عدد القراءات: 14113

نازحو داريا في المعضمية... تجربة رائعة في الإدارة الشعبية


* محمد كسّاح


كان رائعاً، ومثمراً إلى حد بعيد عمل لجنة أهالي داريا الذين نزحوا إلى مدينة معضمية الشام... إنه يذكرنا بأيام الثورة الأولى، يذكرنا باللجان الشعبية التي كان الثوار يشكلونها في كافة المجالات سواء في العمل الثوري أو الإغاثي أو الإداري

بدأت القصة عندما تمّ الفصل بين المدينتين الشقيقتين داريا ومعضمية الشام.
بضعة آلاف من أهالي داريا حوصروا في المعضمية وباتوا عرضة للمساومات ، وللمناوشات من جهات عدة.
اجتمعوا فوجدوا أن خير ما يفعلونه - خصوصاً في ظل الوضع الحرج للمعضمية التي ما تزال تفاوض من أجل الهدنة - هو تشكيل لجنة تمثلهم ، فاختاروها بعد عدة اجتماعات خمسة أشخاص عقدوا العزم على أن يكونوا من أهل الأمانة والصلاح، وهكذا طافت لجنة الأهالي على كافة القوى والفعاليات المتواجدة على أرض المعضمية لينالوا اعترافا بهم في اعتبارهم الجهة الوحيدة الممثلة لأهالي داريا في المدينة

وحين تم لهم ما أرادوا طلبوا من هذه الفصائل معاونتهم في إدخال مساعدات الأمم المتحدة ليقوموا بعدها بتوزيع هذه السلات الغذائية مدعومة بأكياس الطحين ...

إنها تجربة حية أعادتنا لمقولة ( الشعب الذي يحكم نفسه بنفسه ) وقد أثبتت أنه من الممكن أن يتحقق ذلك ... 
من الممكن لشعبنا أن يحكم نفسه بالكفاءات المنبثة في صفوفه ، كما يمكن لهذا الشعب بالتكاتف و التعاون وحسن الإدارة وبالتنظيم أن يؤسس نظاما ينبع من صميمه و ينبثق من صفوف أبنائه ، لا من الولاءات لحكومات معينة أو لأحزاب لا تعبر عن مطالب الشعب ولا عن حقوقه

لقد تابعت  شخصياً أعمال اللجنة خلال توزيع المواد الغذائية، وسررت للتنظيم الإداري في إحصاء الأهالي وفي تقدير وضع كل شخص على حدة و في توزيع الإغاثة ..

لقد آثر أعضاء اللجنة عدم الإبقاء على ذرة واحدة من الطحين في مستودعاتهم ليضربوا مثلا في الأمانة والأخلاق التي ينبغي أن تحتذى في كل مناطق سورية، كما مارس الأهالي دورهم الهام في الرقابة وفي مساءلة أعضاء اللجنة حيث كانت وفودهم تراقب عملية التوزيع حتى في أصغر الشؤون التنظيمية وهو الاصطفاف في الدور أثناء عملية التوزيع

وبهذه الصورة يكون أنموذج اللجان المنبثقة من أبناء الشعب قد اكتمل 
- قيادة شرعية منتخبة ممثلة لتطلعات الناس
- إدارة رائعة لمصالح الأهالي
- استقلال في الشؤون الداخلية بعيدا عن كل المهاترات السياسية
- رقابة شعبية لحفظ الحقوق ومواصلة العمل المنظم والأمين

إنها تجربة صغيرة، بسيطة، لحكم بضعة آلاف من الناس ... ولكنها ناجحة على أية حال ، وهي بذلك تمهد الطريق أمام غيرها من التجارب التي ننتظرها في مناطق كثيرة

لقد تمنينا أن تتشكل مثل هذه اللجان في كل المناطق السورية منذ بداية الثورة ولكن الظروف الأمنية والعسكرية حالت دون ذلك ، كما لا ننسى التدخل الدولي في مؤسسات الثورة وفصائلها والذي كان المال هو الطريق الرحب الذي سار عليه هذا التدخل ....

 

علِّق