عدد القراءات: 942

هل الإسلام دين عالمي أم دين قومي ّخاص ّ بالعرب؟ (2)

 

أثار الجزء الأول من المقال زوبعة من الاعتراضات التي تبدو مفهومة و مبررة في سياق العقل الإسلامي الجمعي الذي لا يرضى بأيّ رأي جديد، مالم يكن له ( سلف ) قال بذلك القول في التاريخ الغابر.

فحتى يحظى أيّ اجتهاد جديد بالاحترام لا بد أن تنسبه لإمام،و إن لم تجد لك إماما ً كان إمامك الشيطان، و ستصبح في نظرهم مبتدعا ً في أحسن الأحوال، إن لم يكفرّوك لأنك انتهكت مسلّمة من مسلّمات الأجداد، و طرقت بابا ً لم يطرقه أحد قبلك، حتى لو كنت تتحدث من داخل المنظومة الفقهية، و تستخدم أدواتها المعرفيّة ذاتها.

ما يثير الاستغراب و يلقي الضوء على العقلية التي يتعامل بها العقل التراثي في مناقشة أي مسألة خلافية أنه يكتفي بضرب الأدلة ببعضها، يأتي بأدلته دون أن يلقي بالا ً بالتناقض الحاصل بين الدلالات.

فجل ّما يقومون به هو الإتيان بالآيات العامة (( رحمة للعالمين))، (( أرسلناك للناس كافة )) .

فلم يأتنأ أحدهم برد منطقي على دليل جغرافية الرسالة (( لتنذر أم القرى و من حولها))، أو بتفسيرمنطقي لدليل (اختلاف اللغة عذر لعدم الإيمان) الذي استنتجناه من قوله تعالى: (( و لو نزلناه على بعض الأعجميين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين)).

لذلك سنقوم في هذا المقال بذكر أدلة القائلين بعالمية الإسلام، و سنضع الأدلة في سياقها الصحيح لنخرج النصوص من التناقض الظاهري.

 

يجادل القائلون بعالمية الإسلام أن القرآن يخاطب الناس جميعا ً في آيات كثيرة (يا أيها الناس) أو (يا بني آدم).

أو يخاطب فئة معينة من الناس بخطاب خاص كقوله ( يا أهل الكتاب)، و أهل الكتاب ليسوا عربا ً في المجمل.

أيضا يوجد آيات صريحة توحي بعالمية الإسلام، كقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)سبأ28، أو قوله : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)الأنبياء107

ويمكن إجمال أدلتهم بقولنا : إن القرآن استخدم كلمات عامة تشمل البشرية جمعاء، و هذا العام يبقى على عمومه، و لكن...

 

العام يمكن أن يخصص:

من المقرر في الأصول أن اللفظ العام يمكن تخصيصه بنص آخر، أو بدليل آخر يفهم من سياق الكلام، بل قيل ( لا يوجد عام إلا و خصص )، مثلا ً: يقول الله تعالى (( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم))، هذه الآية لا يمكن فهمها إلا بتخصيص كلمة ( الناس ) في الحالتين، فلا يمكن أن يكون القائل و المستمع واحدا ً، و نلاحظ أن التخصيص تم بالعقل فقط، بحسب صياغة الجملة و سياقها.

كذلك يمكن أن يقول رجل لزوجته : (جميع الناس سيأتون إلينا في صباح يوم العيد)، و لن تفهم زوجته بأي ّ حال من الأحوال أن جميع البشرية ستأتي إلى بيتها لتناول حلوى العيد.

أو قد يقول والد لابنه الراسب في الإمتحان: ( رسوبك جعلني مطأطئ الرأس أمام العالمين )، و طبعا ابنه لن يخطر على باله أنّه صار شخصية مشهورة في السويد أو أستراليا.

سياق الكلام في الحالتين يخصص الكلمات العامة بأدلة عقلية، فـ (الناس) في الحالة الأولى هم أقرباء الزوجين، و (العالمين) في الحالة الثانية هم معارف الوالد.

و نحن إذ نخصص آيات القرآن العامة فإننا لا نفعل ذلك فقط بمخصصات عقلية كما في أمثلتنا السابقة، بل نستعين بنصوص و أدلة كثيرة أجملناها في مقالنا الأول، و لكن سنكتفي بدليل واحد منها و سنرى هل ننجح في التخصيص؟.

 

العلّة لا يمكن أن تلغى:

من ضمن الأدلة التي ذكرناها تحت ما عنونّاه بـ (اللغة كشرط للبيان)، ذكرنا أن الله قد وضع إتحاد اللغة بين النبي و قومه شرطا ً للبيان و إقامة الحجة،و ذلك في قوله : (( و ما أرسلنا من رسول إلّا بلسان قومه ليبيّن لهم)).

و العلة - لمن لا يدرك أهميّتها - هي الإجابة على سؤال ( لماذا ؟ )، أي هي ( الباعث على التشريع) كما يقول أهل الأصول.

وفي حالتنا هنا فإننا نرى أن العليّة واضحة كل الوضوح في ( لام التعليل) التي التصقت بكلمة (يبيّن)، فصارت ( ليبيّن )، بحيث لو سألنا أنفسنا ( لماذا يجب على الرسول أن يتحدّث لغة قومه؟)، لكان الجواب بداهة ( ليبيّن لهم).

نلاحظ أيضا ً ان العلة مذكورة نصا ً، و ليست عقلية تفهم من سياق الكلام، مع أن السياق لوحده كاف في إدراك العليّة كما رأينا، فمثلا ً: حين يقول والد لابنه في ليلة امتحانه ( لا تتلهى بألعاب الفيديو)، سيدرك الإبن مباشرة أن والده أمره بذلك كي يدرس، فهي الإجابة المنطقية الوحيدة عن سؤال ( لماذا).

و سؤال (لماذا) هو السؤال الغائيّ الذي يميّزنا كبشر، لذلك لا يمكن فصل العلة عن معلولها، ولا يمكن إلغائها، بعكس النص العام الذي يمكن بسهول تامة أن يتم تخصيصه.

 

دوران العلّة:

يقول الأصولييون : العلّة تدور مع المعلول وجودا ً و عدما ً، و هذا الدوران ليس  دورانا ً ماديّا ً، بل هو دوران معنوي ّ، فالعلّة هي الغاية من الحكم، و بالتالي فإن الحكم يوجد بوجودها، و ينتفي بإنتفائها، فالعلة هي الأصل، و الحكم هو التابع، لذلك فإن الإبن في مثالنا السابق لن يتردد في الإنكباب على ألعاب الفيديو بعد إنتهاء الإمتحانات، و لن ينتظر إذنا ً مباشرا ً صريحا ً من والده، لأن العلّة زالت، و بالتالي زال الحكم.

كذلك يقال أن البيان و إقامة الحجة على الناس هي العلة التي من أجلها فرض الله إتحاد اللغة بين الرسول و قومه .

قد يقول البعض أن العلة هنا متعديّة و ليست قاصرة 1، أي يمكن أن يقاس عليها، و بالتالي يمكننا ان نقول أن الترجمة يمكن أن تحقق البيان.

نقول أن هذا الكلام قد يكون محتملا ً لولا سببين، الأول: صيغة الحصر التي في النص، فالله لم يقل ( لقد أرسلنا الرسل بلسان قومهم)، بل عمم ذلك بـ ( ما )  و حصره بـ ( إلا ): (( و ما أرسلنا من رسول إلا ))، فهذا دليل على قصور العلة و ارتبطاها ارتباطا ً عضويّا ً بالحكم.

الثاني: أنكم جعلتم معجزة النبي الخالدة هي القرآن بنظمه و أسلوبه و بلاغته، و في الوقت نفسه حرّمتم إطلاق اسم القرآن على ترجمته، أي على غير العربي أن يتعلّم العربية حتّى يدرك بلاغة القرآن، و بالتالي إقامة الحجة عليه.

 

خطاب أهل الكتاب:

لعل أقوى حججهم الباقية هو الخطاب القرآني لأهل الكتاب، فأهل الكتاب لم يكونوا عربا ً، فالمسيحية كانت منتشرة في أوروبا و آسيا، و كذلك اليهودية كانت منتشرة في العالم القديم، و لم يكونوا يتحدثون العربية، و خطاب القرآن لهم يدل ّ على أنهم مخاطبون بالرسالة المحمديّة رغم انهم ليسوا عربا ً.

رغم قوة هذه الدليل ظاهريّا ً، إلا أنّه سينقلب على قائله بمجرّد التأمل فيه.

 

القرآن يخاطب طائفة من أهل الكتاب، لا جميعهم:

يقول القرآن مخاطبا ً أهل الكتاب (( و قالت اليهود عزير ابن الله ))، فالقرآن في الآية السابقة يستنكر على اليهود قولهم هذا، و لكن قد يتفاجأ البعض أنّه لا يوجد يهودي واحد في عصرنا الحالي يقول بأن عزيرا ً هو ابن لله.

بل أكثر من هذا، لم يسجل التاريخ أن طائفة يهودية على مرّ العصور قالت بهذا القول، فالقائل بعالمية القرآن سيقع في فخ لا مهرب منه، إما نسبة الخطأ للقرآن، و بالتالي تسقط مصداقيّته، أو بالتسليم بأن القرآن كان يخاطب طائفة صغيرة من اليهود في جزيرة العرب.

و يبدو أن هذه الطائفة هي الوحيدة التي كانت تقول بأن عزيرا ً ابنا ً لله، و بالتالي يثبت بالدليل القاطع أن القرآن لم يكن في باله مخاطبة جميع اليهود، بل كان يخاطب طائفة منهم من العرب فقط، هي التي كانت تؤمن بأبوّة لله لعزير.

ومثل ذلك يقال في الحوار الإلهي مع سيدنا عيسى عليه السلام يوم القيامة، فالله يقول له (( أأنت قلت للناس اتخذوني و أمي إلهين من دون الله )).

أيضا ً إذا بحثنا في عقائد المسيحيين لن نرى أحدا ً منهم يقول بأن مريم العذراء هي ( إلهة)، بل هم يعتبرونها قدّيسة، أو ( وليّة ) من أولياء الله كما في المصطلح الإسلامي، نعم قد يذكرونها في أدعيتهم، و يتباركون باسمها، و هذا ما يفعله المتصوفة من المسلمين بالأولياء الصالحين، و هم قطعا ً لا يعتبرونهم آلهة.

و ما يقال هناك يقال هنا، يبدو أن نصارى العرب كانوا يعتقدون هذا المعتقد ( الشاذ) بحسب اللاهوت المسيحي.

 

ختاما ً نقول: يجب فصل الإسلام كدين على الآراء التي فرضتها اللحظة التاريخية على الدولة الإسلامية الناشئة و الراغبة بالتوسع، و التي كانت تخشى جيرانها من الدول العظمى التي تتربص بها الدوائر، كفارس و بيزنطة.

فجهاد الطلب، أو عالمية الإسلام ما هي أحكام سياسية إحتاجتها الدولة الإسلامية كمبرر أخلاقي لتوسعها الإمبراطوري، و فق القانون الدولي الوحيد الذي كان سائدا ً في ذلك العصر، و الذي يقول ( حدود الدولة الجغرافي ينتهي عند حدود قوتها)

فضلا ً عن أن القول بعالمية الإسلام بالذّات له أبعاد عقائدية، فهو ينسب الظلم لله و يشوّه صورته الرحمانية، فلا يوجد تكافؤ للفرص بين الإنسان الذي ولد بلسان عربي ّ، و الآخر الذي ولد في مجاهل الصين، فعلى الصيني أن ينفق عشرات السنين من عمره لتعلّم العربية حتى يدرك خطاب الله له، بينما العربي يفعل هذا بمجرد الصدفة الجغرافيّة.

ليس هذا فقط، بل إن القول بعالمية الخطاب القرآني يؤدي مباشرة إلى الطعن في مصداقيّة القرآن الذي ينسب لأهل الكتاب عقائدا ً لم يقولوا بها بجملهم، و لا يعتقدونها في وقتنا الحالي، فلا يبقى من مهرب من هذا إلا التواضع و البخوع  لسنة الله في خلقه، و التسليم لقوله حين قال: ( و لكل ّ أمّة رسول).

-------------------

 *1 العلة المتعدية هي التي يجوز التعليل بها، أي: سواء كانت منصوصاً عليها كقوله - صلى الله عليه وسلم - في الهرة: " إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات "، فيقاس عليه الفأرة، أو كانت العلة مستنبطة كالتعليل بالقتل العمد العدوان، والزنا والإسكار
أما العلة القاصرة فلا يجوز التعليل بها إن كانت منصوصاً عليها اتفاقاً، كتعليل وجوب الكفارة بوقاع مكلف في نهار رمضان، فلا يقاس على ذلك بإيجاب الكفارة على من أذهب صومه بشهادة زور في رمضان، و هكذا.

 

علِّق