عدد القراءات: 4407

مُشتبه بهِ

 

*محمد كياري

 

عندما يكون الانتماء هو المعيار الأكثر تأثيراً في قرار قبول الفرد في المجتمع أو في أي تنظيم بشري  آخر، لا شك عندئذٍ أن السلوك الإنساني قد انجرفَ لهاوية التعصب و التمييز و في حالات حادة يكون مُتلبساً في هيئة عنصرية مقيتة.

أخطر ما يفرزه الانتماء هو الاعتقاد بعصمة المُنتمى لهُ، و التعامي عن كُل ما هو سواه، بدءاً من التشكيك بهِ و انتهاءً بالحرب عليه.

الانتماء لا يُنتج في قوالب دينية و مذهبية  فقط، وإنما أيضاً على شكل تعصبات سياسية، و في درجة أعقد تكون سلطوية أو اقتصادية متطورة على شكل مافيا أو ولاء قومي أعمى يفوق العادة و المعقول، يصل أحياناً للذروة الحرجة و يتحول لتطهير .

 

في البلاد العربية المحكومة بتراكمية استبدادية قمعية و صماء، يتم فرض نمط من النمو المجتمعي بصورة تشبه علاقة تربية الإنسان للحيوانات، حيث تُحدد هناك طبيعة و أرضية العيش، و تُسوّر بخطوط عريضة يُمنع تجاوزها، ليست لأنها خروج على القانون الذي يتحاكم له الجميع، بل لأنها خروج على رؤية السلطة و أدواتها لجبروت الأمر الواقع الذي فرضته و لا تنفك تُروض الناس بمضمونهِ.

خطوط السلطة الاستبدادية التي تُشرعها و تكرسها أيضاً حاشية الاستبداد في المجتمع؛ قانونياً أو دينياً أو إقتصادياً أو حتى ثقافياً، هي بلا شكّ تمسّ جوهر الانتماء، لأن الخروج أو حتى الريبة الطبيعية في شرعية هذا الأمر الواقع و جدوى استمراره، يؤدي إلى تجريم المواطن في انتمائهِ و قذفهِ في منحدرات التبعية و الخيانة أو رجمهِ بحجارة وهن الوحدة الوطنية و التخاذل، ببساطة لأن هذه السلطة تعتقد أنها الضامن الأوحد لفكرة الوطن و التعايش و استمرار وجودهِ .

لسببٍ بسيط أن كل البلاد العربية، حكوماتها تروج لنفسها على أنها رسول من الله و آية من آياته، و الخروج عليها يعني أن الله يذهبكم أيها الناس و يأتي بآخرين، أو يأتي بقومٍ يحبهم و يحبونهُ، و الحاشية الدينية للسلطة تقوم بدورها في تشكيك الناس بصوابية الخروج على الحاكم و تعظيم إثمهِ، ينتهي ذلك بنزع الانتماء تدريجياً عن هذا الخارج، و تكريس نبذهِ من حاضنته الاجتماعية .

 

عندما نُعرج قليلاً إلى  سوريا الأسد، نرى أن ترويج السلطة لا يكون فقط دينياً، بل حتى بما هو لا ديني، على اعتبارها آخر قلاع العلمانية في الشرق الأوسط، بتناقض صريح في محاولة لتعزيز خطوطها العريضة التي تحدد انتماءات المواطنين، لا مانع لديها أن تقصف مسجداً، أو تُجيش طائفياً، أو تُرعب المجتمع بـ دُمى متطرفة دأبتْ على صناعتها، أو تُجرم أو تعتقل نشطاء الحركات المدنية الوطنية، ليكون الإنسان في وطنهِ دون الحدود الدنيا من حقوقهِ مقارنةً مع أقل الدول المعاصرة احتراماً لحقوق مواطنيها لا أكثرها .

ربما الحقيقة الأكثر صراحة لنا ( كسوريين اليوم ) أننا يجب أن نقتنع أن كل إرثنا الثقافي و الحضاري و وجودنا الحالي لا قيمة له، طالما أن الفرد فينا منذُ ولادته يُحمّل إرثاً أكثر تأثيراً من كل مما سبق، هو إرث الاشتباه بهِ، أن تكون مشتبهاً بهِ، و يصعب جداً أن يقتنع الآخر بالعكس، و هذا يمتُ بصلة أيضاً للانتماء، حيث تُنزع عنكَ مبررات رأيك، و بطبيعة الحال تبقى في خانة الاشتباه.

 

بعيداً عن البلاد العربية -في الغرب مثلاً- عندما تكون مواطناً سورياً في أحد المطارات، و قبل الوصول إلى هناك يحدث -صدفة أو ربما بقليلٍ من التعمد- ، أن يتم إجبار مئات المسافرين على الانتظار خلفك، حتى يتسنى للجميع رؤية تفتيشكَ بشكلٍ مختلف عن الآخرين، تدقيق وثائق سفرك، تمحيص كل شيء حولك.

تأكل فيك عيون المسافرين لـ هذا الغرب "من المحتمل أنك إرهابي و لستَ تدري"، يغيب كل إحساسك بهذا العالم حولكَ، و لا يدور في ذهنكَ سوى ذاك النسر  المطبوع على جواز السفر، وتتساءل عن كذبة هيبتهِ و كرامته التي تُنتهك فيكَ الآن. في الصفحة الأولى من جواز السفر تتحقق فيما إن كُتب تحتها " مطلوب " أو اسمكَ إن تم تحويره إلى "مشتبهِ به ابن المشتبهِ بهِ"  و هكذا .

تصل في نهاية المطاف إلى الغرب، تسلخ كُل الأفكار التي دأبَ الشرق على تدجينكَ بها حول الغرب و حياته و قيمهِ، يُغريكَ اهتمام الناس هنا بالمُجمل، عدم ترددهم بتقديم أي شكل من المساعدة قد تحتاجها، أحياناً كثيرة يحاولون ابتكار طرق للتخفيف عنك، و تجاوز موضوع المأساة التي مهما غابتْ عن خاطركَ ستعود و تفضح الفقد و الخيبة التي تُلازمكِ.

 

أثقُ أن الكثيرين من السوريين المقيمين اليوم في الغرب، عينهم هنا و الأُخرى على سوريا، محاولة للتشبث في فرصة للاستقرار و التوزان، العين التي على سوريا دامية، أما العين التي هنا فهي حذرة و مترقبة، إلى حدٍ ما قد يسيطر القلق على كُل الاهتمام الذي يُحيطك بهِ الغربيون، عندما تقرأ خبراً عن هجوم شنهُ مناهضوا اللاجئين هناك على منزل أو مأوىً للاجئين، أو المناهضون لأفكار مثل أسلمة أوربا، أو أن يقول سياسي غربي أن اللاجئين حشرات، أو  أن اللاجئين يحملون الإرهاب معهم. هنا أيضاً تبحث عن تبرئة نفسكَ من تُهمٍ لستَ أهلاً لها، و هي بالأصل كانت سبباً لـ هروبكَ من البلاد، بقوة يطرح الانتماء نفسهُ كتهمة جديرة بأن تكون مأساة إضافية .

و هكذا في نهاية المطاف تؤمن أنكَ تنتقل بين الاشتباه و الاشتباه، و الآخرون عملوا و هيئوا لكَ كُل الظروف لأن تعتقد أنكَ التجلي الحقيقي لــ الورطة في هذا الوجود .

 

*محمد كياري: لاجئ سوري في أوروبا

 

علِّق

المنشورات: 3
القراءات: 13680

مقالات الكاتب