عدد القراءات: 38614

نديم بالوش، وشباب إعلان دمشق...!!!

 

الاعلان عن موت نديم بالوش منتحراً في أحد السجون التركية في نيسان 2016 سيتطلب مني الكتابة عنه وهو الذي كان جاري في سجن عدرا، والذي سبق وأن حاول حينها الانتحار بقطع شريان يده.

سأنقل على أجزاء  مشاهداتي وذكرياتي مع هذا الرجل الذي ورغم حداثة سنّه إلى أنه كان شخصية معقدة وغريبة تتسم بالغموض والوحشية، وهو ما قد يشرح الشكوك حول ارتباطاته بالنظام السوري خلال أحداث الثورة السورية، وتنقله بين التنظيمات الارهابية، وما تخلله ذلك من ارتكاب جرائم بشعة بحق الثورة والثوار، قبل أن ينهي حياته بطريقة غريبة لا تتّسق مع ادعاءاته الإيمانية والعقيدية، مقفلاً بذلك على سجن من الأسرار أخذها معه.


حين رأيت اقتلاع عيون النقيب رياض الأحمد بآلة حادة والفاعل يتلذذ بتعذيب،  تصورت نديم بالوش في المنفردة - وهو جاري-  كيف يعذب زملاءه في الغرفة حين كنا في سجن عدرا قبل أن ينقلونا إلى سجن صيدنايا نهاية 2007 بسبب ادخال نديم موبايل تم اكتشافه.
كانوا أربعة من اللاذقية نديم ووسيم ووحسام ورابع نسيت اسمه بدعوة سلفية، وكان نديم قد عزل لنفسه مكانًا جعل له ستارً  يختلي فيه ويمنعهم من رفع الصوت أو التحرك حتى لايقلقوا ابن لادن الذي كان يتمثل به، وطبعا هذا جزء من الانضباط وطاعة ولي الأمر ومن يخطيء يعاقب، والعقوبة تدريب على تحمل الأذى والتعذيب عند الأسر
مرة سمعت في منتصف الليل أنيناً  وبعض الشتائم صادرة من نديم بصوت منخفض، وطبعًا بيني وبينهم الجدار فقط. هم في الغرفة الأولى يسار الداخل إلى جناح المنتديات، وأنا بعدهم في الغرفة المتوسطة، وفي الثالثة المحامي حبيب عيسى أبو عصمت.

الغرفة الأولى إلى يمين الداخل كان فيها صديقنا العزيز الكاتب علي العبد الله ومقابلي في المتوسطة الدكتور وليد البني يليه المناضل فواز تللو.


الأنين المستمر جعلني أضرب بيدي على جدار الغرفة لأسأل ما الذي يجري دون أن يأتيني جواب ..واضح أن هناك معاناة، ذهب دماغي كلّ مذهب في تفسيرها، حتى أنني ظننت أن يكون هناك عملية اغتصاب،  ورحت أضرب الجدار وأصرخ"عمر شو عم يصير".... كان عمر هو اسم نديم الذي أخبرنا بضرورة تبديل الأسماء حين ننادي على بعضنا للتمويه، وكان يناديني باسم أحمد .
تحدثت في الصباح مع وليد البني، هل سمع الصوت ليلاً، فأجاب بأن الأخوة في البيت الواحد يتقاتلون، ولم يتحدث في الموضوع، كان أعضاء ربيع دمشق قبلي في الجناح ويعرفون كل شيء،  ولذلك لم نتحدث عن الموضوع، وطبعاً سألت نديم عن هذا الصوت، فضحك، ولضحكته رنة خاصة وقال وهو يضحك : "مافي شي مافي شي" .
كان وسيم هو الذي يتعرض للضرب بكبل السخانة، والجريمة أنه علّق طرف البطانية الممدودة على أرض الغرفة بقدمه، فانطوت ولم يعدها إلى هيئتها الأولى، ولما حقق نديم في الموضوع اشتبه أن وسيم هو الفاعل، فاستحق هذه العقوبة، عرفت ذلك حين انتقلت إلى الجماعية في الغرفة 10 ، وكان وسيم فيها بعد أن جرى تفريقهم إثر تمرد قاموا به، وقد أمر نديم أحد أعضاء الغرفة ليلقي بنفسه من أعلى درج باحة التنفس، قال : "ليزداد اهتمام المفرزة بنا ويلبوا مطالبنا"، والحقيقة ولا أعرف كيف فقد حصلوا على راديو، ولكن نديم وبعد أن أسمعني الأخبار ليومين، طلب مني ألا أكلم جيراني من الكفرة (يقصد جماعة ربيع دمشق حبيب وفواز ووليد)  لم يكن ينفع معه النقاش، فكفرت بمذياعه ومايملك، وبقيت مع أصحابي الكفرة، وكان وليد البني يرفع صوت المذياع من غرفته فيسمع الجناح كله من أجلي، حتى يأتي عنصر من المفرزة ويطلب منه خفض الصوت، ولكنني رغم ذلك أبقى أسمع.

 

طبعا كنا نتحدث ليلاً أنا وفواز ووليد ونتداول في سهرة لساعة من الزمن آخر الأخبار، و خلال الأكثر من أربع سنوات كان ممنوعاً على جماعة إعلان دمشق الاختلاط بأحد، فهم في منفردات وليس لهم إلا 45 دقيقة يخرجون للتنفس كل واحد على حدة، ولا يرون بعضهم ولكن يتحدثون من وراء الأبواب .
ذات يوم عاد فواز تلو وهو حزين، أخبرنا في حديث المساء عن سبب حزنه، يبدو أن أحد السجناء الجنائيين قد أحضر عندليباً و وضعه في قفص، وكان صوت العندليب يصل إلى باحة التنفس، الأمر الذي جعل فواز يتذمر على حبس العندليب ويتحدث بانفعال جعلني أضحك وأنا أقول له : "تفكر بالعندليب ونسيان نفسك يازلمة "
بدأنا بحادث اختطاف النقيب رياض الأحمد واقتلاع عينيه وتعذيبه ثم قتله من قبل نديم بالوش،  وهذه قصة اعترف بها هو في كتاباته في صفحته (العبد الغريب)

 

.... وللحديث بقية

علِّق