عدد القراءات: 8501

من الموت السوري إلى الحلم الأوروبي ... شهادة حية من أحد اللاجئيين بحراً

 

أصبحت  بلدان القارة الأوربية الملاذ الأول للسوريين الهاربين من نار الحرب المشتعلة منذ سنوات مخلفة حوالي 5 ملايين نازح في دول الجوار، وتبقى تركيا هي قبلة السوريين الأولى للبحث عن حياة أفضل بعد التضييق عليهم في الدول العربية المجاورة التي وضعت شروطاً لدخولهم.

لكن رحلة الكثير منهم لا تنتهي بتركيا، بل تبقى الأخيرة  محطة في طريقهم نحو الوجهة المنشودة في أوروبا التي يدفعون كل ما لديهم للمهربين المتاجرين للوصول إليها، مع علمهم المسبق أن احتمال وصولهم أو ضمان عدم نهبهم من المهربين ضعيف للغاية، لكن وكما يقول بعضهم (ما عاد في شي نخسرو...حنجرب واللي كاتبوا الله حيصير).

 

رحلة لجوء عايشها و وثقها: عادل ابو الحسام


 

عالم المهربين:

رحلة الوصول إلى أوروبا  مليئة بالمخاطر والقلق والتوتر، لكنها تبقى أمراً هينا أمام أحلام وردية يهديها لهم المتاجرون بأرواحهم .

ينتشر كثير من المهربين في مدينة مرسين التركية التي كانت منها بداية هذا التحقيق الذي يكشف كل ما جرى في إحدى رحلات الموت التي كنت على متنها.

وصلت مرسين  التركية بتاريخ ١١ تشرين الثاني ٢٠١٤، وفي اليوم نفسه التقيت المهرب "أبو حسين"، في مكان متطرف عند شاطئ البحر(المهربون لا يذكرون أسماءهم الحقيقية للزبون)، وبعد السلام قال لي عن ضمان وصول الرحلة: "أخوي ما في شي مضمون بدك تطلع بدو يكون قلبك قوي ولا تخاف من شي أخوي اليوم في زئة عباخرة كبيرة ادفعلي المصاري بطلعك فور"

اعترضت على دفع المبلغ فورا، إذ كانت لدي قائمة مسبقة بأسماء المهربين وأريد أن أجد السعر الأفضل رغم معرفتي بأن الوقت يداهمني.

لم تمض ساعتان حتى عاود أبو حسين الاتصال بي قائلا : "أخوي لازم تطلع اليوم جهزت المصاري؟"

عندما قلت له "لا" رد قائلا : "أخوي اليوم في زئة بيجوز ما تقدر تطلع بأربع أيام بعدها"

اعترضت فغضب أبو حسين وقال  لي بتهكم: "لا عاد تتصل فيني أنا ما ناقصني ولاد إنت وأمثالك خليك مكانك أنتو ما بتعرفوا شو يعني أوربا كنتو مشيتو وأنتم ومسكرين عيونكم" وأغلق الهاتف بوجهي.

كان لي أصدقاء يقيمون في أحد الفنادق بمرسين قد اتفقوا مع المهرب "أبو رياض" أحد تجار الهجرة الذين ينتشرون في مدينة مرسين التركية، معروف عن هذا المهرب أنه يتقاضى سعراً مختلفاً من كل زبون، بعد عشرة أيام من إقامتهم  بالفندق على حسابهم، قام "أبو رياض" بعدة محاولات لإيصالهم إلى الباخرة لكنها باءت بالفشل جميعاً،  يقول علي وهو شـاب ثلاثيني من مدينة حماة: "تفاجأت  بعد ركوبنا بالباخرة أن هناك من دفع أقلّ مني فأنا دفعت مبلغ ٦٥٠٠ دولار فيما دفع آخرون ٥٥٠٠ أو 5000 وهكذا، وكنت أريد أن أعيد نقودي لكن "أبو رياض" رفض ولله الحمد وها نحن في طريقنا إلى أوروبا".  

الانتظار في الفنادق ودفع مبالغ باهظة يوميا، هكذا حال السوريين الذين ينتظرون رحلات الموت فالمهربون كلهم يتسمون بالكذب وشعارهم هو المراوغة والنفاق وبعد أن يأخذوا النقود من الضحية يقومون بالمحاولة عدة مرات وإذا ذهبت الباخرة الموعودة ينتظرون الباخرة الأخرى،  فهم عبارة عن شبكة تعمل باحتراف منقطع النظير، فلكل باخرة من بواخر الموت عدد من السماسرة والمهربين، وأود الإشارة هنا أن الدفع يكون بشكل مباشر للمهرب أو وضع المبلغ مع مكتب السعيد للتأمين مع وضع شيفرة يعطيها الزبون لطاقم السفينة عندما يصل إليها.

رغم وجود هذا المكتب إلا أن أغلب المهربين لا يتعاملون إلا بالدفع المباشر وهنا لا شي يحفظ حقوقهم في حال قام المهربون بالنصب عليهم أو في حال حدث معهم شيء، كأن تجنح السفينة قبل وصولها إيطاليا في اليونان أو قبرص وهذا ما جرى مع إحدى السفن المحملة بالسوريين منذ فترة ليست ببعيدة حيث ترك المهربون ركابها لمصيرهم، فمنهم من بقي هناك لأنه لا يملك ثمن رحلة أخرى ومنهم من استطاع ركوب البحر مرة أخرى ووصل للشاطئ الإيطالي.

التقيت في اليوم الثاني بتاريخ ١٢تشرين الثاني  ٢٠١٤ أنا وصديقي ياسر مع المهرب "أبو مصطفى" الذي بدأ يزرع أحلاما وردية في مخيلتي عن الرحلة قائلا: "الله بيحبك هي الرحلة خمس نجوم مفروشة بالسجاد وفيها بطانيات وأكل وشرب والطاقم كتير كويس"، سألته: إذا حدث طارئ أسترد المبلغ؟ رد قائلا : "أخوي سمعت بالباخرة اللي جنحت بقبرص هلق في ناس راح تطلع معكم من هونيك يا حرام دفعوا مصاريهم وما وصلوا أخوي نحنا جماعة منخاف الله بعدين اليوم لازم تدفع مصاري لأنو اليوم أو بكرا الطلعة ما ضل في وقت بكرا لا تقلي طلعنا أبدا إذا ما دفعت اليوم". طلبت منه العودة بعد نصف ساعة للتشاور مع صديقي، وقررنا أن ندفع، فمكوثنا في مرسين يعني زيادة مصاريف، وبالفعل توجهنا إليه مرة أخرى واستطعنا تخفيض المبلغ إلى 5800 دولار، قال "أبو مصطفى" وهو يضحك ضحكة عريضة ويعدّ المبلغ: "ما حدا طلع متكلم بهالسعر بس لأنو الباخرة بدها تمشي وما ضل وقت أخوي الله وكيلك أنا ما بقبل بأقل من ٦٥٠٠بعدين هالباخرة كبيرة وبتستاهل بوكرا بتشوفوا".

يوم الخميس ١٣تشرين الثاني ٢٠١٤ اتصل "أبو مصطفى" بي  الساعة١٠صباحا ليخبرنا بأن نجهز  أنفسنا، وبالفعل ركبنا السيارة حوالي الخامسة عصرا قام بإيصالنا إلى فان مغلق في منطقة متطرفة من مدينة مرسين قام بسحب الحقائب الصغيرة التي كانت بحوزتنا وشدها  بقوة اعترضت وبسرعة وضعت  بعض الأغراض بكيس لكن المهرب أبو مصطفى سحب مني الحقيبة، فتح السائق الباب، كان يوجد بالفان من الخلف حوالي ١٥ شخصاً وأنا من بينهم.

قال لي أحدهم ويدعى سعد من ريف دمشق: "هذه المحاولة الثالثة لنا على الأغلب رايحين لنفس النقطة بالأمس كان هناك بوليس على الشط فشلت المحاولة وفي المرة التي قبلها عندما وصلنا كان هناك سيدة وهي أول الراكبين بدأت بالصراخ فزع أصحاب اللنش ولاذو بالفرار وعدنا إلى الفندق"، في سيارة  الفان  كنا نجلس جاثين لمدة ساعة ونصف الساعة، شعرت بضيق التنفس طلب أحدهم فتح النافذة صرخ السائق: "بدنا نوصلكم ونخلص ما بدنا حدا يشوفكم" وبالفعل وصلنا إلى مكان أثري وبجانبه أرض زراعية مليئة بأشجار الزيتون، غابت الشمس ومعها تلاشى النور، رأيت أناساً ينتظروننا، طلب منا السائق الصمت والانتظار حتى تأتي الدفعة الأخيرة فالنقل إلى الباخرة الكبيرة يتم بالاتفاق مع المهربين وجميعهم يحضرون الركاب إلى النقطة المتفق عليها.

إلى السفينة الموعودة:

لحظات تحبس الأنفاس في جنح الظلام  بدأنا بالسير في كرم الزيتون نسمع هدير الأمواج،  أصوات  خافتة لا تسمع الا همساً، الناس تحمل ما تيسير لها من أغراض،  ومنهم من ترك أغراضه في مكانها، بدأنا نقترب من الشاطئ رويداً رويدا، صوت الأمواج عيون تترقب صخور قاسية، سقط أحدهم أرضا، فهو يعاني من مرض الربو...تركوه لمصيره، ولم يساعده أحد لكنه استطاع الوصول، الناس تتسابق وأي خطا قد يؤدي إلى نزولك على رأسك فوق الصخور المتدلية أمام عينك وقد تموت في مكانك، فالكل يخشى على روحه، هنا تجمهر الركاب وعيونهم تتطلع إلى البحر، لقد لاح من بعيد "لنش" الصيد القادم، تسمع الناس  يتضرعون بأن نغادر مرسين، ومنهممن  يشعر بالخوف من الشرطة التركية خشية أن تأتي إلى المكان.

IMG_0168.JPG

حطت حبال "اللنش" على الصخور معلنة بداية "الزئة" وبدأ الناس يتدفقون إلى "اللنش" الخشبي تدافع الناس، نسمع صراخ اصحاب اللنش وشتائمهم لنا باللغة التركية، والكل أصابه الصمت، ركبنا حوالي ٢٠٠ شخص في "اللنش" الخشبي وبعد سير نصف ساعة ونحن نتأرجح يميناً ويسارا وقف "لنش" صيد حديدي وبدأنا بالتبديل في عرض البحر، والكل خائف ويتعلق بالآخ،  وعلى الشاطئ هناك دفعة أخرى تنتظر، بدأ "اللنش" الحديدي بالسير والعيون تترقب باخرة الأحلام الموعودة، أحد الركاب يتكلم التركية والعربية قال لنا مترجما عن سائق "اللنش": "لا حدا يشغل ضوء يا جماعة أو هاتفو مشان خفر السواحل التركية والكل قاعد لا حدا يوقف"، الأمواج ترافقنا...البحر كان هادئاً، وخيالات الناس ترسم باخرة النجاة التي وعدهم بها تجار الموت، وبعد ثلاث ساعات تلاشت أضواء مدينة مرسين التركية وبدأنا نقترب من المياه الإقليمية الدولية ولاح في عرض البحر ضوء منبعث من باخرة الأحلام الوردية، اقتربنا أكثر، كادر السفينة بدأ يشير إلينا ويلوح بالأيدي، الناس شعرت بالارتياح، بدأنا نحاذي الباخرة الموعودة، وتدلى منها سلالم الصعود وثبت سائق "اللنش" وقوفه، وبدأت الناس بالصعود بمساعدة كادر السفينة وتدافع  الركاب وبدأ اللنش بالميلان، كادر السفينة طلب من الناس الجلوس وتم وصول الركاب إلى باخرة الأحلام.

الانطلاق:

كنت آخر الصاعدين، وجوه الركاب مبتسمة بوصولها بسلام إلى أول الحلم، عيون الركاب جميعا تسكنها خيالات، سوريون سبقوهم غرقوا في قاع المتوسط وعيونهم تنظر إلى الماضي، حيث ذكرياتهم  قد تركوها هناك ويحدثون أنفسهم هل سنعود يوما  بعد أن خرجنا، أم سنبقى في المنفى إلى الابد، أم سيكون البحر هو ملاذنا الأخير..؟

IMG_0319.JPG

طلب منا كادر السفينة أن ننزل إلى العنبر، ننتظر الدفعة الأخيرة من الركاب فنحن بخطر حتى نغادر المياه الإقليمية المقابلة لتركيا، الباخرة تجارية النوع  تحمل بضائع تعود لعام ١٩٧٩ وهي في آخر عمرها، بدأ الناس ينزلون إلى العنبر مذهولين، فلا سجاد ولا بطانيات تقيهم البرد كما وعدهم  تجار الموت، أرض العنبر مفروشة بالنايلون، وعليه يفترش ركاب وصلوا قبلنا بأربعة أيام أمتعتهم وطعامهم، أناس أصابتهم الصدمة وآخرون حمدوا الله أنها لن تكون أسوأ من الواصلين قبلنا، أبو مؤيد من دمشق افترشت بجانبه وبدأت أحدثه قال لي: "منذ أربعة أيام وكل يوم يقولوا لنا اليوم سنمشي، أربعة أيام ونحنا هنا لا نخرج إلى الأعلى إلا فترات قليلة نشعر بضيق شديد فلا بيت خلاء نظيف ولا حمام ولا مكان حتى لتبديل الملابس"، ووصلت الدفعة الأخيرة من الركاب وبدأ الاحتفال من الحالمين بالشواطئ الأوربية بالواصلين أخيراً مصفقين مكبرين مهللين، وأعلن قبطان الباخرة دوران المحرك باتجاه شواطئ إيطاليا  في الواحدة من  فجر الجمعة ١٤تشرين الثاني 2014.

الكل اطمأن مع بدء الرحلة  نحو السواحل الإيطالية، الجميع حزموا أمتعتهم إلى جانبهم، حيث  أصبحت لا تستطيع السير بينهم  لكثرة عددهم.

وعندما حل الصباح اقتربنا من جزيرة قبرص التركية  فخدمة "ج بي آس" تعمل على المحمول من دون شبكة النت، الساعة الثانية عشرة نزل إلينا أحد الأشخاص من طاقم السفينة ليقوم بتوزيع الطعام علينا، عرفنا على نفسه، "أبو أحمد" من اللاذقية وبصوت عال قال لنا: "الحمد لله على سلامتكم كل شي أكل ومي بكيفي وزيادة لا تخافوا بس ما بدنا حدا ياخد أكتر من حاجتو وهلق راح نخليكم تطلعوا لفوق تنفس شوي بس نقلكم انزلوا ما بدنا حدا يشوفوفكم مشان خفر السواحل ومشان التواليت دبروا حالكم"، بيت الخلاء على سطح هذه الباخرة كان عبارة عن فتحة صغيرة  تذهب المخرجات مباشرة إلى البحر.....

سوريا الصغرى كانت موجودة على متن الباخرة تعرفت على عدة أشخاص ومن مختلف الطوائف ومن كل المحافظات السورية، لكل من هؤلاء الراكبين بسفينة الموت قصته من أوائل الذين تعرفت عليهم، "أبو محمود" رجل ستيني من حلب ابنه مقاتل في حلب اضطر للنزوح بسبب ضيق الأحوال في اسطنبول التركية، يعمل في مجال الخياطة، دفع مبلغ ٢٠٠٠٠ ألف دولار عنه وعن أولاده عاصم وحازم قال لي متأثرا: "خسرت كل شي ابني عم يقاتل وبيجوز ما يرجع والله تعبنا تعبنا طلعت ولادي مشان لم الشمل بسرعة لسه مرتي وأولادي  البنات لحالهم باسطنبول".

في اليوم الثاني  خرجنا مع حلول الظلام إلى سطح الباخرة للتنفّس، كان الجو بارداً، البخار يتصاعد من أفواه الناس، الأمواج  تسير معنا تلطم مقدمة الباخر،ة أصبحنا نقترب من الجزر اليونانية.

يأمر قبطان سفينة الطاقم بإنزالنا إلى العنبر، عبّر(وافي) عن غضبه فزوجته الحامل تعاني من الدوار وضيق التنفس، ولا تستطيع النزول، طاقم السفينة بدأ بالصراخ عليه لكي ينزل لكنه رفض قائلا زوجتي حامل بحاجة أن تتنفس، تدخل أبو أحمد اللاذقاني من كادر السفينة، وافي شـاب ثلاثيني من قرية الناجية في ريف اللاذقية قال لي: "طلعت لإني بدي ابني يعيش أنا ما خايف على حالي أكيد، أنا بدي ابني اللي جاية على الطريق يعيش، خسرت كتير ناس أقرباء ما بدي أخسر زوجتي وابني وما بدي يخسروني وتترمل زوجتي ويتيتم ابني".

وتمضي الساعات على متن السفينة، رائحة الدخان تملأ العنبر، الرائحة الكريهة من بيت الخلاء تنبعث إلى الجالسين مقابله، بكاء الأطفال، صراخ الشباب خلال لعبة ورق، اصطفاف على الدور من أجل زجاجة ماء، جلسة انتظار بعض الركاب لشحن الهاتف يوجد "سراقة" واحدة للشحن، عند سلم النزول إلى العنبر يجب عليك أن تجلس عدة ساعات لشحن هاتفك، تعرفت وأنا أقوم بشحن الهاتف على أبو خالد الرجل الخمسيني، فلسطيني سـوري يقطن بمحافظة اللاذقية لديه ثلاثة أطفال، أكبرهم عمره أربعة عشر عاما، أبو خالد الذي يعمل بالتجارة اعتقل خلال الثورة من قبل فرع الأمن السياسي في اللاذقية، ودفع ما لديه ثمنا لخروجه وهو مطلق منذ سنوات  و يقوم بتربية أولاده، قال لي عندما سألته عن سبب خروجه والدمعة على خديه: خسرت كل ما أملك واعتقلوني، رأيت الموت وكما تعلم الذي يخرج يعودون ليأخذوه، فهم لا يؤتمن إلى جانبهم.

IMG_0163.JPG

أصبحنا في اليوم الثالث على متن الباخرة، من اليمين الجزر اليونانية نمضي في عرض البحر، الناس بدأت حالتها تسوء بسبب سوء النظافة، حتى أن عض الناسامتنعوا عن الطعام بسبب ذلك، فكانوا يسكتون جوعهم بحبات من التمر وشربة من الماء رغم وجود الطعام المعلب بكثرة والخبز الذي أصابه العفن من سوء التخزين، الخبز مكتوب على غلافه مخبز أبو قير الاسكندرية، حيث السفينة خرجت منها، وقام المهربون بتزويدها بالوقود والطعام من مصر وبالتحديد من مدينة الاسكندرية، لحسن الحظ أني كنت أملك ايباد، قمت بتوثيق أغلب اللحظات على متن الباخرة خرجت الناس إلى سطح الباخرة للتنفس فبدأت بالتصوير، وهنا بدأ أحدهم يشدني بعنف وهو يقول: "عم تصور هلأ بفرجيك مشي معي مشي"، يأتي أحدهم طويل وشعره مربوط قائلا: "خال ليش عم تصور هات الأيباد خلينا نمسح الصور والفيديوهات قلت له متحديا: "ما شفتوا غيري كل الناس عم تصور"، قال لي بغضب "راح نكبك إنت والايباد بالبحر وما حدا بيعرف خليك أكل للسمك، شو قلت نحنا ما مشانا مشان الناس عندهم أهل جوا البلد"، قلت له: "ما راح أعطيكم الأيباد"، وتجهمر حوله عدد من طاقم السفينة وتدخل إلى جانبي بعض الناس وفضوا الموضوع بعد أن تدخل شخص يجلس في  الغرف العليا وأوصاهم  بأن يدعونني وشأني، جاء أحدهم قائلا: "هالشـاب  بيعرفوا الدوري وقال عندو خلص".

أصبحت أتساءل من هذا الشخص،  (شاء القدر أني تعرفت عليه لاحقاً بمحطة قطار ميلانو)، كنت أرغب بتوثيق شهادات مرئية عن الرحلة، لكن الركاب اعترضوا رغم كل محاولاتي، عدا شخص واحد يدعى روميو وهو  مهندس  نفط من محافظة اللاذقية أحد المعارضين للنظام من الطائفة العلوية، قال لي: "على شو خائفين  لسه؟ خسروا كل شي حتى روحن بيجوز يخسروها".

 

شواطئ الأحلام:

في صباح اليوم الخامس توقف محرك الباخرة، كادر السفينة عطل الماكينة وهو ما زال موجوداً بيننا، وبدأت الإشاعة بين الركاب بأن  كادر السفينة هرب وتركنا في عرض البحر، وقال أحدهم بأنه تم الاتصال بالصليب الأحمر لإنقاذنا، ترك الناس العنبر الذي تفوح منه الروائح الكريهة وبعد ساعتين أتت سفينتان تجاريتان، وجاءت طائرة إيطالية لتصورنا، شعر الناس براحة نفسية بعد معاناة لأسبوع، وبالفعل بعد قليل أتت بارجة حربية إيطالية وعلى متنها جنود طليان وزورق إسعاف يحمل مياهاً وأطعمة للأطفال، طلبوا من الناس الجلوس على السطح حتى يقوم الجنود بتفقد الباخرة، صعد الجنود والطاقم الفني إلى الباخرة.

قاموا بسحب الباخرة، و لم ينقلونا على متن البارجة، ولكن  بعد حوالي الساعة توقفت فالمحرك عطله طاقم السفينة، والوقود نفذ منها.  

حل الظلام ونحن نقف في عرض البحر، بدأنا نشعر بالبرد، قام الجنود بتوزيع غطاء ورقي كي نلتحف به ووزعوا المياه والبسكويت .  

قضينا ليلة صعبة رغم وجود البحرية الإيطالية، اهتزت الباخرة التي تركت بعرض البحر بسبب الموج والريح في تلك الليلة ومع انعدام التوازن في الباخرة حيث كان الناس نائمون على جهة واحدة من سطحها وفي العنابر المتسخة، مالت السفينة بنا، وأصيب البعض بحالة من العرب وأخذوا  يصرخون، وأصيب طفل كان وقع من سطح السفينة غلى أرضها وتم إسعافه.

IMG_0247.JPG

في الصباح بدأ الطاقم الفني للسفينة بمحاولة إصلاح المحرك، لكن المحاولات باءت بالفشل وبعد حوالي الساعة بدأت البارجة الإيطالية بسحبنا، لكن قدرتها كانت بسيطة على ذلك، بدأ الناس يحتجون لدى الجنود الطليان، طلبوا منهم الهدوء، اليوم سنصل للميناء يقولون، وبالفعل عند الظهر جاءت باخرة كبيرة وأخرى أصغر قامتا بسحبنا إلى الميناء الإيطالي، وكنا نبعد حوالي ١٠٠ ميل عن ميناء جزيرة صقلية، بدأ الناس حزم أمتعتهم، العيون كلها تترقب وتنتظر ظهور المرفأ الإيطالي، أخذ بعضهم يغني، والتقط بكميرته اللحظات الأخيرة على السفينة، لاحت أنوار الجزيرة الإيطالية، علا التصفيق والتصفير، وعلى "لنش" صغير بدأت كاميرات الصحفيين تلتقط لنا الصور، اقتربنا أكثر فأكثر، يزداد تصفيق الناس وفي عيونهم فرح وفي قلوبهم غصة، فرحلتهم طويلة والوطن سيكون مزارا لهم.

أخيرا حطت السفينة التجارية التي حملتنا من مدينة مرسين التركية مساء الخميس ١٣ تشرين الثاني في مرفأ جزيرة صقلية الإيطالية في السادسة من مساء الأربعاء 19 تشرين الثاني ٢٠١٤، كان في انتظارنا كادر طبي وآخر إعلامي وسيارات شرطة، صعد عدد من الأطباء لفحصنا بواسطة جهاز خاص بكشف الأمراض المزمنة، وبدأ سؤالنا هل نعاني من أي وعكة، وبعد دقائق بدأ إنزالنا إلى مخيمات جهزت لاستقبالنا  على أرض المرفأ، يوجد فيها أسرة متنقلة وأغطية، وقاموا بتوزيع وجبة عشاء لكل واحد منا.  

 

المحطة الأخيرة في العالم الجديد

حل الصباح، وبدأ تصوير كل واحد منا وإعطاؤه رقماً خاصاً به، وبعد دقائق نقلنا بباصات إلى "الكامب" القريب من الجزيرة.

وصلنا الكامب الواقع في  جزيرة صقلية،  يوجد فيه عدد من اللاجيئن وأغلبهم من المغرب العربي، خرجنا من الكامب أنا وعدة شبان لنتابع رحلتنا، طلب منا أحدهم مبلغ ١٠٠يورو عن كل شخص لإيصالنا إلى محطة القطار الواقعة في جزيرة كاتنايا، لم نستجب له وتابعنا طريقنا مشياً.

وصلنا إلى محطة القطار دون أن ندفع هذا المبلغ، حجزنا تذاكر نحو مدينة ميلانو بمبلغ ١٠٠يورو، رأيت عدداً من السوريين الذين كانوا معنا على متن الباخرة وقد نُصب عليهم من قبل هؤلاء المغاربة، قال لي "أبو وحيد" من حماه: دفعت لهم مبلغ ١٠٠يورو، إنها مسافة قصيرة "الواحد لازم يسأل وما يرد على حدا، للأسف ناس نصابين يصطادون الناس ويستغلون عدم معرفتهم بالمكان".

صعدنا القطار في العاشرة مساء  وصلنا إلى ميلانو في الواحدة ظهرا في محطة القطار، في ميلانو ازدحام كبير وعند أحد الممرات يوجد جمعية خاصة بإغاثة اللاجيئن القادمين من الجزر الإيطالية، في المساء نقلونا إلى كامب أنطونيو الديني كما يسموونه هناك، التقيت بعدد من الأشخاص الذين كانوا معي على سطح الباخرة ومنهم "توفيق" من حمص الذي وصل قبلي وكانت لديه محاولة مع سائق  تكسي تعرض هو والمجموعة التي كانت معه للنصب والاحتيال، قال لي واصفا ما جرى معه: "كنا أربعة ركاب في السيارة وصلنا إلى غابة فقام السائق بإنزالنا بالقوة واستولى على نقودنا والجوالات  التي نملكها وتركنا هناك ولاذ بالفرار، وفي الصباح رآنا شخص بعد أن وصلنا للطريق العام وقام بمساعدتنا وإيصالنا إلى الكامب مرة أخرى". أما معتز فقد باءت محاولة ركوبه بالطائرة إلى السويد بالفشل وخسر مبلغا من المال، قال لي: فشلت المحاولة خسرت مبلغ ٤٠٠ يورو، المهرب لم يعدها لي، أعاد فقط ٦٠٠وأنا هنا أنتظر حوالة مالية لكي أحاول هذه المرة بسيارة أجرة، أما آدم فركب القطار وتم إلقاء القبض عليه  في مدينة نيس الفرنسية وإعادته إلى إيطاليا، كل الطرق إلى البلدان الأوربية محفوفة بخطر العودة لإيطاليا وخسارة مبلغ المال الذي تملك لو ركبت بالقطار النظامي أو ركبت الطائرة من مطار ميلانو، أما الطريقة المثلى فهي الركوب بالسيارة، احتمال الإعادة إلى إيطاليا ٢٠ بالمئة وبأسوأ الأحوال سوف تبصم في ألمانيا، وهذا ما جرى مع العم "أبو محمد" فقد  ألقي القبض على السيارة التي كان فيها وبصموا جميعهم في ألمانيا وسجن صاحب السيارة.

بعد أن تسمع تلك القصص عن عمليات النصب والاحتيال تبدأ رحلة بحثك عن طريقة أفضل وعن سائق موثوق، وبالفعل وجدت الشخص الموثوق نوعا ما، وكانت المغامرة بعد المكوث أسبوع في كامب أنطونيو الديني  في ميلانو الإيطالية، انطلقنا نحو الدنماراك ومنها إلى السويد عند كل غابة تشعر بالخوف وتأتي إلى ذهنك قصة الشاب "توفيق" الذي ترك في الغابة هو وأصدقاؤه، واستولى السائق على ما يملك، أما السائق الذي ركبنا معه كان خفيف الظل يدعى "أبو عمر" من دمشق مقيم في أوربا منذ 20 عاما، عندما تخطينا ألمانيا شعرنا براحة كبيرة دخلنا حدود الدنماراك، تركنا السائق وجاء المهرب الذي كنت اتصلت به ويدعى "أبو محمد" وقام بإيصالنا إلى محطة القطار وقال لنا: "الحجز ضمن القطار لا تخافوا بإذن الله بتوصلوا بس راح تبدلوا بعدة محطات ما في قطار مباشر لكوبن هاغن"، جاء القطار ركبنا به جاءت المفتشة تتطلب التكيت لم تقبل أن تأخذ نقودا، طلبت جوازت السفر، وعندها جاء مفتش آخر ورضي بأن ندفع المبلغ، لحظات تحبس الأنفاس حيث  كذب المهرب علينا، كنا قد بصمنا بالدانمارك فهو لم يشترِ البطاقات الخاصة بالقطار، أوصلنا وذهب وبعد تبديل عدة محطات وصلنا إلى العاصمة الدانماركية  كوبن هاغن، ومنها إلى مدينة مالمو السويدية، التي تبعد حوالي ٢٠ دقيقة فقط بالقطار،  وصلنا السويد وآخرون وصلوا إلى هولندا وألمانيا والنرويج.

أنا وأصدقائي الذين تعرفت عليهم  بالباخرة نقيم في قرية صغيرة لا يوجد فيها إلا عدة منازل والمواصلات تعمل مرتين باليوم فقط، بانتظار مقابلتنا الأخيرة التي حددت لنا في الشهر الثامن من هذ العام، فحالنا حال العديد من السوريين الذين قدموا إلى السويد بسبب الضغط الكبير من حيث عدد القادمين إليها.

و هكذا تنتهي مغامرة الشقاء من أجل البقاء التي يدفع السوريون ثمنها الباهظ ماديا ونفسيا للوصول إلى بر الأمان وبدء حياة جديدة بعيدة عن أجواء الحرب المستمرة في بلادهم وهي تدخل عامها الخامس.

ما زال  هناك سوريون حالمون بغد أفضل ينتظرون سفناً جديدة لتستمر المتاجرة بأرواحهم من قبل تجار الموت المنتشرين في تركيا ومصر وليبيا تحت أعين العالم العاجز عن إطفاء حرب مستعرة، فالسوري الذي يغامر بروحه  في سفن الموت وينجو من خطر البراميل والقذائف والاعتقال قد يكون مصيره الغرق في مياه المتوسط، فالحياة ضاقت بوجه السوريين في كل مكان وما زالت عملية البحث عن الأمان هو  ما يدفعهم للمخاطرة بحياتهم للوصول إلى الدول الأوربية، فمن حقهم أن يعيشوا بحرية وأمان بعيداً عن الظلم والاستبداد، بعد أن سدت جميع الأبواب في وجوههم ولسان حالهم  يقول: يا الله مالنا غيرك يا الله.

 

علِّق

المنشورات: 1
القراءات: 8501

مقالات الكاتب