عدد القراءات: 560

نحو أنسنة الدولة في الإسلام

 

يهدف كتابي الجديد نظام الحكم في الإسلام إلى أنسنة الدولة في الإسلام والخروج بها من قمقم الإدارة السماوية إلى الإدارة الأرضية، ومن دولة الملائكة إلى دولة البشر، ومن الرعية إلى المواطنة، ومن الخليفة إلى الخلافة.

 

لقد قمت بتدريس مادة نظام الحكم في الإسلام في كليات القانون والشريعة لأكثر من عشرين عاماً، وكنت أشعر دوماً أننا ندرس ثقافة إلغائية إقصائية بالكامل، لا تشبه في شيء نصوص القرآن الرشيدة لا إكراه في الدين، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها…

 

Image may contain: text

ومع أننا كنا نحلم بعالم رشيد على غرار دولة النبوة والخلافة الراشدة، ولكننا درسنا طلابنا ثقافة الاستبداد والاستعلاء المكرسة في المناهج التدريسية، صورة لازمة للدولة الإسلامية، فالخليفة رجل يتناسل من أسرة الخلفاء، وله الحكم والأمر، وعلى الناس الطاعة، والخروج على الحاكم إثم وظلم، يوبق نفسه وماله، والخليفة يسميه أبوه، ولا يحل للشعب إلا الرضوخ والرضا، أما الكلام عن تداول السلطة وتحديد فترة الحكم فهي بدع ما أنزل الله بها من سلطان، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وطبيعة الدولة الإسلامية هي الجهاد، وبذلك فإنه ليس لها حدود آمنة مع جيرانها، والصلح ضرورة تقدر بقدرها ولا يجوز أن يكون الصلح دائما لان في ذلك تخلياً عن الجهاد، الذي كتبه الله على المسلمين إلى يوم القيامة، لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر، فحدود الدولة الإسلامية هي حدود سنابك الخيل، كما يحدده المجاهدون ولا يوجد أدنى اعتبار لشرعة الأمم والقانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية المستقرة.

 

والحكم في الإسلام هو منحة إلهية وهبها الله لقبيلة قريش، فالحديث صحيح في البخاري أن الخلافة في قريش، وبذلك لن يكون في العالم الإسلامي خلافة راشدة إلا كانت تتحقق بالنسب القرشي الشريف وما سوى ذلك فهو عدوان على الله والدين وحكم بغير ما أنزل الله.

والخلافة واحدة، وإذا بويع لخليفيتين فاقطعوا رأس أحدهما بالسيف، وببساطة فإن هذه  الدول الإسلامية القائمة دول كافرة خارجة عن الخلافة تحكم بغير ما أنزل الله، ولا جواب لهذا اللون من العدوان إلا حد السيف.

أما النظام العقابي في الإسلام فهو قطع يد السارق وصلب المحارب أو قطع يده ورجله من خلاف ورحم الزاني، وللحاكم أن يجتهد في ابتداع عقوبات جديدة بقدر ما يرى أنه كاف لخضوع الناس واستقرار المجتمع، ولكن أي تأويل لهذه الحدود الجسدية الصارمة سيعتبر افتئاتاً على الشرع وحكماً بغير ما أنزل الله وهو ما يدخل الحاكم والمحكوم في حالة الكفر الموجب لحد الردة!

أما الدولة الوطنية فهي خرافة ووهم، نشأت فقط من  تعطيل الجهاد، وأما حديث حب الوطن من الإيمان فهو حديث موضوع فاسد متناً ومعنى ، فالأوطان أوثان جديدة تحول دون رسالة الجهاد التي يجب ان تمضي بالسيوف والحتوف حتى يبلغ الإسلام ما بلغ الليل والنهار.

والمواطنة قائمة على اساس الدين الخالص، والآخرون ليس لهم حق المواطنة الكاملة، وبوسعهم أن يعيشوا مواطنين من الدرجة الثانية يدفعون جزية الصغار والإذلال مقابل الأمن، وبالمناسبة فهذه الجزية عند الفقهاء نعمة ومنة لا يستحقها في التراث الفقهي السائد إلا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بشرط ان لا يكونوا من العرب فالعربي لا يقبل منه الا الإسلام أو السيف، أما الأمم الأخرى من بوذية وهندوكية وشيوعية ولادينية فحدهم السيف فقط، وكل صلح يتم معهم فهو محادة لله ورسوله، وخيانة من السلطان وخذلان، وعلى الناس أن ينهضوا لرفع هذا المنكر وإقامة حدود الله تعالى كما شرع لكم من الدين.

 

أما الحديث عن تداول السلطة، وتحديد مدة الخلافة والرئاسة فهذا كله توهين للأمة ونكث للبيعة، ونقض للميثاق وللحاكم أن يشرع ما يراه من تعزير في حق أولئك الذين تسول لهم أنفسهم العبث بهيبة الخلافة، بما يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، وبما سولت لهم أنفسهم من فتنة وضلال.

والمفكر المجتهد مأجور حين يفكر داخل الصندوق، ولكن أي قفزة خارج الصندوق تدخله في حد الردة الموجب للإعدام، وهو الانتقام الرسمي من المخالف لبرنامج الدولة والخلافة الذين يشاققون الرسول والمؤمنين فنوليهم ما تولوا ونصلهم جهنم وساءت مصيراً، وقد صنف ابن تيمية 426 مسالة حدها القتل في الإسلام، تشمل كل من خرج بفكره واجتهاده عن اجماع المسلمين أو ما باتوا يسمونه ما علم من الدين بالضرورة.

وبدون أي مبالغة فإن الطالب يتخرج من كلياتنا الشرعية وهو يعتقد بأن هذه الدول الإسلامية القائمة دول كافرة تعطل شرع الله وتحكم بغير ما أنزل الله، وما دساتيرها وقوانينها وبرلماناتها إلا أوثاناً جديدة يجب نشر السيف فيها والقتال حتى يزول حكم الجاهلية ويحكم الناس بما أنزل الله.

لقد كانت المهمة صعبة، وحين تفكر بأنسنة الدولة في الإسلام والبحث عن حكم مدني قائم على المواطنة والمساواة فأنت ستتعرض لاتهام وتخوين في كل سطر من سطور ما تكتب، ومن هنا كان التحدي الذي آمل أننا تمكنا من تجاوزه في هذا المنهاج الجديد.

الدراسة ذاهبة إلى القول إن الإسلام هو صفة الدولة العادلة دولة المساواة والديمقراكية والشورى، وأن الدول الإسلامية القائمة دول إسلامية شرعية وإن كانت تعطل الحدود، فالحدود عقاب بصير يستجيب لتطور الزمن وتطور وسائل الحضارة وأدواتها، وليس انتقاماً أعمى لا معنى له.

 

نظرية الحكم الرشيد في الإسلام

الرؤية – الأسس - القيم

 

إن ما نلقنه لطلبة العلوم الشرعية من شكل الدولة الحديثة هو بالفعل تطبيق تاريخي في مرحلة ما من التاريخ، ولكن التاريخ لا يجوز أن يحضر كسلطان ورقابة ، بل يحضر شهيداً ومثالاً، ومن بين الدول الإسلامية القائمة في التاريخ هناك دولة واحدة في مقام القدوة، وهي دولة الرسول، وألف دولة أخرى في مقام العبرة، ينطبق عليها تماما قول الله تعالى: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسالون عما كانوا يعملون.

 

وتقدم هذه الدراسة منهاجاً جديداً للطلبة للوعي بالدولة المسلمة، فالدولة المسلمة ليست منظمات وهياكل وروايات، إنها في جوهر نظرية الحكم الرشيد التي يشرحها الكتاب سلسلة قيم وأسس ورؤى، وهي صالحة ان تتبيأ في أي شكل من أشكال الدولة، وهي قيمة مضافة لأي دولة، ولكن إسباغها على الدول الحربية البائسة في العصور الوسطى هو لون من طبخ الحصى، ولن يضيف شيئاً لتلك الدول القائمة على سيف المتغلب وبطشه وسلطانه.

وتعزز الدراسة مبدأ الصفر الحضاري، الذي يمكن أن تضاف إليه قيم الإسلام وفضائله، وهو يبدأ في هذه الدراسة من آخر نقطة وسلت إليها الإنسانية في كفاحها ونضالها في سبيل الحرية والكرامة والإنسانية.

وتختتم الدراسة بعبارة جامعة، إن بناء الدولة الإسلامية المنشودة يكون بالبحث عن الدولة الأكثر نجاحاً وتنمية وازدهاراً وعدالة في العالم في هياكلها ونظامها وقوانينها ثم إضافة الرؤية والأسس والقيم التي  حققها النموذج الإسلامي في دولة النبوة.

إن الإسلام قيمة مضافة للدولة الحديثة، وليس نقيضاً سالباً لما حققه المجتمع الإنساني من تطور ونجاح.

هل ستنجح هذه المحاولة المنهاجية أن تصبح مساقاً عاماً في كلبات القانون والشريعة لدراسة نظام الحكم في الإسلام؟ وهل سننجح في تقديم الدولة المسلمة صديقاً للعالم، حريصاً على الكل، يوفر للناس الحرية والعدالة والمساواة، أم ستبدأ النشرات التحذيرية والتخوينية التي تتربص بكل جديد.

هل سننجح في تقديم الإسلام الجميل للعالم وتجاوز الصورة النمطية السوداء التي رسمناها بأيدينا عن دين لا يرى في العالم إلا كفاراً ومشروع جهاد، أسلم أو تسلم؟!

قناعتي أن الإسلام جميل، ولكن السدنة ليسوا كذلك.

 

الناشر : دار الفلاح في مصر والكويت والامارات- أغسطس 2018

 

علِّق