No votes yet
عدد القراءات: 5465

نظرة داخل حملة بوتين الهادفة لتدمير الديموقراطية الأمريكية

الكاتب الأصلي: 
Bill Powell
تاريخ النشر: 
23 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

الصورة: طفل يتفقد صورة تُظهر الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" وهو يغمز بعينه إلى جانب دب في حديقة فيكتوري قبل الاحتفالات بالذكرى السبعين للانتصار على ألمانيا النازية ونهاية الحرب العالمية الثانية يوم 8 مايو 2015 في موسكو، روسيا.

 

بعد أيام قليلة من بداية الألفية الجديدة، أقامت السفارة الأمريكية في موسكو حفل استقبال في "سباسو هاوس"، الذي كان مقر الإقامة الأنيق للسفير الأمريكي لعقود عدة. وكان عهد "بوريس يلستين" المضطرب قد وصل إلى نهاية مرّوعة وصادمة يوم رأس السنة الميلادية، وذلك عندما استقال الرئيس الروسي الذي أسقط الاتحاد السوفييتي وحوّل بلاده إلى حالة فوضى من الديمقراطية الحديثة. وقد خَلَفَه الرجل الذي عيّنه رئيساً للوزراء قبل 4 أشهر فقط، رجل بالكاد يعرفه معظم الروسيين ناهيك عن العالم الخارجي: هو "فلاديمير بوتين"، موظف KGB سابق.

 

وبينما قام "جيم كولينز"، وهو دبلوماسي يتحدث الفرنسية بلباقة والذي كان السفير الأمريكي لدى روسيا آنذاك، بينما قام بجولات في حفل الاستقبال مستفسراً من الضيوف عن رأيهم بالتحوّل الكبير في الكرملين، وجد أن الشعور الغامر كان شعوراً بالراحة. فقد تحوّل عصر يلستين الذي بدأ بكثير من الوعود إلى حالة شذوذ وفساد عميق؛ إذ أصبح يلستين، الذي كان مفعماً بالطاقة، والذي كان تسلقه لظهر دبابة وسط موسكو لردع الانتقاميين ممن كانوا يسعون إلى إنقاذ الاتحاد السوفييتي واحدة من اللحظات المميزة لنهاية الحرب الباردة، أصبح ذاك الشخص يعاني مرضاً مزمناً، كما أصبح مولعاً بالفودكا إلى حد كبير.

 

بالإضافة إلى ذلك، قامت مجموعة من رجال الأعمال ذوي الصلة بالسياسة باغتصاب البلاد اقتصادياً وتهريب معظم مكاسبها إلى الخارج. بالتالي تراجعت ميزانيتها ولم يكن الموظفون يستلمون أجورهم. (وكنت قد كتبت قصة عن ضابط في قوات الصواريخ السوفييتية قتل نفسه لأنه لم يتمكن من إقامة حفل ميلاد لزوجته). كما إن جهاز KGB، الذي كان قوياً ذات مرة، بل قوياً إلى حد كبير، كان يجب عليه أن يشاهد أفضل ضباطه يقدمون استقالاتهم للعمل في أعمال خاصة، تاركين أجهزة أمن الدولة في حالة فساد وانعدام أخلاق متزايدة. لقد كانت روسيا في حالة فوضى عارمة.

استمع كولين إلى الآراء المختلفة ومن ثم أدلى برأيه: "إنهم بحاجة إلى شخص يستطيع السيطرة على هذا المكان". وبعبارة أخرى، كان هو أيضاً مرتاحاً لمغادرة يلستين.

ووسط حالة الهستيريا الشديدة في العاصمة واشنطن، فإننا ننسى اليوم كل شيء عن روسيا وأن فلاديمير بوتين – الذي يصوّره السياسيون الغربيون والصحافة الغربية على أنه شرير- كان ذات مرة في شهر عسل. إذ اختار الكثير من الناس في ذلك الوقت أن يتجاهلوا عمله في KGB وركزوا بدلاً من هذا على أنه كان مساعداً تملؤه الطاقة لعمدة موطنه بطرسبرغ المصلِح في الحقبة المباشرة لما بعد السوفييت.

 

وقد وصفت "مادلين أولبرايت"، وزيرة خارجية "بيل كلنتون" آنذاك، وصفت بوتين بـ "المُصلِح"، وفي العقد الذي تلى ذلك كان كلا جانبي الممر السياسي في واشنطن مخدوعين ببوتين. وقد اشتهر قول جورج بوش الذي سعى بشدة للحصول على المساعدة الروسية في الحرب ما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، اشتهر قوله "لقد رأيت روحه من الداخل". (ليسخر من ذلك السيناتور "جون ماكين" ويرد: "وكذلك فعلت، ورأيت 3 حروف: KGB"). ومؤخراً في انتخابات 2012، سخر الرئيس باراك أوباما من "ميت رومني" عندما قال إن بوتين يشكّل تهديداً على الولايات المتحدة.

 

05_26_Putin_02

الرئيس الروسي المنتهية ولايته "بوريس يلستين" من اليمين يصافح رئيس الوزراء الروسي والرئيس القائم بالأعمال "فلاديمير بوتين" أثناء مغادرته الكرملين عام 1999.

 

وكانت تلك دورة انتخابية أمريكية واحدة. أما الآن، وحسب منتقديها، تشكّل روسيا تهديداً مميتاً لكل المقربين من الغرب، كما حاولت التدخل في انتخابات 2016، من خلال الفضاء الإلكتروني إلى حد كبير. وقد تم الاعتداء على أثمن ممتلكات أمريكا – ديمقراطيتها- فيما سماه ماكين "عمل حربي"، متحدثاً بالنيابة عن معظم مؤسسات واشنطن.

وإدارة ترامب الجديدة محاصرة بتحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي فيما إذا كان أعضاء حملة ترامب قد تواطأوا مع موسكو في محاولة لإبقاء هيلاري كلينتون خارج البيت الأبيض. وتعيّن كذلك على ترامب طرد أول مستشار للأمن القومي لديه "مايكل فلين"، وذلك لإخفائه ما قاله للسفير الروسي "سيرغي كيسلياك" خلال المرحلة الانتقالية. ومن ثم، وفي يوم 8 مايو/ أيار، قام ترامب بفصل الرجل الذي يشرف على تحقيقات FBI في علاقة روسيا بحملة ترامب، وهو المدير "جيمس كومي"، ويرجع تصرفه في جزء منه إلى أنه لم يكن ينوي أن يوضح علناً أنه لا صلة للرئيس بموسكو.

 

وفجأة، بدأت نفحة من أزمة على غرار "ووترغيت" تلوح في سماء العاصمة واشنطن، لكن كان لهذه الفضيحة سمة مميزة: كما ستكشف التحقيقات المتعددة على امتداد الأسابيع والأشهر المقبلة. وهنا يجب أن نتذكر أن هذه ليست فضيحة محلية وإنما مُعَدة في موسكو.

وسنغض الطرف في الوقت الراهن عما إذا كانت هذه أزمة، أو كما يراها ترامب قصة "ملفقة" اختلقها الديمقراطيون الغاضبون من خسارتهم للانتخابات وباعوها للصحافة عن طريق حلفائهم.

منذ أقل من عقدين، ورِث بوتين بلداً منهارة ومفلسة، وبمجرد أن أصبحت قوة عظمى، لم تمارس أي نفوذ جيوسياسي في الغالب، ولا حتى في المناطق القريبة منها. (كانت الولايات المتحدة قد أهانت موسكو، وأثارت غضب بوتين، الذي كان يرأس جهاز الأمن الاتحادي حينها، وموظف جهاز KGB الذي خَلَفَ يلستين، وذلك عندما قصفت حليفة روسيا "صربيا" في حرب كوسوفو عام 1999).

ومرة أخرى، تُعَدّ روسيا اليوم العدو رقم واحد للولايات المتحدة ، كما يُعَد بوتين مجرماً في جميع أنحاء العالم؛  فهو الداعم الأول للدكتاتور السوري بشار الأسد وذلك بفضل نشره الجريء للجيش الروسي الذي يحارب الثوار المناهضين للأسد، كما قام أيضاً بضم شبه جزيرة القرم وإرسال قوات روسية وعناصر خاصة إلى شرق أوكرانيا الذين ما يزالون هناك حتى اللحظة. وفي الشرق الأقصى تقترب روسيا من إقامة تحالف عسكري مع بكين، كما يعيث السيبرانيون (قراصنة الانترنت) فساداً في دول أوروبا والولايات المتحدة.

 

قيصر الساطع

لكن كيف تسنّى لبوتين تحقيق ذلك كله؟ نتيجة الإهانة التي حصلت في التسعينات – وهنا نتذكر أن بوتين اشتهر بقوله إن انهيار الاتحاد السوفييتي كان "أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين" – أصبح لديه نظرة سياسية واحدة. وقد علم أن أعظم أصول روسيا كانت في مواردها الطبيعية الغنية؛ من قبيل النفط والغاز والمعادن والأخشاب، تلك التي صدّرها يلستين مقابل أجور زهيدة. وأدرك بوتين أنه كان من الضروري أن تسترجع الحكومة الروسية تلك الموارد؛ ففي حال سيطرت الحكومة على موارد البلاد، لا سيما النفط، ستستعيد نفوذها الكبير مرة أخرى في أوروبا على وجه الخصوص. وقد صمم بوتين على القيام بذلك.

ولننظر في قضية "يوكوس"، شركة النفط العملاقة التي امتلكها رجل الأعمال "ميخائيل خودوركوفسكي" في التسعينات والذي دفع قرابة 150 مليون دولار لشركة قُدِّرت قيمتها بحلول العام 2004 ب 20 مليار دولار أمريكي. منذ بدء عملها عام 2003، قامت حكومة بوتين بتوجيه سلسلة من تهم التهرب الضريبي ضد يوكوس وإدارتها، لتحصل موسكو على 27 مليار دولار أمريكي من الضرائب، لكن ذلك لم يكن كل ما أرداه بوتين. وكانت يوكوس قد أنتجت 20% من النفط الروسي، وأردا بوتين استعادته، فجمّدت الحكومة أصولها ورفضت الدخول في محادثات للتوصل إلى تسوية، ومن ثم في أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2003، اعتُقِل خودوركوفسكي ليمضي أكثر من عقد في السجن. وبعدها استولت موسكو على أصول يوكوس وحوّلتها في نهاية المطاف إلى شركة تسمى "رونزفيت" التي كان يرأسها "إيغور يشين"، خريج KGB مثل بوتين.

 

وبدأت عملية استعادة الأصول، إما عن طريق الحكومة أو من خلال شركات خاصة يديرها رجال موالون لبوتين. وكان بوتين بذلك يتراجع عما فعله يلستين في التسعينات. واليوم، تسيطر الشركات المملوكة للدولة على جزء كبير من احتياط النفط الروسي.

ولم يكن التوقيت الذي اختاره بوتين ليكون أفضل من ذلك، ففي التسعينات، انخفضت أسعار جميع السلع تقريباً. لكن بعد مطلع القرن، ظهر مستهلك جديد للسلع وهو الصين، التي كان اقتصادها ينمو بحوالي 10% سنوياً لأعوام عدة على التوالي. بيد أن روسيا لم تبِع الصين مباشرة حينها، وذلك يرجع إلى الحرب الاستراتيجية بين البلدين والتي تعود إلى الحرب الباردة. لكن ذلك لم يكن مهماً، حيث أن طلب الصين على كل شيء بدءاً من النفط إلى البوكسينت مروراً بالأخشاب أدى إلى ارتفاع الأسعار العالمية، واستفاد الاقتصاد الروسي من ذلك إلى حد كبير.

 

05_26_Putin_05

" ميخائيل خودوركوفسكى"، رئيس شركة يوكوس السابق خلف القضبان في محكمة يوم 3 أغسطس 2004.

 

 

وقد كان ناشطو حقوق الإنسان غاضبين من مكوث خودوركوفسكي في السجن بتهم ملفّقة، لكن الشعب الروسي العادي لم يكن مهتماً. وإني أذكر زيارتي لموسكو عام 2007 وصدمتي بالتحوّل الموجود فيها منذ رحيل يلستين. ففي التسعينات، كان شعور بالكدر وقلة الهيبة يسود معظم المدينة، أما الآن هناك متاجر البيع بالتجزئة الجديدة في كل مكان والزبائن يمتلكون المال ليتبضعوا به.

كان بوتين محظوظاً لتزامن نهضة الصين الاقتصادية مع عقده الأول في السلطة، إلا أنه كان يعلم تماماً ما الذي كان يريد فعله بالأموال التي جلبها ارتفاع الأسعار. فقد عزّز من تمويل الدولة ليبدأ دون تصميم سابق بإعادة بناء أجهزة أمن الدولة، والوكالات التي خلَفت KGB، ووزارة الداخلية والجيش.

 

كما جنّد الشباب الروس من ذوي الخبرة في مجال التكنولوجيا للعمل لصالح وطنهم، وهو أمر كان سيدرسه بعضهم على الرغم من ذلك في النصف الثاني من التسعينيات. وهذا أثار نقطة مهمة حول ظهور بوتين وهي نقطة لم ينتبه لها معظم الغرب وسط حالة الهستيريا الراهنة فيما يخص روسيا. وقد جعلت إعادة إنعاش اقتصاد البلاد، فضلاً عن الشعور السائد بأن بوتين كان يستعيد النظام في وقت لم يكن يوجد فيه أي نوع من أنواع النظام، كل هذا جعل بوتين يحظى بشعبية واسعة النطاق في الداخل. ويمكنك القول إنه كان يعيد روسيا إلى عظمتها من جديد، وهذا أمر راق للكثير من الشعب الروسي. وقد سهّل ذلك بدوره على موسكو إقناع أولئك الشباب اللامعين ليصبحوا مهاجمين إلكترونيين يعملون لصالح وطنهم الأم روسيا؛ فأولئك الذين اخترقوا موقع اللجنة الوطنية الديمقراطية وحملة هيلاري كلينتون ليسوا من آثار الحرب الباردة، بل إنهم في الغالب جيل الألفية الذين يلقّبون أنفسهم بأسماء غريبة على شبكة الانترنت ويعيثون فساداً في كل مكان وهم مبتهجون.

 

قامت روسيا بتنفيذ أول هجوم إلكتروني ضخم ضد حكومة أجنبية عام 2007، وكانت إستونيا الهدف، وهي واحدة من بين  ثلاث دول سوفيتية سابقة في البلطيق، أعلنت استقلالها عند انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. وقد تسبب ذلك الهجوم بتعطيل عشرات المواقع الإلكترونية التابعة للحكومة الإستونية والأعمال التجارية لأيام عدة عن طريق هجمات إلكترونية لتعطيل الخدمة من موسكو والتي جاءت نتيجة الغضب من التمييز العنصري ضد الروس الأصليين الذين يعيشون في البلاد.

وكما نشرت نيوزويك حصرياً يوم 12 مايو/ أيار، من العام نفسه، قامت روسيا باختراق الحملة الرئاسية للمرشح الأمريكي آنذاك "باراك أوباما"، وقد كان الاختراق عبارة عن هجمات متعددة لم يكن المسؤولون عن الحملة على دراية بها في ذلك الوقت. وحالما تم انتخاب أوباما، استهدف القراصنة الروس كثيراً من كبار المسؤولين في وزارات الخارجية والطاقة والدفاع.

وكانت تلك مجرد بداية بالنسبة لموسكو، إذ شنّت هجوماً إلكترونياً مكثفاً آخر عام 2008، عندما غزت القوات الروسية جورجيا كجزء من محاولات بوتين لضمان ما يسميه الروسيون "الخارج القريب". وكما يقول "ديفيد باتاشفيلي"، وهو موظف في مجلس الأمن الحكومي للحكومة الجورجية في العاصمة تبيليسي: "لقد توقفت جميع مواقعنا الإلكترونية الحكومية والمواقع الإعلامية في الوقت الذي كانت تعبر فيه القوات الروسية الحدود. لقد كان هجوماً إلكترونياً هائلاً ومؤثراً للغاية".

ومنذ ذلك الحين، جعل بوتين من القوة الإلكترونية جزءاً أساسياً من نفوذ روسيا على الصعيد العالمي. وفي أواخر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، قال رئيس جورجيا "بيترو بوريشينكو" إنه في الشهرين الماضيين وحدهما، تعرّضت مؤسسات الحكومة المركزية: بما في ذلك وزارتا الدفاع والمالية وشبكة الكهرباء التابعة للعاصمة، تعرّضت تلك المؤسسات للاختراق 6.500 مرة، وهي أمور يخشى قادة حلف الناتو أنها تبشر بالمزيد من التدخل الروسي العسكري في البلاد قريباً.

 

وروسيا، كما رأينا، تستخدم المهاجمين الإلكترونيين لتعطيل الحملات الانتخابية في الخارج، سواءً عن طريق اختراق رسائل البريد الإلكتروني الخاصة برئيس حملة هيلاري كلينتون أو تفتيش ملفات الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، الذي عارضته موسكو. أما مرشحة اليمين المتطرف التي تغلّب عليها ماكرون "ماري لو بان" فقد كانت مؤيدة لبوتين علناً. كما لفتت المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" مسبقاً إلى أن موسكو ستحاول على الأرجح تعطيل الانتخابات الألمانية في الخريف.

 

من الواضح أن روسيا تتدخل في الدول الخارجية، إلا أنه ليس من الواضح ما إذا كانت هذه التدخلات ذكية من الناحية الاستراتيجية. ويخفي المحللون السياسيون في موسكو فكرة أن بوتين كان "مهووساً" بهزيمة كلينتون، كما وضّحت الأخيرة، إلا أنه لم يكن يحمل عدائية تجاه إدارة أوباما. كما أعرب بوتين عن اعتقاده أن ذلك ساعد على إثارة تظاهرات ضده في جميع أنحاء روسيا عام 2011. فقد انتقدت كلينتون، عندما كانت وزيرة للخارجية، شرعية الانتخابات البرلمانية الروسية، ليقول بوتين في العلن إن هذا "التدخل في العملية السياسية الروسية لا يطاق". ليأتي بعد 4 أعوام، ويطلق العنان للمحاربين الإلكترونيين للعمل ضد حملتها في البيت الأبيض.

والسؤال حالياً بالنسبة لبوتين هو ما إذا كانت الجهود الروسية للمساعدة في هزيمة كلينتون وانتخاب ترامب تستحق ذلك. ومن الواضح في الأصل، كما سيصبح أكثر وضوحاً مع تكشّف التحقيقات المتعددة في هذه العلاقة في واشنطن، من الواضح أن المهاجمين الإلكترونيين الروس قد تدّخلوا في الانتخابات. ولنفترض جدلاً أن بوتين قد أمر أجهزة مخابراته بالتواطؤ مع حملة ترامب، إن لم يكن مع المرشح ذاته، على الرغم من أنه ما من دليل على ذلك، قد يتم جزء صغير من العملية سراً، لكن من المحتمل أيضاً أن ينكشف. وهذا هو السبب في أن العلاقات بين موسكو وواشنطن، التي يعترف بها الجانبان، أصبحت اليوم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وقد كان اجتماع ترامب يوم 11 مايو/ أيار بوزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف"، والذي جاء في خضم تصاعد حالة الجنون ضد روسيا في واشنطن، كان أمراً محرجاً للرئيس. ولربما كان قد جاء إلى المكتب البيضاوي سعياً لإقامة علاقات أفضل مع موسكو، إلا أنه من الناحية السياسية كان متذبذباً للقيام بذلك.

 

05_26_Putin_04

الرئيس ترامب أثناء لقائه بوزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف" يوم 10 مايو 2017.

 

ويقول الدبلوماسيون إن أهداف بوتين الجيوسياسية على المدى القريب أهداف واضحة وهي؛ أنه لن يتراجع في سوريا، إذ أن الوجود العسكري الروسي هناك يمنع الولايات المتحدة بفعالية من القيام بأي شيء عدا بعض الضربات الجوية لمرة واحدة ضد قواعد الأسد العسكرية – مع تنبيه موسكو بالضربات مسبقاً. ويريد كذلك أن يرى ما إذا كان بإمكانه استغلال نفوذه في سوريا للحصول على تنازلات من الغرب فيما يخص أوكرانيا. وبذلك، قد يستطيع أن يعرض التعاون لإقامة "مناطق آمنة" في سوريا مقابل التخلّص من العقوبات الأمريكية والغربية ضد روسيا التي أثارها ضمه لشبه جزيرة القرم.

كما أنه بالإضافة إلى ذلك في وضع يسمح له بتحقيق الكثير، نظراً للوضع الذي كانت عليه روسيا في 1 يناير/ كانون الثاني عام 2000؛ إذ كانت في حالة فوضى داخلية وهزيمة خارجية. لكن في الوضع الحالي، هل بإمكان إدارة ترامب وحلفائها في أوروبا الغربية، تقديم تنازلات لبوتين على أي شيء؟ في واشنطن، تمكّن بوتين من تحويل الحزب الديمقراطي، الذي سعى باستمرار منذ أوائل السبعينات نحو علاقات أفضل مع موسكو، إلى محاربين جنونيين يرجعون إلى فترة الحرب الباردة. ويتطلع الكثير من الجمهوريين، الذين لا يثقون بروسيا غريزياً، للتعمق أكثر في العلاقة مع موسكو آملين أن تنتهي عاصفة بوتين هذه دون عواقب وخيمة. كما أنهم لن يمنحوا ترامب أية حماية إذا حاول إعادة توجيه السياسة الخارجية الأمريكية بطريقة ترضي بوتين. علاوةً على ذلك، فإن الرئيس، الذي تتزايد عزلته بعد 4 أشهر فقط من بداية عهده، يطلق الكثير من  التهديدات والاتهامات الغريبة في تغريدات عبر موقع تويتر.

 

ربما يكون بوتين قد استعاد الكبرياء الروسي، وشيئاً من هيبة روسيا كقوة عظمى، إلا أن الجاسوس السابق ربما قد جنى على نفسه عندما حاول إمالة كفة الانتخابات الأمريكية عام 2016 لصالح مرشحه المفضل. لعله قد حصل على النتيجة التي أرادها، لكن سيأتي يوم يتمنى فيه لو أنه لم يفعل.

 

 

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2566076

مقالات المترجم