نقاط حول مقالة إياد شربجي (المسلم التقليدي: المتهم - الضحية)

 

* د. نبيل الطرابيشي

 

استاذ اياد اشكرك على الجهود التي بذلتها في محاولتك تحليل الوضع الاسلامي و اظن ان معظم الناس تتفق على ان هناك مشكلة يجب علينا حلها، او على الاقل محاولة حلها و لا شك ان تشخيص المشكلة هو خطوة على الطريق باتجاه الحل، و اظن ان الاختلاف في بعض الامور و الاتفاق في بعضها الآخر هو شئ طبيعي، و يعبر عن حالة صحية، فليس هناك فرد يستطيع ادعاء احتكاره للحقيقة و يتوجب علينا جميعا العمل للارتقاء بمجتمعنا.

 لذلك فانني سأعرض بعض الملاحظات على مقالة المسلم التقليدي: المتهم - الضحية  الذي نشر في 4-7-2016 :

- اولا اتمنى الا تكون هناك طروح او مناقشات حول تصنيف الناس مع تحديد نسب لا يدعمها اي دليل حيث ان البشرية و حركة التاريخ تسير لإلغاء التصنيفات البشرية و التنميطات في بني الانسان لأنها كانت دائما مصدر ضرر و تفريق بدون اي فائدة فلا يليق بنا ان ندخل جديدا في هذا المجال بينما بقية العالم يعمل على التخلص منها فمهمة المصلح هي تبيان الحقيقة كما يراها و الدعوة لها بالحكمة و الموعظة الحسنة.

 

- ان العرض الموضوعي لقضية ما بغية توصيفها كخطوة اولى بهدف بناء تصور صحيح عن الوضع يحتم عرض الوضع كاملا بايجابياته و سلبياته و الابتعاد عن التهويل و الانتقائية فالتجرد مطلوب و بشدة في مثل هذه المواقف لأن فقدانه يعني فقدان الفرصة لايجاد الحل الصحيح فعندما اقرأ العرض في مقالتك الأخيرة اشعر بأن الامة الاسلامية لم تنتج شيئا تضيفه للحضارة و ذلك اجحاف شديد بحق الامة و التاريخ و الموضوعية فمساهمات الامة الاسلامية في الحضارة لا يمكن انكارها فمثلا الارقام المستخدمة اليوم تدعى بالارقام العربية و لا ننسى المساهمات الهائلة للخوارزمي الذي يعتبر مؤسس علم الجبر و الذي ما يزال يحمل نفس الاسم العربي و تأثير ابن سينا في الطب و ابن خلدون في علم الاجتماع و غيره و من المدهش حقا ان اسماء النجوم في السماء معظمها عربية مما يبين اثر الحضارة الاسلامية و مساهماتها التي لن نستطيع تغطيتها هنا و التي اثرت الحضارة الانسانية و لكننا لا نذكرها هنا من باب الاستعلاء و التفاخر الفارغ و لكن لانها جزء اساسي من الصورة الحقيقية و فهم وجود تلك النجاحات سيعطي حلولا افضل للأزمة الحالية.

 

- في مسألة سكان البلاد التي فتحها المسلمون فان الايحاء بان سكان تلك البلاد تم اجبارهم على اعتناق الدين الجديد يهمل الحقيقة بأن المسلمين تعاملوا معهم بشكل هائل التقدم بالنسبة لذلك الوقت عندما سمحوا لهم بالحفاظ على معتقدهم و اموالهم رغم قدرة المسلمين حينها على انهاء وجودهم بشكل كامل و التمتع بممتلكاتهم و للمقارنة فان معظم الفتوحات الاسلامية حدثت في القرن الاول الهجري اي حوالي القرن السابع الميلادي و كان تعاملهم سمحا في كل البلاد فمثلا في اسبانيا التي فتحت عام 711  لم يتم افناء غير المسلمين بل تم احتواؤهم في مجتمع منفتح كان نقطة مضيئة في اوربا في العلم و في الانتاج الحضاري و لكن عندما تمكن غير المسلمين في الاندلس ارتكبت المجازر و اقيمت محاكم التفتيش لانهاء اي اثر للمسلمين و اليهود و ذلك حوالي عام 1492 اي انه بعد اكثر من 700 سنة فان التعامل الهمجي كان لا يزال القاعدة خارج ديار المسلمين.

 

- بالنسبة لغزارة المعلومات الذي ذكرت فهي ليست مشكلة الا اذا كان التفكير وراء ذمها هو تكميم الافواه و منع الناس من تأليف ما يريدون اي حظر الحرية الفكرية ! اما موضوع الفوضى فهو ناتج عن عدم وجود مؤسسات ذات مصداقية علمية عالية بفكر مستنير يثق بها الناس تستطيع ان تجيب على اسئلتهم و تقدم لهم ما يفيدهم.

 

- اما عن تحالف السلطة السياسية مع السلطة الدينية و التي كرست التخلف فهذا شئ نتفق فيه و لا ينكره عاقل و هو شئ حصل من قبل في التاريخ الانساني و تحديدا في اوربا حيث ان هناك تشابها كبيرا الى درجة التطابق بين الاسلام و المسيحية - و ليس كما قلت بأن نظرتهم مختلفة فهذا ينافي الحقائق التاريخية - و لكن العالم المسيحي حل المشكل بفصل الكنيسة عن الدولة كما ان الناس في عصر النهضة ارادت التحرر من اغلال الكنسية و موقفها السلبي من العلم لذلك فقدت الكنيسة قدرتها على التحكم بالحياة العامة و تحول التدين الى طقوس تمارس في عطلة الاسبوع و اصبح الانجيل شيئا يقرأ للتبرك و ما يزال كذلك باستثناء بعض الحركات التي تظهر من فترة لأخرى فتصطدم بسلطة الدولة غير الدينية ثم تخبو و تندثر مثل حركة دافيد كوريش و غيره في امريكا و اظن انه بالنسبة لنا فربما حصل عندنا شئ مشابه نوعا ما في المستقبل.

ملاحظة حول آية السيف:

في الجزء الذي تتكلم فيه عن آية السيف يخيل للقارئ ان هناك اجماعا مطلقا على الأمر بقتال غير المسلمين و ليس ان هناك خلافا فكريا و فلسفيا بهذا الشأن و الذي يظهر واضحا من الاقتباس من تفسير المنار - و هو متيسر على الشبكة العنكبوتية -:

تفسير المنار ص 150

وهذه الآية هي التي يسمونها آية السيف ، واعتمد بعضهم أن آية السيف هي قوله الآتي : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ( 36 ) وقال بعضهم : إنها تطلق على كل منهما أو على كلتيهما . ويكثر في كلام الذين كثروا الآيات المنسوخة أن آية كذا وآية كذا من آيات العفو والصفح والإعراض عن المشركين والجاهلين والمسالمة وحسن المعاملة منسوخة بآية السيف . والصواب أن ما ذكروه من هذا القبيل ليس من النسخ الأصولي في شيء . قال السيوطي في أقسام النسخ من الإتقان ما نصه : ( الثالث ) ما أمر به لسبب ثم يزول السبب ، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح . ثم نسخ بإيجاب القتال ، وهذا في الحقيقة ليس نسخا ، بل هو من قسم المنسأ كما قال تعالى ( أو ننسها ) فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون ، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى ، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف ، وليس كذلك ، بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة تقتضي ذلك الحكم ، بل ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر ، وليس بنسخ ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله . وقال مكي : ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب مشعرا بالتوقيت والغاية مثل قوله في البقرة : فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ( 2 : 109 ) محكم غير منسوخ ؛ لأنه مؤجل بأجل ، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه اهـ .

حيث من الواضح ان المؤلف و السيوطي لا يتفقان مع نسخ آيات التعايش و التعامل الطيب و عدم الاعتداء على الآخرين. طبعا هناك كثر يرون غير ذلك كما بينت انت في مقالتك و هي مشكلة تحتاج للعلاج بدون شك و لكن الاقتصار على ذكر وجهة نظر واحدة يؤذي المصداقية بشكل كبير حتى و ان كانت بسبب خطأ غير مقصود فالفقه و سائر العلوم الاسلامية فيها من الاجتهادات ما يعطي استنتاجات كثيرة و متباينة لأبعد الحدود و طبعا لا ننسى الاجتهادات المعاصرة مثل د. شحرور و غيره

 

- أما فيما يخص الردود على مقالتك فأقول بانني كنت قد أثرت في ردي على مقالتك الاولى نقطة الانتقائية التي تم اللجوء لها عند عرضك النصوص و قد اوردت آيات تفيد عكس معنى الآيات التي اتيت بها في عرضك.  اما ردك الآن على انني احتاج ان اقرأ التفاسير بخصوص تلك الآيات و الناسخ و المنسوخ فهذا غريب من طرفك ! - كونك تقدر الدكتور الشحرور كثيرا و هو لا يقر بوجود الناسخ و المنسوخ  ... و ما يدريك لعلي اتفق معه في ذلك  ؟ - و على كل فان ردك ليس ردا منطقيا لانك في بداية مقالتك الاولى اعلنت بأنك ستكتفي باستعمال القرآن و لن تستعمل غيره - حتى الاحاديث -  في موضوعك و عليه و حرصا مني على السير مع منطقك اتيتك بآيات من القرآن نفسه تعارض الآيات المنتقاه اذ كيف استشهد بأي تفسير ان كنت لا تريد شيئا من خارج القرآن ؟ - رغم تحفظي على ذلك - اما اذا قررت التخلي عن القاعدة التي اعلنتها في بداية المقال فجأة فعندها لم يعد للنقاش معنى و ندخل في عبث التناقض المنطقي.  و قد حاولت عند كتابتي ان اقول ان الرد على استخدام الانتقائية من قبل المتطرفين لا يكون باستخدامها.  و هناك شئ آخر ادهشني و هو قولك بأن من رد عليك لم يستطع انكار "تلك الآيات" و اؤكد لك بأن تلك الفكرة لم تساورني قط اذ انني لا اشعر ان هناك حاجة مني او من غيري لذلك فنفس النص الذي يتهم انه انتج متطرفين قد انتج اناس صوفيين زهاد لذلك اظن ان اتهام النص ليس فقط غير علمي و لكنه متناقض و يصرف عن السبب الحقيقي للتطرف و الكامن في الثقافة السائدة و الظروف التي تحيط بالانسان و نحن نعلم - و قد اشرت انت لبعضهم في مقالك - بأن هناك اناس عملوا على النظر لهذه الآيات بعين باحثة خبيرة و خرجوا بتفسير اقرب للصواب و هو يتفق مع اجتهاد سابق و لكنه استخرج بطريقة جديدة و ان كان مخالفا لرأي "مشهور" .  بطبيعة الحال فان اي فرد يريد الاصلاح و تصحيح المسار سيواجه صعوبة بالغة نتيجة الكتلة العطالية التاريخية و الاجتماعية الكبيرة و لكن ذلك لا يعني ان الاصلاح سيتوقف و شيئا فشيئا سيتم التغيير للأفضل.

 

بالنتيجة فان الهدف من هذه المشاركة ليس نقض بل اكمال كثير من النقاط الجيدة في مقالتك و محاولة تشجيع عرض متوازن منطقي ذو مصداقية عالية بعيدا عن العاطفية و الانتقائية لبناء تصور صادق موضوعي عن وضع الحضارة الاسلامية بارتفاعها و انخفاضها كظاهرة بشرية و تجربة انسانية فريدة لتحديد عوامل القوة و عوامل الضعف و لرسم طريق للإصلاح  و الذي اظن انه في اعادة تشكيل التعليم سواء الديني او غير الديني و قد كتبت عن ذلك في مقالات اخرى و الله هو الموفق.

----------------------------

رابط المقال الأصلي موضوع الرد (المسلم التقليدي... المتهم الضحية)

علِّق

مقالات الكاتب