عدد القراءات: 6338

مستقبل سوريا بين (التقليديين) و(القوى الجديدة)

تعامل النظام السوري الثورة السورية بعقلية الإنكار، ولم يدرك طبيعة التغييرات التي حصلت في المجتمع السوري في السنوات الماضية، خاصةً فيما يتعلق بشريحة الشباب تحديداً، ومايمكن أن نسميه القوى الجديدة على وجه العموم.
من هذا المدخل، يمكن اعتبار النظام (تقليدياً) بالمعنى الشائع للكلمة.
لكن المفارقة أن هذا التوصيف ينطبق على آخرين في المجتمع السوري، قد تكون فيهم شرائح تنتمي إلى الثورة نفسها، خاصةً في صفوف المعارضين السياسيين.
ففي حين يعيش البعض على وقع التاريخ، ويتحرك آخرون على وقع الأيديولوجيا، تتجاوز القوى الجديدة طرق التفكير والعمل التاريخية والأيديولوجية، وتفرض تدريجياً حضورها في كثيرٍ من مفاصل الواقع السوري بجميع تجلياته الثورية والسياسية والاقتصادية، بعد أن أشعلت هي الثورة.
ولئن (اختطفت) القوى التقليدية، من جميع الأطياف، مسار الثورة في راهنها المعروف، إلا أن دورها يتآكل بفعل ممارساتها وطريقة تفكيرها، ولو حصل هذا بشكلٍ لاتراه العين المباشرة.
لم يعد ثمة مكانٌ اليوم لممارسات سياسية تتمحور حول المناورات و(الكولسات) والمحاصصات وتوزيعٍ الكراسي والمواقع دون إنتاجٍ وعطاء وخدمةٍ حقيقية للثورة. وإذا كانت ظروف المرحلة الأولى من الثورة السورية قد سمحت بطغيان هذه الطريقة في التفكير والعمل السياسي، وسمحت لأصحابها بتصدّر المواقع، فإن الإصرار على هذا المنهج في التفكير يخصم بقوة من رصيد أصحابه.
لايمكن لسوريا الثورة أن تعيش إلى مالانهاية على عقلية الرموز التاريخية. ورغم التقدير لعطاء تلك الرموز وتضحياتها، سيكون من الظلم لها ولسوريا أن نحاصر حاضر البلد ومستقبلها في هذا المفرق. فالمواقع الجديدة تتطلب كثيراً من الديناميكية والحيوية والإبداع والحركة بلغة العصر وأدواته. والقوى الجديدة مؤهلةٌ لامتلاك تلك الآليات والتصدي للمواقع المطلوبة ثم ملئها بكل أهليةٍ واقتدار.
إلى ذلك، سيكون معيباً في مسار الثورة تقوقعُ القوى السياسية في إطاراتها التنظيمية الأيديولوجية وخطابها التقليدي. يقول العرب أن (لسانَ الحال أبلغُ من لسان المقال). وحين تغرق بعض هذه القوى، وخاصةً حين تكون شبابية وثورية، في ممارسات توحي بقدرٍ كبيرٍ من (البارانويا) تجاه المكونات الأخرى، أياً كانت وأياً كان انتماؤها، وبغض النظر عن (التفاهمات) العلنية التكتيكية المؤقتة، فإن هذا يظلم تلك القوى قبل أي شيءٍ ويظلم أصحابها وشعاراتهم الثورية. وهو مايُظهر أن القوى الجديدة أقدر على تجاوز الواقع المذكور بحكم فهمها المتقدم لقضايا التعددية وآليات إدارة التنوع والاختلاف والتعايش.
لكل دهرٍ دولةٌ ورجالُ. هذا مثلٌ عربيٌ معروف يُعبّر عن أحد قوانين الاجتماع البشري السائدة في كل زمانٍ ومكان. وإذا كان هناك زمنٌ سوريٌ يمكن أن ينطبق عليه هذا المثل فهو هذا الزمن الذي نعيشه.
لايمكن لشعبٍ أن يستمر في امتلاك القدرة على العطاء في هذا الزمن الصعب، بشكلٍ تتم فيه عملية التفاعل مع متغيرات العصر، وتجاوز مراحل الترهل والاهتراء، مالم تحصل فيه عملية تكامل الأجيال في جميع المجالات. فتتراكم الخبرات والتجارب، ويبني الجديد على القديم، ونسمح لعجلة التاريخ أن تسير.
بدون هذا، يُصبح الوقوف عند مرحلة معينة أو عند عطاء شريحة محددة، أياً كانت وأياً كانوا، المسمار الأول في نعش ذلك الشعب.
في هذا الإطار، ثمة مسؤوليةً تقع على كاهل الساسة السوريين التقليديين من جميع ألوان الطيف الفكري والثقافي، بحيث يكونوا قادرين على الانسجام مع طروحاتهم ومبادئهم وشعاراتهم التقدمية الوطنية والقومية والشرعية والحداثية، وعلى امتلاك القوة النفسية التي تُمكِّنهم من فتح المجال أمام كل عطاءٍ أصيلٍ في أي مجال، بدل الإصرار على البقاء إلى أبد الآبدين في كل الواجهات والمشاريع والمؤسسات. هذا يصدقُ، مرةً أخرى، على مؤسسات سوريا السياسة وأحزابها وجماعاتها ومجالسها وائتلافاتها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
وإذا كنا قد تحدثنا عن المسؤولية الملقاة على عاتق المخضرمين، فإن المسؤولية الأكبر ملقاةٌ على عاتق القوى الجديدة في سورية من ثوارٍ ونُشطاء وساسةٍ وتكنوقراط. وسيكون معيباً بحق هؤلاء أن ينتظروا إحسان المحسنين ليعطوهم مواقعهم المُستحقة.. فالأصل أن يمتلكوا التصميم العزيمة، وأن يقتحموا جميع الأسوار، ويدقوا جميع الأبواب التي تبدو موصدةً، بينما هي في كثيرٍ من الأحيان مهترئةٌ إلى حدٍ كبير، ولن تقف أمام سيل التجديد والإبداع، الذي إن انساح، فإنه سيقتحم جميع الحصون.
من ناحيةٍ ثانية، على أمثال هؤلاء، إن أرادو فعلاً ضمان عملية تكامل الأجيال، أن يبذلوا جهداً حقيقياً ليمتلك عطاؤهم صفات التجديد والإبداع والإضافة بشكلٍ واضح بعيداً عن الشعارات والمظاهر، وأن يتجنبوا التكرار والتقليد، لأن الاحتفاظ بالنسخ الأصلية في تلك الحالة سيكون أفضل من وجودهم على وجه التأكيد.
ثمة قصةٌ معبرة في هذا المجال. فعندما خرجت أفواجٌ من النشطاء إلى إحدى الدول الأوربية مع بداية العام الثاني للثورة، ذكرت لي شخصيةٌ سوريةٌ مخضرمة تمتلك حضوراً وعلاقات أنها، وبعض زملائها، حرصوا على استيعاب هؤلاء الشباب للعمل في بعض المؤسسات. لكن المفاجأة كانت أن جمعاً من هؤلاء كانوا يأتون متأخرين إلى العمل، ولايُظهرون التزاماً بتقاليده الصارمة هناك. وكان الأسوأ أنها اكتشفت أن السبب يكمن في قضائهم الليل في السهرات واللقاءات.
لاتعميم في الموضوع، لكن هؤلاء لايمثلون، بالتأكيد، القوى الجديدة التي نتحدث عنها.
لقد جاء في بعض الأثر أن الإمام ابن عبد البر قال: "ليس من شيءٍ أضرَّ على العلم من قولهم: ما ترك الأول للآخِر، بل الصواب عندنا: كم ترك الأول للآخر". وإذا كان هذا صحيحاً، وهو كذلك على وجه اليقين، فإن على من ينتمي حقاً لمفهوم القوى الجديدة أن يعملوا للإنجاز والعطاء، منطلقين من فهم العالم، بتغيراته وتوازناته، ومن امتلاك القدرة على الحديث بلغته ومفرداته، واستعمال أدواته.
بالتالي، فإن أي مشروعيةٍ لوجود هؤلاء إنما يمكن أن تُستمدَّ من خلال الإنجاز، ومن خلال إثبات قيمة عطائهم وإبداعهم عملياً، وليس فقط من خلال الإدعاء والشكوى. وهذا كله لا يتم إلا بتجنّب عمليات (الاستسهال) التي كثيراً ما يقع فيها البعض سواء كانوا مخضرمين أو شباب، ولكن وقوع الشباب فيها هو أسرع طريق لإثبات عدم أحقيتهم في تحقيق عمليتي تكامل الأجيال وقيادة الواقع.
وأخيراً، فقد نُقل عن ابن مالك مقولته: "وإذا كانت العلوم منحاً إلهيةً ومواهب اختصاصيةً فغيرُ مستبعدٍ أن يُدَّخرَ لبعض المتأخرين ما أعسر على كثيرٍ من المتقدمين، نعوذ بالله من حَسدٍ يسدُّ باب الإنصاف ويصدُّ عن جميل الأوصاف".
فهل تكون لدى الكثيرين ممن يدّعون الغيرة على سورية وثورتها ومستقبلها القدرة على الارتفاع إلى هذا المستوى من التجرد النفسي، بل ومن الفهم الحضاري المتقدم، والعمل بمقتضياته الواضحة؟ هذا هو السؤال، لأن إجابتهُ ستكون مصداقاً لوطنيتهم الحقيقية في نهاية المطاف

علِّق