عدد القراءات: 392

معوقات الباحثين الشباب في العالم العربي

لا شكّ أن المطلب العاجل والأساسي في وقتنا الراهن هو بناء العقل وإعادة ابتكار حالة معرفية يكون فيها العلم والفن والفكر دستوراً اجتماعياً وخلقياً، ويجب أن نكف عن ذهنية المحاكمة التاريخية وإلقاء اللوم على الآخرين. إن ما يصنع تاريخ الأمم هو انجازاتها، وإذا كان للعرب والمسلمين دور تاريخي في الحضارة الإنسانية، فقد كان ذلك في ما مضى، أما الآن فأي متتبع لحركة النشر والقراءة والبحث سيلحظ مستوى التهافت الذي أشرفنا عليه، فلا يُحتفى بعلمائنا إلا في الخارج ولا ينتجون إلا في بلدان الغربة، ولا يحظون بأقل القليل من الدعم المؤسساتي والاجتماعي إلا في أدنى الحدود، وحتى في أكثر البلدان رفاهية في عالمنا العربي، ألا يجدر بنا التساؤل عن مستوى الهوة التي تفصلنا عن الحضارة في مستويها العلمي والأخلاقي ؟.. من منا لم يصدم بصور التناقض الفكري لدى المثقفين منا ؟.. ما هي البديهيات التي لم نتعرف عليها بعد على مستوى الحريات الاجتماعية والفكرية ؟.. الفكر لدينا مقيد والإنسان مسحوق بين آلة السلطة ومحرمات المجتمع، هذا وأكثر من ذلك بكثير، فكيف لنا ننادي بجيل شاب خليق بالعلم وجدير بالحرية ؟..

 

هوية البحث والباحث

كما هو معلوم فإن ما يحدد هوية الفرد، هو ما ينتجه، وكذا الأمة. وهذه الهوية هي التي تزيل الإحساس بالاغتراب عن المجتمع بالنسبة للفرد، فإذا كانت فاعلة ستغدو بالضرورة ذات وقع في المجتمع وحتى في نسق التاريخ وعلى مستوى مجموعة من الأفراد. وحتى لا نبتعد كثيراً بالتحليل، سنتفحص الخطوات والعقبات التي تعترض الباحث في بداية تاريخه المهني، وكيف ينجح في التصدي لهذه العقبات، أو يصبح رقماً عادياً في التعداد السكاني.

أولاً: بحسب الفرضية القائلة بان الجامعات هي البيوت التي تنشأ وتزهر فيها العقول البحثية، حيث نرى آلاف من الطلبة ومئات من الأساتذة، ولكن يسلك الطلاب في هذه الجامعات مسلك التلقين بدلاً من التنقيب، فما يتعلمه الطالب هو مجموعة من المقررات التي لا يمكن تخطي السنوات الجامعية دون استظهارها، فيكون التقييم هو تقييم رقمي بالنسبة للمقرر بدلاً من التقييم الوظيفي والأدائي البحثي، ويلزم عنه في نهاية المطاف خريجون مجيدون بالاستظهار ولا يحيدون عما يبغيه أساتذة القسم في الكلية. حيث نرى أن معظم الجامعات العربية لا تحظى بالترقيم الدولي للمعايير العلمية والبحثية، وذلك ناشئ بالطبع أن الأساتذة خاملون وغير منتجين، فضلاً عن ذلك فالهوة عميقة بين الجامعة ومؤسسات الدولة الاقتصادية، وتزيد النسبة العامة للطلاب الخريجين كل عام في كلا الجامعات الخاصة والحكومية. مما يعني تكدس عقول شابة لم تمارس وتتعود اقتفاء المشاكل النظرية والبحثية والقيام بحلها، وإنتاج رؤية جديدة في العلوم.

ثانياً: ينجح البعض من الطلبة بالفوز في منح الدراسة العليا الداخلية والخارجية، ويعودون لملء الشواغر المطلوبة متعهدين بالقيام بالعمل الوظيفي الروتيني، ذلك أن السياسة العامة لا تأخذ كثيراً في اعتبارها الدعم الاقتصادي البحثي وانتخاب العقول النيرة لتملأ دور ومراكز البحث العليا. حيث تشيد البيروقراطية والطرق التقليدية الكثير من المعوقات الإدارية والشكلية السبيل أمام الباحثين الشباب الجادين في التحصيل العلمي النوعي، أي العمل الإبداعي . 

ثالثاً: تحاول مجموعات من الباحثين غير المكلفين إدارياً تشكيل نسق بحثي في العلوم المختلفة، ومنهم من يكلفه ذلك الجهد والوقت دون أي أجر، ويسعون لنشر أعمالهم في الجامعات لكن دون جدوى، فالجامعة مكان لتعلم المهن وليست للبحث العالي في أغلب الحالات، إلا ما أنشأته الحكومات وتضطلع بمراقبتها وإدارتها في كثير من الأمور. فلا يجد مفراً هؤلاء من البحث عن دور النشر ومراكز أبحاث تعنى بنتاجاتهم، وهنا الطامة الكبرى، فالعديد من تلك المراكز إن لم كلها تقريباً، قد ارتبطت بمؤسسات السلطة، أو من يدور في فلكها من رجال الساسة أو سماسرة الرأي والمحللين في بلد من البلدان، حيث أن رجال الاقتصاد في بلداننا العربية لا يغدقون المال ولا ينشئون المراكز ولا يتعهدون المؤتمرات البحثية أو العلمية في جل البلاد العربية، بل لا نكاد نسمع إطلاقاً بهكذا فعاليات إلا إذا دارت في فلك السياسة المفرغة من مجالها الفكري أصلاً لحساب المصالح الشخصية . في حالات ناردة تنشأ بعض الجمعيات الأهلية مستفيدة من جهود بعض الكتاب والبحاثة ونادراً ما يكون نشاطها دائماً، كون الجهد فيها مجاني، ويغيب فيها العقل المؤسساتي لدور البحث .

رابعاً: ومع كل ما ذكرنا يصر البحاثة على اجتياز تلك العوائق ورسم ملامح أفق جديد في المعرفة، وكأنهم قديسو المعرفة، وحيث لا تعنى المراكز الاقتصادية التي تحظى بالدعم المالي بالاهتمام ببحوثهم مدعية وبكل سخف أن تلك الأبحاث والمنشورات لا تدخل ضمن خطة النشر فيها، فقط لكونها تملك نهجهاً علمياً، فما يهم القارئ والمشاهد في وسائل الإعلام والانترنت كل ما يدخل في خانة السطحي والدعائي الفارغ لذوي السلطة والإعلام، وهنا نسأل هل ما زال البحث العلمي والإبداع رفاهية ؟ .. لماذا يغيب عن إعلامنا الاهتمام بالكتب والبحاثة والنتاج الفكري ؟..

                                      

خاتمة وتنبيه

إذا ما زلنا مصرين على تغييب العقل البحثي، وإهمال رجال الفكر، وإضفاء المزيد من التعمية الإعلامية بالكثير من المواد الترفيهية على حساب النقد الذاتي والبحث عن معنى الهوية الحضارية للأمة، وإعلاء شأن الأفكار الاستباقية والدوغمائية، فلا سبيل للنهوض من حالة السلب التي نحياها في كل مناحي حياتنا، فنحن مغتربون عن كل ما ينتجه العالم المتحضر، ورغم أننا نمتلك أفضل الوسائل التقنية والتواصل والخدمات العلاجية والاقتصادية، إلا أننا نجهل تماماً تاريخ الأفكار والفلسفات التي أخرجت تلك الوسائل، تراثنا العلمي لا نعرف عنه إلا ما تنتجه مراكز الاستشراق والبحث في العالم الغربي، مبدعونا واقعون تحت نير التسلط بكافة أشكاله السياسي والاقتصادي والاجتماعي والموروث  .ألا يكون قصب السبق والفهم عندما نجح نصير الدين الطوسي وأولاد موسى بن شاكر وعمر الخيام بإقناع هولاكو إبان القرن الثاني عشر الميلادي بإنشاء مرصد مراغه في سمرقند ليكون المؤسسة العلمية والبحثية التي أشعت على العالم بأسره، هل تفوق العقل الإداري لجموع التتر في نقل وتحديث الفكر على عقلنا الجمعي في غابر الزمن ؟.. ماذا ينقصنا اليوم حتى ندرك أن الهوية هو ما نبدعه بعقولنا، لا ما نقتنيه من أسواق الآخرين الفكرية والتكنولوجية ؟.. فبناء الأوطان رهن ببناء العقول، وليس بالارتهان المطلق بالكسل والأفكار الثابتة. هذا وليس أكثر فإن الأمر يحتاج لجهود مكثفة وحقيقية من أجل تصحيح المسار وإيقاظ العقل الجمعي من حالة السبات الحضاري.

علِّق

المنشورات: 1
القراءات: 392

مقالات الكاتب