عدد القراءات: 6712

نعم هؤلاء أيضاً سوريون...لكنهم لا يشعرون بك..!!

 

خاص السوري الجديد

دمشق -ناصر علي

تنتظر موعدها كما لو هذه الأصوات التي تهز الشوارع والأبنية لا تعنيها، بنطلون الجينز في آخر صرعاته ممزق ويكشف عن جسد سمّرته شمس البحر...البحر ذاته الذي أغرق آلافاً من بني جلدتها.
هي ليست وحدها في هذا الغياب عن واقع البلد وما آلت إليه من خراب ودمار، فهنا وأمام هذه الفنادق والكافتيريات والبيوت القديمة التي تحولت إلى مطاعم، يولد جيل من رحم الطبقة الناعمة لا يشعر بمن حوله من أبناء جلدته، بل الأفظع أنه ينظر إلى الذي يحاربون على بعد كيلومترات قليلة على أنهم ارهابيون متخلفون قادمون لانتزاع حريتهم في الفرح واللهو، ويريدون تحويل البلد إلى إمارة اسلامية مارقة، وأنهم محميون بقوة العلمانية التي يمثلها النظام الذي يطبق على عدة أحياء في دمشق هي أحياءهم الهادئة.
في الربوة ثمة صنف آخر من السهارى الباحثين عن مطرب في الجزيرة الخضراء، أو زبونة متوحدة تدخل (الأركيلة) و تنتظر من يخترق وحدتها ويدعوها للعشاء، وبعض الشباب الذين يلعبون (الشدة) ويضحكون بشكل هستيري على أي شيء يقال أو أي عابر سبيل.
في باب توما والمدينة القديمة ستجد أجواء أخرى لم يمسها أي ضرر نفسي من اشتباكات النظام مع جيرانهم في الغوطة، ولا من صوت صواريخ أرض- أرض وهي تحلق في السماء وتهبط في عين ترما أو كفر بطنا، وبعد سور باب شرقي ستجد عالماً آخر يحتفل ويغني.
في جرمانا الحياة تختلف قليلاً فهنا ما تبقى من الطبقة الوسطى المنوعة التي تعيش بعيداً عن الصراع المذهبي المستفحل في باقي الريف، رغم حالة العسكرة البادية على سطح المدينة، وقربُها من الغوطة الشرقية جعلها مركز النظام وخطه الأول من بوابتها المفتوحة على المليحة، ولكنها تعيش ليلها الملون دون ذعر القصف الذي يجاورها، والمشاوير المسائية سمة من سما جرمانا المغلقة.
صحنايا تشبه جرمانا بالضبط لكنها تعج بالمهجرين الذين يصنعون توازناً يخفف من حالة الفرح والغياب عن المشهد الدموي، ارتفع فيها سقف البيوت المؤجرة لصالح الدعارة، وأهاليها يتهمون المهجرين بإدخال الفساد والأخلاق الجديدة إليها وهم بالرغم من انفتاحها إلا أنها محافظة ومتوازنة.
ثمة مدن كثيرة مغلقة إما لوضعها المذهبي أو لوضعها الحساس مع جيرانها أو لسيطرة النظام الخانقة لها تعيش في عالم آخر وسط جزر الموت الكبيرة التي تتسع يوماً بعد يوم لتشكل سورية دامية كبيرة.

علِّق

المنشورات: 18
القراءات: 102615

مقالات الكاتب