No votes yet
عدد القراءات: 2574

من هم جنود الدولة الإسلامية؟

الكاتب الأصلي: 
ARON LUND

مؤسسة كارنغي- 24 كانون الأول 2015
في شهر سبتمبر الماضي قدرت الاستخبارات المركزية الأمريكية أعداد المقاتلين في تنظيم الدولة الإسلامية بين عشرين ألفا إلى 31500 مقاتل، ما يشكل ضعفي إلى ثلاثة أضعاف إحصاء سابق قامت به سابقاً وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تنبأت فيه بوجود عشرة آلاف مقاتل فقط في التنظيم السني المتطرف المنبثق عن تنظيم القاعدة والذي بات يسيطر على مساحات واسعة في كل من العراق وسوريا.
وقد شرح مسؤول رسمي في الوكالة هذه الأرقام بقوله "هذا الرقم يعكس ازدياد عدد عناصر التنظيم بسبب  تطوع المزيد من المقاتلين في التنظيم منذ حزيران 2014 بعد النجاحات الميدانية التي حققها التنظيم وإعلان قيام الخلافة".
الأجانب أقلية
يعرف تنظيم الدولة الإسلامية باحتوائه على عدد كبير من المقاتلين الأجانب، كالمقاتلين الشيشان المنضوين تحت قيادة عمر الشيشاني وهو قيادي جهادي مولود في جورجيا، لكن علينا ألا نبالغ في أعداد المقاتلين الأجانب. فقد قدرت الـسي آي ايه، عدد الجهاديين الأجانب الذين انتقلوا إلى العراق وسوريا في السنوات القليلة الماضية بحوالي 15000 مقاتل – لكن هذا لا يعني أن التنظيم قد جنّد خمسة عشر ألف مقاتل أجنبي.
بعض هؤلاء التحقوا بجبهة النصرة أو مجموعات جهادية مستقلة مثل جبهة أنصار الدين وجند الأقصى. بينما عدة آلاف تم اعتقالهم، أو جرحوا أو قتلوا، أو أنهم ببساطة عادوا إلى بلدانهم. وأياً تكن أعداد هؤلاء، فهم بالتأكيد أقلية من إجمالي عدد مقاتلي التنظيم. وعلى الرغم من أن نخبة المقاتلين الذين يقاتلون في الصفوف الأمامية هم من الأجانب، فإنه ما من شك بأن أغلب المقاتلين على الأرض هم من السوريين والعراقيين.

 


استغلال احتقان المجتمع العربي السنّي
عندما زرت شمال العراق في أغسطس الماضي، أخبرني أحد القادة الميدانيين الأكراد أن وحدته لم تشهد أو تعتقل وتقتل مقاتلا أجنبيا واحدا خلال المعارك الدائرة بالقرب من الموصل. ربما  كان منهم عدد قليلٌ من المقاتلين السوريين لكن أغلبهم يبدون عراقيين. بعضهم أتى من محافظات أبعد كمحافظة الأنبار، غرب العراق، لكن الغالبية شبان من مدن مجاورة كالموصل وتل عفر وعدد من القرى السنية الأخرى القريبة من جبهة القتال.
"لا وجود حقيقي لمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية هنا" يقول القيادي الكردي مضيفاً: "إنها مبالغة. أصبح كل السنة يسمون ‘الدولة الإسلامية’، لكن ذلك غير صحيح". فالمجتمعات العربية السنية تعاني من التهميش السياسي والتدمير العسكري إلى جانب التوتر بينها وبين الأكراد والانتهاكات المرافقة لذلك، وهذا كله أدى بالسكان إلى الترحيب بتنظيم الدولة الإسلامية والنظر إليه على أنه المحرر من القمع الكردي و الشيعي".
ويضيف القائد العسكري الكردي "لو دخل عنصران من تنظيم الدولة إلى أحد القرى العربية فسيتبعهما أربعون أو خمسون أو حتى مائة رجل."
هؤلاء المجندون الجدد في التنظيم يضمون في الغالب عناصر من مجموعات مقاتلة أخرى، وبعثيين سابقين، وطبعاً الوقود الذي يذكي سعير أي حرب هو الشباب العاطل عن العمل الذي لا يملك أي انتماء سياسي أو أي أفق لمستقبل مقبول. فبالنسبة لهم، المسألة ليست متعلقة بالإيديولوجيا، بقدر ما هي فرصة ورغبة بالانقضاض على الأعداء المشتركين، والأهم من ذلك كله الخروج من تلك الحياة البائسة.
استقطاب الجماعات المنافسة والمنشقين
إن أحد أهم المصادر البشرية لتنظيم الدولة هو الجماعات المتمردة الأخرى. حيث تشكل كل من سوريا والعراق موطناً لعدد كبير من شباب العرب السنة المنضوين تحت مجموعات مقاتلة محلية عدة، وذلك لعدة أسباب: أهمها التخلص من نظامي دمشق وبغداد، بالإضافة إلى الرغبة بتحصيل المجد، أو أنهم يحذون حذو الأقارب والأصدقاء، أو حماية قراهم ومنازلهم، أو ببساطة لكسب المال. والبعض منهم ينضم للتنظيم قسراً.
يتميز أغلب هؤلاء المقاتلين بأنهم محافظون ومتدينون، وربما يأتون من خلفية طائفية وقد تم استدراجهم للأصولية السياسية، لكن نسبة كبيرة منهم لا يحملون أيديولوجية السلفية الجهادية. ومع ذلك، في هذه الأوقات العصيبة، يبدو أن الآلاف من الشباب يرغبون بالانضمام إلى مجموعة جهادية إذا وفرت لهم ما يحتاجونه، أو إذا لم يكن هنالك بديل آخر.
وعلى مستوى القيادات، عادى التنظيم تقريباً كافة المجموعات الثائرة الأخرى. أما على مستوى القاعدة، فالموضوع مختلف. فرغم أن التنظيم يتعامل بوحشية مع المجموعات التي تعترف بعدائها له، أو حتى تلك التي ينظر لها التنظيم على أنها تشكل تهديداً له، إلا أنه يتعامل بلين أكبر بكثير عندما يتعلق الأمر بالمقاتلين الأفراد أو الألوية الصغيرة التي ترغب في الانضمام لصف تنظيم الدولة الإسلامية.
وعلى سبيل المثال، تم تعميم بيان نسب إلى مسؤولي تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة الباب شرقي حلب، يضع شروطاً للتوبة لمقاتلين ينتمون إلى تحالف مجموعات ثائرة تخاصم التنظيم، وتعرف بالجبهة الإسلامية. ويطلب من المنشقين تسليم أسلحتهم، ووقف كافة أشكال الدعم للجبهة الإسلامية، والتبرؤ منهم علناً، وحضور دروس إعادة تأهيل شرعية تعطى من قبل تنظيم الدولة الإسلامية. مقابل ذلك سينسى تنظيم الدولة الإسلامية أخطاءهم السابقة وسيتركهم وشأنهم.
ومن المفترض أن باستطاعة الكثير من المقاتلين التائبين أن يثبتوا إخلاصهم للخلافة ويندمجوا مع قواتها المسلحة. لكن بعض القادة السابقين أو الأشخاص الجريئين يَرْفُضون القيام بذلك، أو أنهم يُرْفَضُون _من قبل التنظيم_ لكن بالنسبة للعديد من المقاتلين العاديين يبقى هذا السبيل الوحيد الممكن للانضمام للجهاد مرة أخرى، وكسب لقمة عيشهم.
إن تشجيع مثل تلك الانشقاقات كان جزءا من منهجية تنظيم الدولة الإسلامية، في العراق وسوريا على السواء. وفي حادثة تم نشرها على نطاق واسع، نشرت مقابلة مع القيادي في الجيش الحر المدعوم من الغرب، صدام الجمل الذي كان يتم نعته من قبل تنظيم الدولة الإسلامية بالمجرم والانتهازي والمهرب وقد تاب في تلك المقابلة عن أعماله السابقة. وقد كان سياق ما حصل واضحاً للغاية: فقوات جمال كانت على وشك الهزيمة من قبل التنظيم الذي كان يمكن أن يقطع رؤوسهم. بل وحتى جمال نفسه كان قد تم إلقاء القبض عليه بحسب بعض الشهود. وبالرغم من ذلك فقد حصل الانشقاق وكسبت الدولة الإسلامية كتيبة من المقاتلين المدربين والجاهزين.
انشقاقات واسعة بعد حزيران 2014
أدت النجاحات الخاطفة للدولة الإسلامية في العراق في يونيو 2014 إلى طوفان من الانشقاقات الجديدة. ففي غضون أيام من سقوط الموصل، انشقت مجموعة من قادة الجيش السوري الحر في شرق سوريا، بمن فيهم الضباط المسؤولون عن مخزونات الذخيرة المحلية وهيئة الرقابة المالية. وشمل ذلك العديد من عناصر جبهة النصرة والجبهة الإسلامية، وكذلك فعلت مجموعة من الفصائل الصغيرة والعشائر المحلية الذين أدركوا أن الدولة الإسلامية كانت على وشك الاستيلاء على منطقتهم. وفي الواقع، انصهرت جميع الفصائل والتنظيمات المسلحة في تنظيم الدولة الإسلامية، ولم يأخذ الأمر وقتاً طويلاً حتى طهّر التنظيم المنطقة بكاملها، ولم يترك وراءه أي شيء سوى بعض جيوب المقاومة.
وفي محافظة إدلب شمال غرب سوريا قرر ما يعرف بلواء داوود (الذي كان مقرباً فعلاً من تنظيم الدولة الإسلامية ) اللحاق بالقطار وأرسل قافلة كبيرة من المقاتلين إلى الرقة، عاصمة الدولة الإسلامية. وحتى الآن، ما زالت بعض المجموعات المتمردة تصل إلى الرقة قادمة من إدلب.
إن هذه الإستراتيجية ناجعة جداً حتى الآن، حيث سمحت أن يكون تنظيم الدولة طرفاً فاعلاً ذا سيطرة حقيقية لا تخطئها عين على أجزاء واسعة من سوريا والعراق. لكنها في الوقت نفسه، أدت إلى وجود قاعدة واسعة من مقاتليه غير مؤمنين حقيقة بفكرة السلفية الجهادية. بل يسعون وراء مصالح شخصية وحزبية محددة. ولا يدينون بالولاء المطلق للتنظيم. وسترينا الأيام كم سيستمر هؤلاء باصطفافهم إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية فيما لو انقلبت موازين المعركة، أو جفت آبار النفط والموارد الاقتصادية الأخرى، وعندما تكون مخاطر مبايعة الخليفة أكثر من فوائدها.

علِّق