Your rating: لا يوجد (1 vote)
عدد القراءات: 889

"نادي الجنون": داخل رحلات الدعاية البريطانية التي تسعى لإضفاء الشرعية على بربرية الأسد

الكاتب الأصلي: 
Gareth Browne
تاريخ النشر: 
8 آيار (مايو), 2018
اللغة الأصلية: 

مرحباً بك في نادي الجنون!” ضحكت البارونة كارولين كوكس في ردهة الفندق ذي الخمس نجوم في بيروت. كلماتها ستحدد بداية رحلة مدتها أسبوع واحد إلى قلب النظام السوري والمدن الواقعة تحت سيطرته والتي دمرتها الحرب - دمشق وحمص وحلب.

مع تقلب القتال في سوريا على مدى السنوات السبع الماضية، قامت عضوة مجلس اللوردات البريطاني بتنظيم العديد من الرحلات إلى المناطق الموالية للرئيس بشار الأسد تحت مراقبة الشرطة السرية المرعبة. حيث تنظّمها بالتعاون مع مساعدها، أندرو آشداون، كاهن بريطاني إنجليكي.

يصف الاثنان هذه الرحلات بأنها لأغراض بحثية، ولكن في المقام الأول إظهار تضامن مع الشعب السوري. شهدت الاجتماعات السابقة تناولهم الشاي مع الرجل في قلب الصراع، الرئيس بشار الأسد، بينما نُقلَ الآخرين إلى الخطوط الأمامية للصراع.

كان الأب آشداون، على سبيل المثال، حاضراً في مدينة حلب شمال سورية في ديسمبر / كانون الأول 2016، حين أطلقت الحكومة العنان لقصفها الأخير لاستعادة قلب آخر مناطق الثورة التي يسيطر عليها المتمردين. وسواء خلال هذه الرحلة، اوفي الرحلات السابقة، التي أطلق عليها الزوجان وصف مشاريع "رعوية". اجتذبت موجة من الانتقادات لكونها ذات طبيعة سياسية بالأصل، حيث ينظر إليها على أنها تقف في صف النظام المتهم بسلسة من الجرائم ضد الإنسانية. والقائمة لا تقتصر على استخدام الغاز القاتل ضد شعبه، التعذيب، والموت شنقاً وفرض حصاراً خانقاً على مناطق مأهولة بالمدنيين.

وما كان يوصف بالفعل بأنه رحلة مثيرة للجدل ازداد أهمية في يوم مغادرتنا. ففي يوم السبت الرابع عشر من أبريل / نيسان قبل ساعات من انطلاقنا من بيروت إلى سوريا، أطلقت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أكثر من مائة صاروخ كروز على ثلاثة مواقع محتملة لإنتاج الأسلحة الكيميائية كرد فعل على مهاجمة النظام لمدينة دوما بالغازات السامة والذي أودى بحياة ثلاث وأربعين شخصًا على الأقل في الأسبوع السابق. كان في الحافلة الى دمشق ثمانية عشر شخصا، بينهم رجال دين وأكاديميين وصحفيين وأعضاء في مجلس اللوردات. لمدة أسبوع واحد كنت سأصبح عضوا فخريا في "نادي الجنون"، مسافراً مع الوفد كصحفي مراقب. لقد أصبحت سوريا مكاناً عدائياً بشكل متزايد، وأصبح من شبه المستحيل، كتابة تقارير صحفية من الداخل. لذا وجب على الصحفيين الذين يبحثون عن إمكانية الوصول الى هناك اقتناص الفرص النادرة لكتابه تقاريرهم من على الأرض. وفي إشارة إلى تعاظم قوة الكنيسة في سوريا، كانت البطريركية السريانية الأرثوذكسية هي التي "كفلت" أولئك المدعوين للرحلة. فمنح النظام تأشيرات لعدد من الأفراد الذين كانوا ليحرموا من الدخول في ظل كل الظروف الأخرى.

 

ازداد الجدل الذي أحاط بالرحلة وتسلل إلى وعي الجمهور البريطاني بعد أن قام غيلز فرايزر، المستشار الكنسي السابق في كاتدرائية سانت بول في لندن، بنشر تغريدة فيها صورة لاجتماع الوفد مع مفتي سوريا أحمد بدر الدين حسون ووزير الشؤون الدينية السوري محمد عبد الستار. ومع مرور الأسبوع، سرعان ما أصبح واضحًا أن الرحلة كانت أي شيء عدا ان تكون رعوية. فالأشخاص الذين يزعمون بأنهم يعملون كصحفيين مستقلين داخل المناطق التي يسيطر عليها النظام، ينشرون خطاب الأسد على وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتحديد فانيسا بيلي وتوم دوغان، الذين تم إحضارهم للتحدث معنا بشكل منفصل, كلاهما ليس له أي صلة ملموسة مع وكالة إخبارية مرموقة.

واجهت المجموعة السيد دوغان، الذي أخبرنا بأن اصحاب الخوذ البيضاء، وهي منظمة مرشحة لجائزة نوبل للسلام وأول من يستجيب لإنقاذ الأرواح تحت الأنقاض التي تخلفها الهجمات الجوية السورية والروسية، كانوا في الحقيقة يقتلون المدنيين قبل أن ان يتم أجلائهم بالقوة من الجيب المحاصر في الغوطة الشرقية التي تقع شرق دمشق. كما واجه الأعضاء السيدة بيلي، التي عرضت وجهة نظرها البديلة للصراع في فندقنا الدمشقي. حيث تشمل وجهات نظرها حول العالم نظريات من قبيل أن هجوم شارلي إبدو كان عملية تمويه زائفة وأن القاعدة لم تكن مسؤولة عن هجمات 11 سبتمبر في نيويورك.

يقول روبن ياسين كساب، مؤلف كتاب "بلد محترق: السوريون في الثورة والحرب"، أن عناصر مثل السيدة بيلي مهمة لنشر معلومات خاطئة عن سوريا لمساعدة النظام." أعتقد أنهم يلعبون دورًا مهمًا، قبل عامين، كنت أعتبر هؤلاء الأشخاص كمجانين وليسوا ذوي اهمية، للأسف كنت مخطئًا للغاية. قد يكونوا مجانين، لكنهم ليسوا عديمي الأهمية. فبشكل غير مباشر أعتقد أنهم كانوا فعلاً شديدي التأثير. أشخاص مثل السيدة بيلي يساعدون على دس نظريات المؤامرة في سيل الأخبار، وهذه هي وظيفتهم. إذا كان التيار السائد سليماً، فلن يكونوا ملائمين “. في حين أن فريزر وآخرين في المجموعة كان لديهم بعض الشكوك في هذه الرحلة، وقاموا بعرضها بجرأة على كل من السيدين دوغان وأشون، إلا أن إحساساً لا يمكن إنكاره من الخارج كان موجوداَ بأن المجموعة قد مشت بأرجلها بشكل ساذج لتصبح من شلة البلهاء المفيدين للنظام.

 

كان هناك حالتان شديدتان الوضوح، الاولى هو اصرار البارونة كوكس على لفت الانتباه بشكل متكرر إلى أسئلتها التي طرحتها على مجلس اللوردات بشأن تمويل الحكومة البريطانية المزعوم لـ "الجماعات الإرهابية"، وقيامها بتصنيف اصحاب الخوذ البيضاء ضمن تلك الفئة. والثانية، حين اعتبر اللورد هيو ديكس، زميل البارونة كوكس، أنه من المناسب تحذير اعضاء البرلمان السوري من مخاطر الإنفاق العسكري الهائل للولايات المتحدة.

ليس هناك من شك أن مثل هذه الزيارات يتم استغلالها من قبل المسؤولين السوريين لإثبات شرعيتهم. ففي مكتبه الشاهق، يتباهى وزير الشؤون الدينية محمد عبد الستار باجتماعه مع وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد ميليباند "في ذات المكتب هذا" في دمشق.أمّا المفتي العام حسون، الذي تزعم منظمة العفو الدولية أنه أمر بإعدام 13000 سجين في سجن التعذيب صيدنايا، فقد سأل الوفد عن سبب رفض منحه تأشيرة لزيارة بريطانيا. قائلاً، "أود أن أتكلم أمام البرلمان البريطاني"، متفاخرا بخطابه الأخير الذي ألقاه أمام البرلمان الأيرلندي في كانون الأول / ديسمبر 2016. إلا أنه لم يتم التطرق أو ذكر اي من جرائمه المزعومة خلال اجتماعنا.

 

يقول السيد ياسين كساب إن الشرعية المستمدة من هذه الفرص الفوتوغرافية والزيارات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من مشروع تطبيع النظام. "النظام يحتاج إلى الشرعية؛ يحتاج إلى الشرعية بقدر ما يستطيع داخل سوريا. هذا ما تقدمه هذه الزيارات "، وأردف بالقول. "يبدو من الجيد بالنسبة لهم التقاط صورهم مع كاهن إنجليزي، أو عضو في مجلس اللوردات".

إن تجنب كاميرات النظام يشكل تحديًا جدياً. ففي كثير من الأحيان كان يبدو أن الشخص الأكثر أهمية في الغرفة هو الشخص الذي يحمل الكاميرا. حيث يتم عرض كل حدث عام في وسائل الإعلام الرسمية السورية. بعد أحد لقاءاتنا مع مسؤولي الكنيسة تصدر عناوين الصحف "وفد بريطاني يزور سوريا". فكان الانطباع الذي ساد أن وفداَ حكومياً رسمياً هو من قام بالزيارة. وعلى الرغم من ادعاءات كوكس بأن الرحلة كانت رعوية، إلا أن الإعلام السوري لم يصورها على انها كذلك على الإطلاق.

عندما عبرت المجموعة عائدةً إلى الأراضي اللبنانية بالحافلة، سألت البارونة كوكس عن ادعاءاتها أن "المملكة المتحدة كانت تمول جماعات إرهابية في سوريا". وسألتها بالضبط أي الجماعات المتطرفة التي تدعمها بريطانيا. لكنها رفضت الإجابة عن ذلك، مشيرة إلى امتياز برلماني - الحصانة القانونية لمجلس النواب عن التصريحات التي يتم الادلاء بها داخل المجلس. طلبت توضيحًا لمواقفها، وواصلت طرح اسئلتي على البارونة. هل تتمتع روسيا بسياسة خارجية أكثر أخلاقيةً من سياسة المملكة المتحدة؟ "في سوريا، نعم أعتقد انهم يتمتعون بذلك"، كان جوابها. وهل يجب أن ترحب بريطانيا بالرئيس الأسد في زيارة دولة؟ "لا أرى لماذا لا يجب"، كان جوابها ايضاً.

 

كانت الرحلة تجسيداً لكيفية إعادة بناء سوريا وتاريخها، على صورة رجل واحد.  أي حديث عن المظاهرات الأولى يقترن بالادعاء بأن المتظاهرين كانوا يتقاضون المال للنزول إلى الشوارع من قبل قوى أجنبية. يقول هيثم الكظمة ذو الواحد والستين عاماً من سكان حمص: اتذكر الأيام الأولى، سألت الأطفال المحتجين من على شرفة منزلي" كم يدفعون لكم؟ "قالوا لي 500 ليرة سورية اي ما يقارب ثلاثة ونصف الدرهم الاماراتي لكل واحد منهم"، لم تحتوِ هذه النسخة من سرد الأحداث أدنى اعتراف بوجود معارضة لا تنتمي إلى تنظيم الدولة الإسلامية أو الجماعات المرتبطة بالقاعدة. وكما تم إزالة شعارات المعارضة التي أشعلت الثورة من جدران حمص، فإن السرد التاريخي قد تم طمسه. يبدو الآن أن الخيار الأساسي التي عملت عليه الحكومة السورية هو ثنائية الأسد أو داعش.

في مركز إقامة في مدينة عدرا على مشارف دمشق، أخبرتني العائلات التي فرت من الغوطة الشرقية عن شعورهم بالإرهاق بعد خمس سنوات من الحصار الجهنمي. "نحن لا نريد مساعدتكم، أو طعامكم، نحن لا نريد وظائف، نريد فقط أن تعود بيوتنا"، صرخت إحدى النساء، وفشلت في كبت دموعها بينما كانت تحمل ابنتها الصغيرة على ذراعيها. هناك الملايين كهذه المرأة، سواء في سوريا أو في الخارج، مُقتلَعين من منازلهم ويعيشون في مهانة مخيمات اللجوء. وعلى الرغم من حديث النظام عن "المصالحة"، إلا أنه ما زال من غير الواضح إذ اما كان بمقدور أولئك الذين أجبروا على الفرار من البلاد أن يعودوا يوماً.

 

هناك جهد هائل من الهندسة الديموغرافية يبذل في البلاد. فالمناطق الهامة التي كانت تحت سيطرة المتمردين سابقاً يتم إعادة توطينها ببطء بجماعات عرقية يعتقد النظام بقدرتها على دعمه. فعلى طريق السفر من الجنوب إلى حمص، تظهر بوضوح الأبنية السكنية التي يتم تشييدها حالياً. يقول سكان محليون، مثل مانيا خشون، وهي مدربة اتصالات من منطقة الحميدية في حمص، لصحيفة "ذا ناشيونال" إن الأشخاص الذين ينتقلون إلى المدينة هم من العلويين وغيرهم من شديدي الولاء للنظام. "يأتي أصدقاؤنا العلويون إلى المدينة للعمل. إنهم يعيشون بالقرب منا، لكنهم ليسوا قريبين جداً”. يحدث هذا في مدينة طالما اعُتبِرت عاصمة الثورة السورية.

ومع صدور تشريع جديد في وقت سابق من هذا الشهر سمي "القانون رقم 10”، يبدو إنه هذه التغييرات ستأخذ طابعاً قانونياً. حيث يمنح القانون الجديد اصحاب الملكية الخاصة 30 يومًا فقط للتسجيل وإثبات ملكيتهم للعقارات، ومع عدم قدرة الملايين على العودة إلى البلاد للقيام بذلك، فإن هذا القانون يمهد للحكومة بشكل أساسي القيام بمصادرة واسعة النطاق للممتلكات. وبشكل عام فإن الذين دعموا المعارضة هم الذين لن يتمكنوا من العودة ابداً بعد استيلاء الحكومة على مدنهم. وكما كتبت ليلى الشامي مؤخرًا في الموقع الالكتروني لصحيفة "الجمهورية" السورية، فإن القانون الجديد هو "محاولة تنفيذ التغيير الديموغرافي".

في حلب، يدافع ينال بشكور، الذي يعمل في مكتب الرئاسة، عن القانون الجديد. "إذا أرادوا استعادة ممتلكاتهم، فيمكنهم العودة، لا توجد مشكلة"، كما يقول عن أولئك الذين غادروا. لكن مثل هذا الموقف يبدو أنه يتجاهل المخاطر العملية للعودة، فالعديد ممن فروا مطلوبين لتهربهم من التجنيد في الجيش العربي السوري، أو لمجرد تعبيرهم عن دعم لا عنفي للمعارضة. يواجه الملايين عقوبات سجن طويلة إذا ما فكروا بالعودة. في الواقع، أشار الرئيس الأسد بصراحة لذلك. في خطاب ألقاه عام 2015 حين قال: "سوريا ليست لأولئك الذين يحملون جواز سفرها أو يقيمون فيها؛ سوريا هي لمن يدافع عنها ". يقول توبياس شنايدر من معهد السياسة العامة العالمية في برلين: "لم تتم معاملة الملايين من السوريين بوحشية بسبب الحرب فحسب، بل انهم فقدوا منازلهم ومجتمعاتهم ومؤسساتهم السياسية والوطنية، وربما إلى الأبد". "قد تنتقل سوريا إلى مرحلة ما بعد النزاع، لكن ملايين السوريين لن يتمكنوا من ذلك".

 

في اجتماع عام مع المحافظ طلال البرازي في حمص، كان من الواضح أن الأب آشداون هو لاعب رئيسي في هذه الحرب الدعائية من خلال تنظيم مثل هذه الاجتماعات، وسرد حكايات الناس على الملأ، لإقناع المجموعة. كان هناك القليل من الحوار الحقيقي، بينما تتالت مثل هذه جلسات طوال الرحلة حتى انحدرت لمستوى التسابق العلني لمدح الرئيس الأسد، وروي القصص المرعبة عن قطع الرؤوس والغرق على أيدي المعارضة.

ربما كانت أكثر لحظات الرحلة سرياليةً عندما طلبت البارونة كوكس في اليوم قبل الأخير من المجموعة شكر ستة من عناصر المخابرات عندما كنا محطة خدمة على الطريق السريع الذي يصل حلب بدمشق. كان الرجال، المسلحين في بعض الأحيان، يلازموننا كظلنا في كل لحظة من الرحلة، ويستمعون إلى كل محادثة نقوم بها. إنهم جنود مشاة في منظمة تغرس الرعب في نفس أي مواطن سوري. وكبادرة لشكرهم على "إبقائنا آمنين"، قدمت لهم مجموعة من الصحون القصديرية التي تباع في محل بيع الهدايا في قصر باكنغهام، مقر الملكة إليزابيث الثانية. بعدها ساد شعور بالحيرة والارتباك لدى جميع الأطراف.

خلال زيارة إلى مركزين يعنيان بتقديم الدعم النفسي والاجتماعي في حلب وتديرهما "الأمانة السورية للتنمية"، وهي مؤسسة خيرية اسستها السيدة الأولى، أسماء الأسد التي تلقت تعليمها في بريطانيا، تتزين جدرانها بشعارات وعبارات براقة مثل "مهارات الحياة" و "تنظيم الأسرة". اقيم أحد هذه المراكز في مبنى، زعم النظام، أنه كان يُستَخدم كمركز قيادة للمتمردين. لكن عندما غادرت مجموعتنا، غادر ايضاً جميع من كان موجوداً من طلاب، يبدو أنه أوتي بهم بالحافلة من أجلنا، على ما يبدو فقد تم تمثيل الزيارة بأكملها، تماما مثلما تم تمثيل الكثير من إعادة إعمار سوريا؛ واجهة زائفة على صورة رجل واحد، مدعوم من موسكو وطهران.

لقد خرج نادي الجنون من مدينة دمشق القديمة، لكن ما كان واضحاً بشكل جلي هو أن جنون الديكتاتور في سوريا قد حجز كرسياً طويل الأجل له.

 

علِّق