من أخطر على السوريين؛ داعش أم النصرة؟

 

داعش فرزت نفسها منذ البداية واستعدت الجميع وأخذت منحى مغايراً، ولم تعد حتى أجهزة المخابرات الدولية تعتبرها سوى كابوس للسوريين، بعد أن قتلت منهم من قتلت ودمرت ما دمّرت.
لكن النصرة أمر مختلف، فهي تحظى بدعم شعبي منقطع النظير، و تأخذ شرعيتها من نسبة محسوبة من جماهير الثورة، بل ان منهم من يعتبرها المخلّص والحلم المنشود في عودة الشريعة.
كنا قد نبهنا منذ اليوم الأول لخطورة هذا التنظيم على الثورة، وأن صبيان القاعدة لن يأتوا علينا سوى بالخراب مهما أبدوا من شجاعة في القتال، ذلك أنهم أوفياء لحلمهم، لكن حلمهم ومشروعهم هذا مختلف عن مشروع السوريين التحرري من الديكتاتورية والظلم.

 

كثيرون كانوا يواجهوننا بالقول إن النصرة إنما جاءت لنصرة السوريين، مستدلّين ببأس قتالهم واندفاعهم للموت، و متصوّرين -بكل سذاجة- أن من لا يتلفّظ حتى باسم سوريا في أدبياته معنيٌّ بأن يقاتل لأجل السوريين ويمنحهم حريتهم، وأنه سيسلمهم البلاد ويرحل راضياً، وأن من ينعي الملا عمر سيهتم لأحلام غياث مطر، وأن من يقتل طفلاً لأنه سبّ النبي سيقبل بمجرد وجود المسيحي والدرزي والاسماعيلي على أرضه.

بطبيعة الحال الناس معبؤون بالحنق من الأسد لما ارتكبه من جرائم بحق السوريين، وسيباركون كل من يؤذيه، لكن عمق الألم جعلهم لا يدركون أن النصرة والأسد –موضوعياً وواقعياً- صنوان متلازمان يعتاشان على بعضهما، وأنه كلما قوي أحدهما قوي الآخر، و كلما اشتدّ عود النصرة على الأرض تحسّن وضع النظام محلياً ودولياً وقويت فرصه للعودة لامساك الوضع في البلاد، إنما بتغطية ورضى دولي هذه المرة.


في منتصف الـ 2012 كان النظام على شفير الهاوية، العالم كان يترقّب، ولم يعد أحد مستعداً للقبول به، كانت الأمور تتحسن ببطئ رغم استمرار القتل، ولم يكن أحد يصدّق رواياته بأنه يحارب الإرهاب، وكانت الأمور تتجه إلى نهاياتها.
فجأة ظهرت النصرة تحت ظلال علم القاعدة وقلبت المعادلة، وقدمت المبرر الاسعافي الذي تحتاجه العمائم الشيعية لتجنيد المقاتلين، والمبرر السياسي الذي يحتاجه الروس لاستخدام الفيتو، والمبرر العسكري للنظام لتوسيع دائرة القتل، وبالنتيجة مات مئات الألوف من السوريين، وتوسّع حجم التدمير في البلاد بطولها وعرضها، وعمّت الفوضى بين صفوف السوريين بين مؤيد ورافض لدخول القاعدة حلبة القتال، وبينما كان النشطاء السوريون حول العالم يستبسلون في توضيح ما يجري للضمير العالمي، كانت النصرة تبثّ الفيديوهات واحداً تلو الآخر تعلن فيها سعيها لإقامة دولة الشريعة في (أرض الشام المباركة)، و لتهدد الأسد والعالم (الصليبي) الذي يدعمه وتتوعدهم جميعاً، وهكذا تم تلخيص القصة في الرأي العام الدولي كما يلي:
"إذاً الأسد يقاتل هؤلاء الارهابيين باعتراف منهم، وسواء كان يكذب أم لا فهذا هو واقع الحال الآن... لا بأس بالضحايا المدنيين في هذه المعمعة، إنها الحرب، وطالما هي تدور خارج حدودنا فليحصل ما يحصل، بل يجب دعم من يقاتل هؤلاء ويمنعهم من التمدد حتى الوصول إلى بلادنا"
في هذه الأثناء قُتل السفير الأمريكي في ليبيا بعد أن كان الأمريكيون قد ساعدوا الثوار على هزيمة القذافي، وخرج رئيس الائتلاف الوطني ليقول بأن النصرة جزء من الشعب والثورة السورية.... المقارنة باتت واضحة إذا وليست بحاجة إلى تحليل وتعليل، وتداعيات الأمر أصبحت مفهومة.

 

توفرت الفرص تلو الفرص للنصرة لتصحيح ما خربته، وتمنّى معظم السوريين عليها إعلان انفصالها عن القاعدة وتجنيب البلاد خطر استعداء العالم لهم، حتى الولايات المتحدة وجّهت رسائل بهذا الخصوص ونصحت المعارضة السورية بدفع النصرة لتفعل ذلك مقابل رفعها من قائمة المنظمات الارهابية، لكن الجولاني كان يخرج في كل مرة ليقطع الشك باليقين ويؤكّد ارتباط تنظيمه بالقاعدة وامتثاله لأوامر الظواهري، واتباعه نهج بن لادن الذي قتل 3000 أمريكي وفجّر مترو لندن وقطارات مدريد.

اليوم نقرأ بياناً لإحدى الفصائل برفضها الهدنة المزمعة التي اأعلن عنها الرئيسان الروسي والأمريكي فقط من مبدأ أن ذلك يعدّ غدراً بالنصرة التي تم استثناؤها من الهدنة.... كنت أعلم دوماً أن النصرة ستكون العائق الأكبر حين نصل للحل السياسي، فلا المجتمع الدولي سيقبل بها، ولا هي سوف تتوقف عن القتال وتقبل خسارة المشروع الذي قدمت كل هذه التضحيات لأجله، وكنت متأكداً أنه في اللحظة التي سوف يصل فيها السوريون للحل، ستظهر النصرة لتعطّل كل شيء.

اليوم نحن أمام خيارين
إما أن نقبل بحلّ خارج النصرة ودونها، ونتركها لمصيرها الذي اختارته بنفسها
وإما أن أن نكون أوفياء لها ونرهن مستقبل الشعب السوري والبلاد لمصيرها االمحتوم الذي تخبرنا به أفغانستان

علِّق