عدد القراءات: 1516

نحو تأسيس جديد للفكر الإسلامي

 

كنت في زيارة لمدينة جيسن في ألمانيا فطلبوا مني خطبة الجمعة، ولأن موسم خطبة الجمعة هو للشاخرين والشاردين والنعاس الغافلين، فقد بدأت الخطبة كما كانت من أيام كافور الإخشيدي! بنفس عبارات العصر العباسي.

ثم وقفت قليلا وتابعت فقلت: ما الذي أتى بكم إلى ديار الكفر أيها المسلمون؟ أليست ألمانيا تعلم جاهلكم، وتطعم جائعكم، وتأوي هاربكم؟

هنا دب فيهم الصحو، وتفتحت العيون على شكل دائرة، مثل عيون السمك فهي لا ترف!!

تابعت؛ فأين الإسلام أهو هنا في هذه البلاد ؟أم في بلادكم التي فررتم منها، فلا يشتهي أحد منكم العودة إليها، بعد أن من الله عليه بالخروج منها إلى بلاد تفض لبنا وعسلا وعدلا وأمناً!!

احمرت الأحداق، واشتد النقاش وبحت الأصوات بعد الصلاة لمدة ثلاث ساعات، وكنت أقول لهم أخرجوا ما في بطونكم؛ فليس من مخابرات عربية هنا تلقي القبض عليكم وترفعكم على الفلق، أو مخبرين سريين يوشون بكم إلى الزبانية والجلاد!

إن مفاهيم من هذا النوع انقلابية وثورية، وهي تدخلني إلى تغيير مفاهيم كثيرة من هذا النوع، سوف نتناولها مرة بعد الأخرى، في محاولة تأسيس فكر إسلامي عقلاني تنويري.

مثل مفهوم الردة الأموي، والعلم الشرعي، والتوحيد السياسي، وحرمة الفن، وإشكالات الحديث، ودونية المرأة، وكفر الفلسفة الغربية، وانقطاعنا عن التاريخ والعصر.

 

ومن هذه المفاهيم التأسيسية مفهوم العلم فما هو العلم؟

يظن البعض أن (العلم) هو العلم (الشرعي) ولا علاقة له بعلوم الفضاء والفيزياء الذرية والأنثروبولوجيا.

ولمواجهة العصر فإن كتباً مثل (عارضة الأحوذي في شرح الترمذي) وفقه الحصفكي والاسفراييني والأم للشافعي وفتاوى ابن تيمية، كافية لاستيعاب صدمة المعاصرة.

وهذا جهل بالعلم والعلم الشرعي والتاريخ معاً.

ومضى (سيد قطب) في كتابه (معالم في الطريق) إلى رفض كل الحضارة الغربية، واعتبارها ليست حضارة، وأنه لا يوجد حضارة خارج الإسلام، وحين نقول مجتمع إسلامي فهو متحضر آليا، مما جعل مالك بن نبي يعلق على حركة تغيير عنوان كتابه  من (نحو مجتمع إسلامي متحضر) إلى (مجتمع إسلامي) بأنها حركة دفاع غير ذكية وغير واعية عن الإسلام.

وأنه يجب التفريق بين المبدأ والبشر، وأنه يمكن أن يوجد مجتمع إسلامي ومتخلف، كما يمكن وجود حضارة وغير مسلمة، فالحضارات والإسلام قد تلتقي وقد تختلف، والحضارة اليونانية أو الغربية الحالية ليست مسلمة، إذا أردنا تطبيق معايير سيد قطب، هذا مالم نقلب النسب؛ فنقول أن اقتراب المجتمع من العدل هو الإسلام، سواء صلى خمسا، أو كفر خمسا بالرحمن الرحيم!

وهي إشكالية يمكن مناقشتها على نحو مستقل، ولكنها نقطة حساسة تدخلنا في حرج كبير، وقد لا ترى النور، وقد نحاسب عليها، طالما منع التعبير وحاسب الرقيب! وهو ما حصل معي في مدينة جيسن في ألمانيا حين خطبت الجمعة. فخرجت ناجيا بدون علقة وفلقة.

ليس هذا فقط، بل لابد من إلقاء الضوء على الكثير من سموم الأفكار عندنا، ومن مستويات القمة، فسيد قطب يذهب في كتابه المعالم، أنه لا حرج من الانفتاح على العلوم التطبيقية مثل الفيزياء، ولكن بدون تفسيراتها الفلسفية، فنطلع على ميكانيكا الكم (Quantum Physic) بدون الاعتراف أنها من قادت إلى تكسير الحتميات في العلم الحديث، تحت مبدأ (اللايقين أو الارتياب Uncertainty Principle).

 

والفهم السابق أي تحطيم الارتباط بين العلم وفلسفته، يقودنا إلى ثلاثة أخطاء:

ـ فلا يوجد شيء مجرد اسمه الإسلام في التاريخ.

ـ كما أنه خطأ في فهم الحضارة.

ـ والخطأ الثالث أنه يريد منا أن لا نطلع على العلوم الإنسانية من تاريخ وفلسفة وعلم نفس واجتماع لأنها تخضع في مجموعها إلى روح (جاهلية)؟

 

أية دراسة العلوم التطبيقية بدون الالتفات إلى تفسيراتها الفلسفية،  فهو يطالبنا أن ندرس الفيزياء الذرية مثلا، بدون التأثر بالذيول الفلسفية لمبدأ اللايقين الذي وضعه (فيرنر هايزنبرغ) كما أشرنا  إلى ميكانيكا الكم، التي أعلنت نهاية الحتمية والموضوعية في العلوم، وأن علم الإحصاء يجب أن يفهم على نحو احتمالي. كما وضع (جاوس) مخططه الاحتمالي في أي دراسة، وتعتمده العلوم الإحصائية حاليا.

وهي كما نرى أفكار تشكل جذور الانحطاط في العالم الإسلامي.

وذهب (عبد الرحمن البدوي) الفيلسوف المصري في آخر كتاب صدر له قبل وفاته، وهو يضع خلاصة أفكاره أن العالم العربي نهض من خلال اتصاله بالفكر اليوناني، مع حركة الترجمة في العصر العباسي فانطلق العقل، وهو حاليا لم يعترف بابن رشد ولا يرى ابن سينا والكندي والفارابي سوى خارج نسق التفكير السلفي المؤمن.

قد يتظاهر بالتزين بأسماء هؤلاء، أما تأسيس الفكر الحديث على قاعدتين من التراث والمعاصرة والعلم والإيمان فما زال الطريق أمامه طويلا.

وحسب المفكر (أحمد أمين) في كتابه (ضحى الإسلام)؛ فإن أحد الكوارث العارمة في التاريخ الإسلامي، كانت في تسلط تيار (أهل السنة والجماعة) وقتل حركة (المعتزلة) والتيار العقلي.

وهو يقول أن التياران يشبهان من وجه حزبا (الأحرار والمحافظين)، وأنه كان بالإمكان أن يتعايشا ويعدل أحدهما الآخر. ولو حصل هذا لتدفق التاريخ الإسلامي في مجرى مختلف، ولربما ولدت الثورة الصناعية عندنا قبل بألف سنة.

وهذا يعني أننا مازلنا في قفص التقليد، ومحبس الفكر النقلي، وامتداده من استبداد الفكر وأحاديته، بقتل المرتد، وسجن المخالف، وجلد المعترض، ونفي الناقد، أو أن ينفي نفسه بالهجرة فهو أريح للطرفين!

كما حصل معي فهربت من أرض البعث إل يوم البعث، كما فعل إبراهيم مع النمرود قديما، فقال إني مهاجر إلى ربي.

إن إبراهيم لحليم أواه منيب.

 

بكلمة أدق ترسيخ بذور الاستبداد السياسي من جيب الفقيه ، لتطلع أشجارا باسقة من  أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين.

أما (أبو حامد الغزالي) فقد ذهب في كتابه (المستصفى في أصول الفقه) فاعتبر أن انتقال الحقيقة الموضوعية الخارجية إلى تصور ذهني هو العلم. ولكنه إدعاءه يحتاج إلى دليل، ولم يختلف الناس ويتقاتلوا، مثل اختلافهم حول تمثيل الحقيقة؟ بيد من هي؟ ومن يملكها؟

ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد.

واليوم يقول الشيوعيون أن الماركسية حقيقة كونية مثل الشمس والقمر ولكن التطبيق الستاليني كان خلف كسوف شمس الشيوعية.

والسؤال من أين خرج ستالين أليس من المفرخة الشيوعية؟

والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون.

وذهب (التكريتي) في كتابه (الهندسة النفسية) وهو يشرح النظرية الجديدة حول البرمجة اللغوية العصبية (NLP) أن الحقيقة مشوهة ومشوشة للغاية. بدءً من التقاطها بالحواس، مرورا باستيعابها في الدماغ، وانتهاء بإفرازها نطقاً باللغة.

واللغة فيها ثغرات مخيفة ومحشوة بالمبالغة والتشويه وعدم الدقة.

ولكن لا مفر من اعتمادها للتواصل الإنساني.

وذهب (محمد عنبر) في كتابه (جدلية الحرف) أن كل الحقيقة مختبئة في تضاعيف الحرف.

والكلمة بذاتها تعطيك الحقيقة بمجرد نطقها. مثل قر‍ّ ورقّ؛ فالأول عكس الثاني. ولو اكتشفنا اللغة الأساسية التي نطق بها البشر لوضعنا أيدينا على الحقيقة النهائية.

ولو كان الأمر كما قال، لكان الوصول إلى الحقيقة أسهل من شربة ماء، ولكنه جهل بالتاريخ والأنثروبولوجيا واللغة معا؛ فلا الكلمة تحمل الحقيقة، ولا يوجد لغة أصلية موحدة نطق بها البشر.

 

ويعرف علماء الألسنيات اليوم أن الكلمات لا تحمل المعنى، بل نحن الذين نشحنها بالمعنى. والمجتمع هو الذي يمنحنا اللغة كما يمنحنا الجينات.

وانتبه (ابن خلدون) إلى خديعة الألفاظ فأوصانا بأن ننطلق بالفكر إلى سماء المعاني لنقنص الحقيقة، ثم نغلفها بالثوب المناسب من الألفاظ.

وعلى هذا النحو مشى شحرور الشامي، في كتابه القرآن والكتاب؛ فيمكن أن يخرج أي معنى من أي كلمة، مثل إخراج الأرانب من قبعات حاوي السيرك. فأصبحت كلمة يضربن بأرجلهن تعني الستربتيز، وان ابن نوح كان ابن زنا!

وأفادنا الفيلسوف النمساوي صاحب الوضعية المنطقية من فيينا فقال: إن اللعب لاتزيد عن أي لعبة، وكل الكلمات هي صناعة، ونحن من يلبسها من المعاني ما نشاء، بعد أن كانت أكفانا لأجساد في توابيت الألفاظ.

وذهب العالم (سومرست موم) إلى أن العلم كائن متقلب، فهو ينفي اليوم ما أثبته البارحة، كما أنه يثبت اليوم ما نفاه أمس، وسيفعل نفس الشيء في المستقبل. ولذا فعباده في حالة ترقب وحذر.

وهو كلام يمثل نصف الحقيقة. فهو ليس كذلك بل  ينمو بآلية خاصة به من التراكم والحذف. والقوانين غير متقلبة، بل تصورنا حولها يزداد حدةً ويقودنا إلى صياغة قوانين أكثر دقة وتطبيقا.

 

أين الحقيقة إذا وأين العلم؟..

يمكن بلّورة الموضوع على الشكل التالي:

(1) أولاُ أن (العلم) ليس العلم (الشرعي) وإن كان الآخر يدخل تحت مظلته. وأن الكون له قوانينه، وأن العقل له قوانينه، وأن العلم هو تطابق العلمين. وأن هذا ممكن، ولولاه لكان العلم مستحيلا، ولا أمكن تسخير الكون، لأن الكون مبني على قوانين قابلة للتخسير, والتسخير هي الخدمة المجانية.

(2) وثانياً العلم حيادي وعلينا أن ننسى أسطورة (أسلمة المعرفة) فليس هناك علم بوذي وآخر بروتستانتي ورابع ملحد.

(3) والثالث أن العلم ينمو في حركة دينامية، ويكبر بالحذف والإضافة، ولا يعرف التوقف والخوف أو التعب والاستقالة.

(4) والأمر الرابع أن الوجود مكون من خمس حقائق هي (المادة) و(الطاقة) و(الزمان) و(المكان) و(القوانين).

وأن قوى الكون خمسة؛ الكهرباء والمغناطيس والجاذبية وقوى النواة القوية والضعيفة.

 

وأن سنن الكون لها ستة صفات فتمتاز:

(بالنوعية) و(الشمولية) و(الثبات) و(التراكب) و(التسخير) و(الاحتمالية). وقوانين المادة غير قوانين الحياة. وكل كلمة تحتها مقالة للشرح.

والقانون لا ينظر إلى الهوية العقائدية، وبذلك ارتفع الياباني وهبط البنغالي.

وكلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطار ربك محظورا.

والقانون له طبيعته الخاصة الاحتمالية؛ فمن يولد في ألمانيا يجب أن يكون متعلما غنيا، ومن يولد في اليمن، قد يقتل السياسي جار الله، بدعوى أنه علماني؟

ومن يولد في المغرب قد يهرب لأسبانيا طلبا للرزق، ومن يولد في سوريا يرفع على الفلق .. وقل أعوذ برب الفلق.وكما يقول (مالك بن نبي) أن حظوظ الإنسان في الدنيا مرتبطة بالمجتمع الذي يعيش فيه.  ولكن بيننا وبين هذا الفهم مسافة ثلاث سنوات ضوئية بالضبط.

علِّق

المنشورات: 1
القراءات: 1516

مقالات الكاتب