Your rating: لا يوجد (1 vote)
عدد القراءات: 19782

منحتُ غرفة من منزلي للاجئة سوريّة.. والآن أصبحت بمثابة أخت لي

الكاتب الأصلي: 
Loujean Alsaman and Lucy Pavia
تاريخ النشر: 
20 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

الصورة:  من اليسار، لجين السمان ولوسي بافيا.

 

عندما قدّمت "لوسي بافيا" وزوجها غرفة في منزلهما لـ"لجين السمان"، وهي لاجئة من سوريا، لم يعلم أحد منهم ما الذي سيحدث، لكن على مدى الأشهر الستة التي أمضوها سوية، أقامت السيدتان علاقة أخوية وثيقة.

 

 

تتحدث لجين عن تجربتها، فتقول:

حدث الأمر عندما بدأت الفتيات بالاختفاء في بلدي، لتقرر عائلتي أنه لم يعد آمناً بالنسبة لي البقاء في سوريا بعد ذلك، فقد توقفهنّ الشرطة على أحد الحواجز ولا يرجعن بعدها إلى المنزل. إن مدينة دمشق، التي وُلدتُ ونشأتُ فيها، من أكثر المدن أماناً في سوريا، لكن الوضع فيها ما يزال خطراً بالرغم من ذلك. كما أني أتذكر صوت القذائف لدى انفجارها في الليل وانقطاع التيار الكهربائي وعودته. في ذلك الوقت كنت في العشرين من عمري وكنت أدرس الأدب الإنكليزي في جامعة دمشق. لم أكن أريد أن أغادر بلدي حقاً، فقد رباني جداي هناك. وقبل شروعي في رحلتي إلى المملكة المتحدة، كانت الأسواق التجارية أبعد مكان سمحت لي عائلتي بالذهاب إليه.

 

لقد كانت الرحلة صعبة، وما زلت أجد أن تجربتي هذه يصعب الحديث عنها؛ عبرت الكثير من البلدان للوصول إلى هنا، وبعد وقت قصير من وصولي سمعت من أحد الأصدقاء عن جمعية خيرية تقدّم غرفة للاجئين في بيوت المملكة المتحدة. بدايةً، وجدت فكرة العيش مع غرباء محرجة بعض الشيء، إذ ما الذي سيرغم شخصاً لم ألتقِ به قط على الشعور بالمسؤولية تجاهي؟ ونظراً لأني امرأة أتيت هنا دون عائلة، كنت متوجّسة إزاء سلامة العيش مع غرباء، لكنني فكرت أيضاً في أن ثقافتي قد تكون قضية مهمة بالنسبة لهم كذلك. فأنا فتاة مسلمة ولا أشرب الكحول، هل سيشعران بالإهانة إذا ما قدما لي النبيذ ولم أقبل؟ هل سيجدان أنه أمر غريب إذا ما شاهداني أصلي؟

 

بيد أنني عندما التقيت بلوسي وزوجها ويل، توقفت عن القلق. تعرفنا على بعضنا عن طريق الجمعية من خلال البريد الإلكتروني في البداية، وبعدها نسقنا فيما بيننا لنلتقي في مقهى بالقرب من منزلهما جنوب لندن. جلسنا هناك مدة ساعة شرحت لهما فيها وضعي وحدثتهما عن البلد الذي ترعرعت فيها. لقد كانا لطيفين ومنفتحين، وانتقلت للعيش معهما بعد أسبوعين. وبرغم دراستي للأدب الإنكليزي، كان العيش مع أشخاص يتحدثون الإنكليزية كلغة أساسية أمراً مختلفاً تماماً. وما زالت أجد بعض تعبيراتهم وكلماتهم ممتعة، مثل "ridiculous" و"That's so weird". وقد تعلمت تدريجياً في المملكة المتحدة أن "I'm fine" تعني "لا شكراً". أما في سوريا، في حال قال أحدهم تلك الجملة نعتقد أنه مهذب ونواصل ملء طبقه بالطعام.

 

لقد كان حلمي يتمثّل في إتمام دراستي في إحدى الجامعات البريطانية، إلا أن التقدم لمكان كهذا يتطلب حصولي على درجة عالية في امتحان اللغة الذي لا بد للطلاب الدوليين من اجتيازه ليثبتوا تمكنهم من اللغة الإنكليزية. وقد كان ويل يجلس معي كل مساء بعد انتهائه من عمله لمساعدتي في الدراسة أو الاطلاع على المقالات التي كنت أكتبها على الرغم من أنه يكون متعباً.

كنا نشاهد التلفاز سوياً مع ترجمة للأفلام لأتمكن من استخراج الكلمات، وكنت قد أخبرت لوسي كم يذكرني مسلسل " Pride and Prejudic" بالثقافة السائدة في سوريا اليوم، وأن ذلك يذكرني بالطريقة التي تُقدِّم فيها العائلة فتياتها للرجال الذين يتقدمون لخطبتهن. وأخبرتها كذلك

أن جميع السيدات السوريات يشبهن السيدة "بينيت" قليلاً، وذلك أن فكرة تزويج فتياتهن تستحوذ على تفكيرهن.

 

وكنا نخرج في بعض الأحيان للقاء أصدقاء ويل ولوسي، وفي إحدى المرات ذهبنا إلى حانة للاحتفال بميلاد أحد أصدقائهم وشعرت عندها أني كنت في واحد من الأفلام الأمريكية التي كنت قد شاهدتها في دمشق. واكتشفت أيضاً مدى محبة الشعب البريطاني للكلاب، كما كان لدى جيران لوسي وويل كلبة صغيرة تدعى "بايبر"، وقد اعتادت التسلل عبر السياج لتلقي التحية، لكنني لم أنتبه لوجودها كثيراً لأنها كانت صغيرة كقطة.

وبعد أن تعرّفنا إلى بعضنا أكثر، سمحت لي لوسي باستعارة الثياب من خزانة ملابسها. وقد كان من الممتع بالنسبة لي أن أرتدي فساتين في الأيام العادية كالنساء البريطانيات؛ ذلك أننا لا نرتدي هذا النوع من الملابس سوى في المناسبات الخاصة. بالإضافة إلى ذلك، فالمرأة البريطانية امرأة طبيعية، وتعلّمت من لوسي أنه لا بأس في خروجي من المنزل دون وضع مساحيق الزينة، أما في دمشق فلم أجرؤ قط على تخيل خروجي من المنزل بوجه خالٍ من الزينة.

 

لم يكن الأمر بتلك السهولة على الدوام؛ إذ على الرغم من شعوري بالأمان مع لوسي وويل غير أني لم أنسَ الحرب، كما فقدت القدرة على النوم بسبب شعوري بالقلق تجاه أصدقائي وعائلتي في سوريا. لربما أكون في مأمن هنا، لكن ماذا عنهم؟ لقد كان وصف هذا الشعور صعباً في بعض الأحيان، وفي أحلك الأوقات كنت أتساءل ما إذا كان يجب علي أن أخاطر وأن أظل في دمشق أم لا. لقد كنت أشعر بشيء عاطفي لدى تنشقي لرائحة الياسمين في حديقة لوسي وويل إذ يذكرني هذا بشوارع بلدي، كما كنت وجدتي نقوم باقتطاف الأزهار قبل أي شيء في الصباح لنملأ أرجاء المنزل برائحتها. لم أرَ جدتي منذ أعوام، إني أفتقدها كثيراً.

 

واليوم، أرى في ويل ولوسي أخايّ البريطانيين. وعندما كنت ما أزال أعيش في دمشق، فتحت والدتي أبواب منزلها لاستقبال اللاجئين الذين غادروا إلى المدينة بعد أن قُصفَت قراهم. وقد كنا نتكلم عبر الهاتف من وقت قريب وقالت لي: "لربما وفقكِ الله بأن أحضرك للعيش مع لوسي وويل، لأننا فتحنا منزلنا للاجئين".

 

وتحدثنا لوسي، فتقول:

عندما أفكر في لجين لا أستطيع إلا أن أتذكر حقيبتها الضخمة الضاربة إلى الحمرة. وفي ذاك المساء عندما انتقلت للعيش معنا، دفعت بتلك الحقيبة من عتبة المنزل مباشرة إلى المطبخ حيث بدأت على الفور بسحب أكياس ملفوفة بعناية تحتوي على مواد غذائية كانت قد ابتاعتها ذلك اليوم، وكانت عبارة عن أكياس من الأرز ولحم الضأن المفروم والبامية وعصير الرمان، وبدأت الأكياس بالظهور من الحقيبة الواحد تلو الآخر. ومنذ ذلك الحين اعتادت لجين أن تطهو لنا، مرة في الأسبوع على الأقل، إحدى الوصفات التي علمتها إياها جدتها أثناء نشأتها في دمشق، إذ كانت تملأ أطباقنا بجبال من الأرز إلى أن نخبرها بحزم أننا قد اكتفينا. لقد تغيرت حياتها على نحو لا يمكن تصوره في الأعوام القليلة الفائتة، وكنت أدرك كم كان مهماً ذلك العشاء الأسبوعي بالنسبة لها، إذ كان نوعاً من استحضار روح الوطن.

 

C:\Users\Bayan\Desktop\5486.jpg

من اليسار، لجين، ويل ولوسي.

في تلك الليلة الأولى، استلقيت وويل في سريرنا نستمع إليها وهي تقوم  بإفراغ حقيبتها في غرفة النوم المجاورة وتساءلنا عما كنا نفعله. قبل 4 أشهر كنت قد عثرت على حملة تقديم منازل للسوريين، وهي عبارة عن مجموعة من الجمعيات الخيرية التي تؤمّن غرف نوم احتياطية في منازل المملكة المتحدة للاجئين المحتاجين، ومن ثم اقترحت على ويل أن نسجل. كانت الجمعية حديثة تماماً عندما اشتركنا فيها، كما أخبرنا المؤسس "ريتشارد" أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت قبل أن يأتي أحد ما للمكوث معنا. كان هناك جزء مني يعتقد بأن الأمر لن يحصل على الإطلاق، ولربما كان هناك جزء صغير مني أيضاً يأمل ألا  يحدث شيء من هذا. لكن بعد ذلك وفي مطلع شهر يناير/ كانون الثاني، تلقينا بريداً إلكترونياً يقدّم لنا فتاة من دمشق تبلغ من العمر (22عاماً) تدعى "لجين".

ومبادرة منازل للسوريين هذه لا تقدم غرفاً على أساس دائم، كما أن المدة الموصى بها لاستضافة أحدهم تتراوح بين شهر إلى 6 أشهر، ما يكفي من الوقت لمنح ذلك الشخص فكرة وخلفية وفرصة ليبدأ بالاندماج في بلد لم يتوقع البتة أن ينتهي به المطاف فيها. لقد كنا متزوجين حديثاً ولم يسبق لنا أن قمنا بشيء من هذا القبيل سابقاً، لذا اقترحنا مبدئياً مدة 6 أسابيع، لتمكث معنا لجين مدة 6 أشهر.

 

كان الأسبوع الأول غريباً بعض الشيء، وكانت لجين تتحدث بعض الإنكليزية لكننا لم نكن نتحدث العربية، فكان هناك الكثير من الإيماءات المضحكة والجمل المتقطعة الغريبة مثل: "coffee for you?" أو "towels here". لقد تصورت الكثير من الأمور قبل مجيئها، لكني لم أتوقع أن نجد أننا مضحكون. ومع تحسن لغتها الإنكليزية، اكتشفتُ روح الدعابة في شخصيتها، كما اكتشفت أنها مضحكة لا سيما عندما أحاول التحدث بالعربية، واكتشفت كذلك حبها لـ" Wotsits".

 

لقد سألتني ذات مرة بفضول حقيقي: "لديك الكثير من مساحيق التجميل، لكن يبدو أنك لا تضعين شيئاً منها؟"، قالت ذلك وهي تقصد الصندوق البلاستيكي الذي يحوي منتجات أبقيها مخبأة تحت مغسلة الحمام. لقد سمحت لها بأن تستخدم مجموعات ظل العيون التي لم ألمسها قط، فضلاً عن استخدام خزانة ملابسي. لم ألتقِ قط بشخص يهتم بتغيير ملابسه لكل مناسبة. ومؤخراً كنا نتواصل عبر الرسائل، وقد اعتذرت لي بأنه ينبغي لها أن تغادر لأنها مضطرة لتستعد لحفلة ميلاد تلك الليلة، وكان الوقت 3 مساءً.

وعلى الرغم من أن التعرف عليها أكثر كان سلاحاً ذا حدين، بيد أن سماع ما مرت به كان الأكثر إيلاماً. كانت هناك لحظات اضطررت فيها إلى الذهاب إلى غرفة النوم، وإشعال الراديو والبكاء. لقد كانت شخصاً متفائلاً في معظم الأوقات، لكن في أحيان أخرى كانت أخبار القصف في بلدها تضايقها كثيراً لتتحول إلى شخص لا عزاء له، وقد كانت تلك الأوقات التي شعرت فيها بالعجز الشديد. وفي يوم ميلادها، أي قبل بضعة أسابيع من انتقالها إلى منزلها الجديد، تناولنا السمك ورقائق البطاطا واستمعنا إلى " power ballad" لسيلين ديون  في المطبخ. وقبل خلودنا إلى النوم، أخبرتني أن تلك المرة كانت الأولى منذ عامين التي أمضت فيها مساءً دون التفكير بالحرب.

 

لقد مضى عام على انتقالها، وفي الصيف الماضي اجتازت امتحانها وتدرس الآن القانون في الجامعة. تأمل لجين أن تصبح في يوم من الأيام محامية ناشطة في حقوق الإنسان مثل أمل كلوني. وكنت قد أخبرتها أنها عندما تعيش في " Lake Como" أتوقع أن أكون وويل أول ضيوفها.

 

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2489768

مقالات المترجم