عدد القراءات: 4592

نحو إصلاح ديني حقيقي

 

* عزام القصير

 

يتجاوز النقاش التالي فرضيات مثل "داعش تمثل الإسلام"، أو أننا إذا طبقنا الإسلام الصحيح سيكون لدينا داعش.

خلف تلك الفرضيات هناك سؤال أعمق حول ما إذا كان الخلل في النص الديني ذاته، أو على الأقل طريقة عرض النص وفهمه وتفسيره، بمعزل عن داعش والقاعدة وغيرها من تنطيمات الاسلام السياسي المعاصرة.  

يرتبط الفكر والواقع بعلاقة جدلية يتأثر فيها كل منهما بالآخر ويؤثر فيه. ولكن ما يحصل في الحالة الإسلامية هو محاولة فصل هذين السياقين، بحيث يتطور الفكر الديني بمعزل عن الواقع وتأثيرات النص على الواقع.

 

إن الاستهتار بالحياة الدنيا والنظر إليها بطريقة سلبية له تداعيات خطيرة ترتبط بصورة أساسية بمسائل التقديس والإيمان، وقضايا تفسير وفهم النص الديني وغاياته. بمعنى أن النص الديني الموصوف بـ "المقدس" لا يصبح في موضع مقارنة مع تداعيات تطبيق محتواه، أو فهمنا لمحتواه. فيتم تفسيره وتطبيقه باسهتار ومن دون حساب تأثير ذلك على الحياة الدنيا. تلك القراءات المنفصلة عن الواقع والمفرطة في التجريد قد تؤدي إلى نتائج كارثية عملياً، حيث إنها قد تتصادم مع كثير من مقتضيات كل مرحلة زمنية ومستجداتها، فلابد من تلازم مساري الفقه والواقع العملي وتجنب المفاضلة بينهما، وإلا فلا مفرّ من التصادم.

 

مكمن الخلل هو في قبول قداسة نص مكتوب، فالمقدس أوسع وأشمل من أن ينحصر في سجن اللغة، فاللغة ليست جامدة؛ هي مجموعة من التعبيرات والمعاني الخاضعة لفهم وإدراك العقل البشري الغير معصوم. ولأن للبشر قدرات عقلية متباينة واستعدادات وميول متنوعة فإن ذلك قاد إلى كثرة التفسيرات وتعدد المذاهب والمدارس الفقهية والشرعية.

الأزمة المستمرة والتي يمكن تلخيصها بركود الفكر الديني والنزوع نحو العنف، ناجمة عن تقديس ما لايجب تقديسه. تقديس النص هو نتيجة لتجميد المقدس عند المرحلة التاريخية التي تأسس فيها الإسلام، فتم طبع المقدس بطبائع تلك المرحلة المتمايزة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً عن ما تلاها وما سبقها. فما نشهده اليوم هو تصادم عقليةٍ ولغةٍ ونمط حياةٍ سابقين مع حياتنا في القرن الحادي والعشرين، وليس تعارضاً بين المقدس والعصر الحالي.

 

حتى نعلم مدى اتساق أو تعارض المقدس مع يومنا هذا لابد من إعادة فهم المقدس عبر إدراك عموميته والبحث الدائم عن كلياته. المقدس هو روح القرآن وليس النص المكتوب بحرفيته وجموده. في هذا الخصوص، يجب أن يتركز الجهد الفقهي والبحث المنهجي على إعادة الاعتبار لشمولية الوحي الإلهي وفهم الرسالة التي يحاول النص إيصالها. ذلك يحتاج إلى تأهيل من هم قادرون على القيام بتلك المهام في ظل غياب الرسول الذي تولى الشرح والتفسير في الفترة التأسيسية للإسلام. فلابد من تحرير النص من السلطة الحصرية لطبقة رجال الدين بشكلها الحالي.عملياً، فهم كليات الوحي وخطوطه العامة ضروري لهدم الحواجز التي ترسخت بين الفرق والمذاهب المنضوية تحت لواء الإسلام. عند فهم روح النص ورسم الإطار العام للدين الإسلامي يصبح تعدد المدارس الفقهية وتنوع الممارسات الشعائرية أمراً طبيعياً، طالما أنه لا يتعارض مع الوحي المقدس ورسالته.

 

فما بين أيدينا هو قرآن مكتوب وهو ما نطق به الرسول ودوّنه التابعون بلغة قريش في القرن السابع الميلادي. ولكن الرسول لم يكن ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى، لكن ليس كل الوحي. الوحي بكماله وتجرده محفوظ في لوح ليس هو ذاته القرآن المجيد، بل أم الكتاب وأصل أحكامه ومنبع رسالته. ذلك المقدس المتعالي لم يضعه الله بين أيدي البشر، لكنه أوكل مهمة التعبير عن عمومياته وقوانينه للرسول الذي لعب دور الوسيط، فكان الوحيد من بين البشر الذي اصطفاه الله ليطّلع على المقدس. ذلك ما يجعل من محمد بن عبدالله نبياً، متميزاً عن من كانوا حوله. فكان أن نطق الرسول رواياتٍ وأساطيرَ وأحكاماً بلغةٍ عربيةٍ كانت سائدة في ذاك الزمان والمكان، جُمعت ورُتبت في مصحف. فكان المصحف تعبيراً بشرياً عن المقدس، لا المقدس ذاته.

 

حتى يستقيم التحليل ويصل لغاياته لابد من تعليق النظر إلى النص الديني على أنه نص نهائي كلي لاتاريخي. في ذلك ضرورة لإعادة قطار فهم النص إلى سكته حتى يستطيع متابعة سيره نحو المحطة التي لايتعارض فيها إيمان المسلم مع إرادة الحياة وإعمار الدنيا استناداً إلى قيم الخير والسلام والوحدة الإنسانية. أيضاً لأن خلاف ذلك يعني الاستمرار في تثبيت النص الديني وإغلاقه في وجه من يحاول تطبيق مناهج العلوم الاجتماعية التي وصلت إليها البشرية. ليست الغاية من هكذا محاولة بحثية تحدي أو الانتقاص من المدخل الإيماني الذي يعتمده غالبية جمهور المسلمين. انتزاع النص الديني من احتكار رجال الدين ودراسته في سياق التراث والتاريخ يستهدف إعادة انسجام التدين مع الحياة ومقتضياتها، وإزالة أي عوائق قد تقف في وجه التحديث وإعمار الأرض بما لا يتعارض  مع غايات النص وروحه. أيضاً، في ذلك ضرورة للتحقق من دقة الصور المستقاة من النص الديني والتشريعات المستوحاة منه. فتلك الصور والتشريعات هي نتاج جهد بشري بحت، ليس فقط من الممكن تمحيصه والبحث فيه، وإنما من الواجب القيام بذلك حتى نضمن انسجام فهمنا للنص مع غاياته الكلية ومع مقتضيات المرحلة التاريخية التي نعيش فيها.

 

تاريخياً، يمكننا الحديث عن فترتين متمايزتين في التاريخ الإسلامي، ماقبل محنة خلق القرآن في القرن الثالث الهجري ومابعدها. شكلت تلك المحنة نقطة تحول أساسية في مسيرة تطور الفقه الإسلامي، حيث تمخض عنها تغليب النقل على العقل. فقد استمر الجدل حول النص وقداسته وآليات التعاطي معه حتى منتصف القرن الثالث الهجري. تلى تلك الفترة القضاء على حلقات النقاش والحوار الديني والجدل الفلسفي وظهور نظام المدراس الدينية، وبروز المدرسة  النظامية على أنقاض بيت الحكمة. رسخت تلك التطورات قراءة واحدة عبر شيوع اسلوب التلقين والحفظ، من دون نقاش أو تساؤل، فقط تكرار واجترار لنفس الفكر. كنتيجة لذلك التحول، تكلست المصطلحات وتم خلق مناطق محرمة في حقل الفكر الديني، يمنع دخولها قبل التخلي عن العقل والحس النقدي. فتم توسيع دائرة المقدس حتى شملت النص بحرفيته وتطبيقاته المباشرة وشروحه اللاحقة.

 

اليوم، وحتى تتاح الفرصة لإصلاح ديني حقيقي مستقبلاً، لابد من انطلاق مشروع تحرير الدراسات الإسلامية واللاهوتية والتراثية من احتكار النقاش الشرعي الديني. فالنخب الدينية الحالية لا مصلحة لها أو قدرة على قيادة حركة إصلاح ديني. بغير ذلك، سيبقى رجال الدين هم الوحيدون المخولون تعريف المقدس والتعامل معه، دون أن تتجاوز مهامهم الحفظ والتبسيط والتلقين ومن دون إجراء أي بحث منهجي أو مراجعة نقدية. فداخل دائرة الإيمان لايسمح بطرح أسئلة.


 

* عزام القصير:

 باحث سوري مقيم في لندن، حاصل على ماجستير في سياسات الشرق الأوسط من جامعة إكستر، بريطانيا

-  مهتم بدراسة حركات الإسلام السياسي وقضايا الإصلاح الديني والتحديث السياسي.

 

علِّق

المنشورات: 2
القراءات: 7610

مقالات الكاتب