الإرهاب و دافعه الرئيسي.

 

اشارات مرجعية:

http://www.islamweb.org/newlibrary/display_book.php?bk_no=132&ID=&idfrom=3177&idto=3229&bookid=132&startno=12

2  الصيفة التمريضية في علم مصطلح الحديث تعني  أداء الحديث بصيغة تحتمل عدم الثبوت أو تطرق الشك إليه في الغالب

 https://fatwa.islamonline.net/2167 3

علِّق