موقفي كمسلم: تحويل مجال عمل النص إلى قرار الخاص

 

تضمن القرآن ثلاثة أنواع من الرسائل

- الموضوعية كالطبيعة والإنسان والاجتماع والتاريخ

- والذاتية حين يتحدث الله سبحانه عن نفسه

- والأوامر والنواهي وهي مايريد الله سبحانه من البشر.

وبما أن القرآن نص إخباري، فلا يصح تجاوز الرسول وهو الناقل، لقد أُطلق على كلام الرسول صل الله عليه وسلم  اسم الحديث، وفصّل  علماء الأصول الكلام فيه أنواع، منها الأحكام ومنها الآداب ومنها طرق المعيشة والكسب، ثم أخرجوا القسم الثالث من دوائر الشرع، واختلفوا في قسم الآداب الشرعية هل هي في باب الإباحة أم الندب، و تم التوافق على اشتراط وجود مايشير فيها إلى معنىً إضافي  لتثبت شرعيتها.
 

هذا التقسيم سيزيح عنّا عناء الكثير من المعارك التي نتوهم فيها الدفاع عن الشرع بينما موضوعاتها تقع خارجه، كاللباس وطرق العيش والطبابة وأساليب العلاج القديمة والعادات وكل الأعمال والمعارف الدنيوية التي تستند إلى الخبرة الفنية والمعلوماتية.

محاولة قبول النص القرآني ورفض الحديث
بدعوى ممارسة عقلانية غير منطقية، فبمجرد القبول  بالإيمان يعني قبولك بمعرفة فوق العقل.
كيف تقبل النص كخبر ينقله الرسول، وتقبل تزكية هذا الرسول بمنطوق هذا النص ثم ترفضه ؟

اللغة وليدة التجربة الإنسانية، والتواصل يتطلب تماثل المعاني بين المستقبل والمرسل، لكن في النص الديني سيصدمك عجز المبنى عن حمل المعنى أحياناً  فتلجأ إلى التأويل أو التفويض

إذاً يجب أن نعترف بوجود نصوص سمّاها العلماء بالنصوص المشكلة وأقاموا لها علماً خاصاً، ومع ذلك لا تجد التوفيق حليفهم في كل ما قالوه،  وهذا العجز يعود إلى اللغة والنقل وطبيعة الموضوع، هذه طبيعة جزءٍ من التدين، لن نستطيع القفز عليها، هناك كم من التوقف والتفويض، وكل خروج عن هذا هو بمثابة دخول في عالم مختلف.
تقول عبارة سلم الوصول إلى علم الإصول ( كل خبر أورث باطلاً ولم يقبل تأويلاً فهو منقوص أومكذوب) فهناك توجه ديني صرف مفاده عدم الخوض بالمتشابه والمشكل، واجتناب كل كلام لا ينبني عليه عمل في الثقافة العامة، مما يعني أن الكثير من الجهود المطروحة في الفضاء العام الآن، هي  جهود خارج الجدوى وخارج السياق  الديني كثقافة مجتمع وغير مرغوبة.

من يتصور أن الحياة العامة الغربية تماثل تماماً حياة مراكز الأبحاث مخطئ، إذا أردت فهم الغرب إقرأه من خلال الفن والقصة والسينما والمسرح، عندها ستجد الإسطورة والخيال والأشباح والسحر والعرافة التي تشغل الكثير من الحيز العام، حتى أنها امتلكت عقليات زعامات كبيرة فيها في يوم ما.

هناك فرق بين سياسة المجتمع وقرار الفرد، حين تخطط للحياة العامة لا تستطيع تجاوز المقاصد الشرعية الأساسية وأدواتها المعرفية والإدارية وذلك لصالح تمرير مباح يتصف بالمسؤولية الفردية.  
لم يعد من الممكن تطبيق مفهوم التوكل في موضوع التداوي بالطريقة التي حاول العلماء شرحها لنا في مسألة العدوى والعلاج وبقولهم المشهور (عندها لابها)،  بل هناك تبسيط ستجده مؤصلاً حتى في كتابات الأخلاق والرقائق، حيث يكون تعريف التوكل عند العامة مختلفاً عما هو عليه عند الخاصة.لكننا دائماً نولع بالنادر ونعتبره القاعدة والمثال.

في الوقت الذي تقوم الدول  بجهود مضنية لإلزام المواطنين بخطط الطب الوقائي منذ الطفولة، وتقيم  المراكز الطبية والمشافي ومؤسسات الأبحاث لدعم الأنشطة الصحية وتمويلها، لايبدو تسويق فكرة أن مفهوم الوقاية والعلاج يرتبط  بدرجة الإيمان عملية يمكن تبنيها في السياسة العامة، بحيث نضع المواطن في خيار بين الإيمان الصحة، في الوقت الذي تخدم به هذه البرامج مقصد الشريعة في حفظ النفس والمال وهي الشروط الأولية لحفظ الدين.
يمكن لذاك الفهم الإيماني العميق  أن يكون جزءاً من  فهم عند الخاصة، أو ارشادات دعم لفريق يعمل في مستوى  عالي الخطورة، كالفرق الطبية التي تنشط  في حال انتشار الأوبئة، أما ماتبقى فيجب عليه ألا يتجاوز السببية الشرعية والدينية فبهما يتم التعبد.

في حديث غمس الذباب مثلاً، كمسلم لايمكنني رد حديث صحيح، ولكنني سأرفض سلوك من يتوسع في الدفاع عنه حتى يشمل الدفاع عن الذباب كمصدر للصحة والعلاج وفي الوقت الذي تثبت فيه الدلائل الطبية عكس ذلك.

متابعة تعليمات الدين في النظافة الشخصية والعامة، واستقراء التطبيقات المدنية له عبر التاريخ، تؤكد أن مدن المسلمين ونظافة مواطنيهم من أفضل ماكان، وفي وقت كانت فيه عواصم أوربا تغرق بالوحل والقاذورات، وكان الناس ينامون مع حيواناتهم في غرفة واحدة  ويتباهون بقذارة البدن تديناً، لقد كانت خدمات النظافة والأناقة والإنارة وشق الطرقات وبناء المشافي والحمامات والفنادق والمنازل الواسعة وخدمات المياة تعمرها وتزدهر بها.

في مثل هذه الثقافة لا يمكن للذباب أن يجد له عيشةً  مشتركة مع السكان، وحيث يبدو الارتباط وثيقاً بين القذارة والمرض والفقر والجهل.

موقفي كمسلم هو تحويل مجال عمل هذا النص إلى قرار الخاص، واستبعاده من التأصيل للثقافة العامة. ليصبح  حالة لا تتعلق بحلال أو حرام، بل بالإباحة وبقرار شخصي بحت، العدول من دليل إلى دليل في الحالة العامة هي ممارسة لآلية الاستحسان، و من حق الدولة تقييد المباحات لتحقيق المصالح العامة. وهذا ماتم ممارسته تطبيقياً عبر الثقافة الدينية، فلا يغرنّك صراخ البعض من الذين ينصّبون  أنفسهم مدافعين  عن السنة بغير وعي.

في الإعجاز
من المعروف أن المقصود بالإعجاز والتحدي هو المساق اللغوي الصرف، لذلك تحدى القرآن بسورة. وهذا ينطبق على قصار السور، ما يدور الحديث عنه اليوم من إعجاز علمي، هو تأويل وتفسير يصدق عليه القبول والرفض وفق معايير أصول التفسير، طبعاً هناك محاولات ناجحه ولكن لايمكن توظيفها بالإعجاز، ولكنها توظف لإثبات مصداقية الرسالة والرسول،  هناك محاولات لايمكن قبولها خاصة إذا انتهت بتشكيل سوق لبيع هذه المنتجات القرآنية وتسويقها كعلاجات فوق العادة.
كنت أتابع أحد الذين يتنقلون في الفضائيات يتحدث عن الإعجاز، قال في علاج العقم إن الناس يصرفون المال في عيادات العقم وطفل الإنبوب بينما العلاج قدمه القرآن لنا وهو صيام ثلاثة أيام الكلام عن الكلام

{قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} [مريم : 10]،
منطق لايمكن للنص أن يقبله بحال.

ملك اليمين :
من المعروف أن نظام الرق نظام اجتماعي وإقتصادي كانت تقوم عليه الخدمة والتجارة والحروب، وهو سبق  الإسلام وله مصادر كثيرة، قام القرآن والسنة  بإغلاق كل المصادر سوى الحرب، وجعل الرق خياراً غير ملزم بين خيارات أخرى كالمن والفداء وربطه بمبدأ المعاملة بالمثل، وأبقاه حكراً على الإمام الأعظم وليس خياراً لجماعة أو حزب كمايحصل اليوم، ثم فتح مصارفه بالكفارات والمكاتبه، واشترط له درجة أقل في الحقوق ودرجة مساوية في المعاملة، ولكن الذي حصل في التطبيقات التاريخية العكس تماماً، مما ساهم في تكاثر هذه الطبقة ونشاطها ونشاط مساوئها.

الفتوحات :
النمط السائد سياسياً في ذلك التاريخ هو النمط الإمبراطوري، حيث تكون حدود الدول عند  أول جندي يحرسها، النقاش هنا يجب أن ينصب حول طبيعة المعاملة التي تلقتها تلك الشعوب، وهل هذه الفتوح ساهمت بالتنوير والعمران أم العكس. ثم مقارنة ذلك بممارسات الأمم الأخرى.

 
ثالوث الشر :

العنف والجنس والمال عناصر تشكيل العصابات والمافيات. بينما في المساق الديني يبدو أن مهمة الإنسان في الإرض هي الاستخلاف القائم على التسخير، والتعمير، وأن الأدوات لها هي:

- التعارف في حال السلم

- والتدافع في حال الاختلاف.

- وأن المكافأة في الآخرة نمط من الرفاهية تم وصفها بما لا عين رأت ولا أذن ٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر.

تقوم التوجهات الغربية على حيازة المزيد من القوة والمزيد من المتعة، وأن الحيازة فيها تنافسية ودنيوية صرفة.
السؤال المطروح، أين سيتواجد منتوج الشر المتوقع في هذه الحالات الثلاث  ؟
ليس من المنطق تعميم الشذوذ الداعشي  على عموم المسلمين، لأنهم ملفوظون وأعداء في نفس الوقت.


العنف :
هو ظاهرة إنسانية وليس دينية، لايمكن تفسيرها بمخزون العنف في كتابات التراث فقط، هذه النظرية لا تستطيع تفسير خصائص المنتسبين،  كالعمر، والجنسية، لماذا الأوربي أكثر من سكان شمال أمريكا، ولماذا المغربي والتونسي خصوصاً أكثر، بينما يقل عدد السوريين أصحاب القضية، وبالاستقراء ستجد هناك تربة نفسية وسوء تكيف وسوء اندماج وحالة تمرد اجتماعي وسياسي تبحث لها عن لبوس عقائدي يبررها، هنا يتم استدعاء بعض القراءات العنيفة المتواجدة في المصادر.

مشكلة المطالعة في كتب التراث مشكلة مستعصية وذلك لا ختلاف نمط التأليف عما تعودناه اليوم.
سيحتاج من يقرأ إلى موقف المحب لهذا الدين والصبور عليه والممتلك لأدواته، لقد أصبحنا  نحتاج لمؤسسات تعيد صياغة المعلومة واختيارها كي نستطيع أن  نتجانس ولو قليلاً فيما بيننا، هذا الاشتباك وهذا الخلط الذي نقبله كله ولانرد منه شيئاً   إذا استمر سيساهم في التشظي وضياع الصحيح  وسط هذا الشغب،

من يسترخي للنموذج التاريخي ولا يريد أن يدخل هذا العالم سيعيش مرتاح البال إلى ما تحت يديه وعقله، ومن يريد أن يلجه  سيحتاج إما إلى التأصيل والتجديد وهذا هو العوز، أو يستسلم للنمط الحداثي  والذين مشكلتهم أنهم يصرون على قبول التناقض بين ( الدين والحداثة ) بطريقة مزيفة
وبدون حرج !

-------------------------------

... رداً على مقالتي اياد شربجي ،(كيف يتحول المسلم إلى إرهابي)، (المسلم التقليدي، المتهم الضحية)

علِّق