عدد القراءات: 3852

موسم الهجرة إلى المواطنة!

أصبح اللاجئون المتدفقون إلى أوروبا، مشياً على الأقدام، أو عبوراً للبحر بقوارب متهالكة، وبغيرها من الوسائل التي يصعب إحصاؤها، حديث العالم اليوم، ومعها امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بمداخلات لا نهاية لها، بين متعاطف مع اللاجئين، وبين مستنكر لهجرتهم، أو مشككٍ بنوايا الأوروبيين، أو متهماً إياهم بالعنصرية وحتى الصليبية، ومعها ظهرت الفتاوى التي تبيح الهجرة أو تحرّمها..الخ!.

لكن أغلب هذه المداخلات تجنّبت الجواب عن السؤال الرئيسي الذي بقي مفتوحاً:
لماذا يقوم عشرات الآلاف بالمخاطرة بحياتهم من أجل الوصول إلى مكان بعينه؟!.
هذا المشهد الذي يجري في جنوب وشرق أوروبا اليوم عرفه العالم بأشكال مختلفة، فعلى مدار الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، كان الجدار الفاصل بين ألمانيا الشرقية والغربية يشهد حالة مشابهة تقريباً؛ أشخاص يحاولون التسلل من القسم الشرقي إلى الغربي، وغالباً ما يلقون حتفهم برصاص البوليس الشرقي وهم يحاولون العبور!
يدرك اللاجئ الذي يحاول عبور البحر، أو ذلك الذي كان يحاول تسلق الجدار، أن الموت يمكن أن يُلاقيه أثناء محاولته، لكنه يُدرك ببساطة أن ما ينتظره إن نجحت المحاولة يستحق هذه التضحية، وأن الموت في البحر أو فوق الجدار خير من الحياة حيث أتى، وأن المواطنة التي يُمكن أن يحصل عليها تجعل منه إنساناً، وتمنحه الكرامة التي كان يراها تُمرّغ أمامه في بلده، وفي دول اللجوء، على يد البوليس وعلى يد موظف الدولة وحتى صاحب البقالة في الحي!.


هذا الإدراك ليس حكراً على الذين يحاولون الدخول إلى أوروبا اليوم فقط، بل ربما يكون حال معظم سكان القسم المتعب من هذه الكرة الأرضية، والذين لو أتيحت لهم الفرصة، كما أتيحت لبعض السوريين والعراقيين والأفغان.. لفعلوا مثلهم: الذهاب إلى أوروبا ولو سيراً على الأقدام!. 
المواطنة الحقيقية تعني احترام الإنسان أولاً، وتعني أن لا تُستخدم حقوقه لابتزازه، ولا للمنّ عليه، ولا لمعاقبته ولا لمكافأته، وتعني أن يكون المواطنون سواء أمام القانون.
في سورية، كما في كثير من دول العالم الثالث، تتمثّل حقوق الإنسان البسيطة (أو ما يسميه المختصون بحقوق الجيل الأول) في نظام للعقاب والمكافأة، فمن رضيت عنه أجهزة الأمن والمخابرات حصل على جواز، ومن رضيت عنه أكثر حصل عليه دون إهانة وطول انتظار، ومن لم ترض عنه ربما لا يستطيع حتى الحصول على شهادة من المختار بأنه من سكان الحي منذ أن ولد!.


لا يبدي الأشخاص العاديون في سورية، كما في معظم دول العالم، اهتماماً بحقوق الإنسان في شكلها النظري، كما لا يبدون حماساً لتغيير أوضاع هذه الحقوق في مجتمعاتهم، فهم إما يعتبرون التغيير مستحيلاً، أو أنه يفوق قدراتهم، أو أن المشاركة فيه يجلب الكثير من المصاعب التي لا طاقة لهم بحملها!.
وبلا شكّ فإن التغيير نحو مجتمع يحترم الإنسان وحقوقه لن يكون أمراً سهلاً ولا مجانياً، فوراء كل حقّ مسلوب تقف جهة مستفيدة من هذا السلب، وهي لن تقبل التضحية بسلطتها وبمكاسبها مجاناً، وسوف تقاتل بشراسة للحفاظ على موقعها!.
تساهم هذه المعطيات في دفع الكثير من الأفراد للبحث عن "الخلاص الفردي"، بدلاً من العمل على تغييرٍ قد لا يتحقق حتى في عمر الجيل الواحد، وهو ما تمثّله الهجرة بأشكالها المختلفة، القسرية منها والطوعية!.
ولا تقتصر استراتيجيات "الخلاص الفردي" على الهجرة، وإن كانت تمثّل أقصاها، فالمواطنون في سورية والعالم الثالث طوّروا استراتيجياتهم الخاصة، من قبيل بناء علاقة مع ضابط أمن يمكن أن يجعل الحياة رغيدة، أو الانضمام إلى أجهزة الأمن نفسها، بدوام أو "بعمل حر"، أو بتوزيع الرشوة إلى غيرها من طرق البحث عن حياة كريمة في أرض الوطن!.
وتدرك الأنظمة القمعية هذه المعادلات جيداً، فهي ترفع تكلفة المشاركة في العمل العام حتى لا يجرؤ عليه إلاّ أولئك الممتلئين بالقناعة، وهم قلة بطبيعة الحال في كل مجتمع، وتفتح الباب لطرق الخلاص الفردي، فمن شاء أن يتأقلم مع الدكتاتورية فليفعل، ومن لم يشأ كان له أن يغادر غير مأسوف على عودته!.
اللجوء الحالي هو مؤشر للأزمة وليس الأزمة بحدّ ذاتها، فالأزمة هي غياب المواطنة عن دول بأكملها (تشكّل بمجموعها الدول المصدّرة للاجئين)، وانتهاك واسع لحقوق الإنسان، وضعف في وعي الشارع بأهمية التغيير في مجتمعاتهم!.
* * *
"بدنا شوية كرامة يابي" كانت مختصر الحكاية كما كتبها الأديب السوري محمد الماغوط، فالوطن هو حيث الكرامة لا حيث تنصّ شهادة الميلاد!. 

علِّق