عدد القراءات: 1242

محمد الزعتري: عندما تسكت القنابل، يمكن أن تبدأ الموسيقى

 

المقال الأصلي منشور في صحيفة  libertatea الرومانية على الرابط (اضغط)

ترجمة:  مازن رفاعي - رومانيا

 

خداع الموت بالزحف هربا من القنابل ومن الجوع ومن الأسلحة الكيميائية . كان التحدي الرئيسي للفنان السوري وعازف العود " محمد الزعتري " الذي لجأ إلى رومانيا من مدينته حلب التي حولتها الحرب إلى خرائب .

هناك عاش الزعتري مراهقة  تميزت بالإحباط والمعاناة والعوز . لم يكن العوز ماديا، بل كان فقدان أشياء بسيطة.  ولكنها عميقة . كحرية التعبير  وحرية  الراي ، يعتقد "محمد"  ان المعاناة القاسية في سوريا ليس لها حدود. فقدَ محمد الكثير من أحبائه في الحرب، وفقد المنزل الذي ولد وعاش فيه، واوشك على أن يفقد حياته . قبل فراره إلى رومانيا ...هنا تعلم اللغة الرومانية  وقرأ روايات للكاتب الروماني المعاصر"  مارين بريدا " ولكن الأمر الأكثر أهمية بالنسبة له  انه أحبّ رومانيا، وتمكن من دخول المعهد الموسيقي وأصدر أول البوم موسيقى له بعنوان " اكثر صمتا من الصمت"

 

"هناك أطفال ايتام ومعاقون مدى الحياة"

من الصعب على "محمد الزعتري " أن يصف الحياة التي عاشها في سوريا، فقد شهد نظاما قمعيا -على غرار نظام نيكولاي شاوشيسكو- مبني على أساس الشرطة السياسية "المخابرات".  حاول السوريون القيام بثورة، لكن تلك الثورة  فشلت في إزالة النظام من  السلطة، وتحولت التظاهرات  في الشوارع إلى حرب أهلية استمرت لفترة سبع سنوات.

محمد أتى رومانيا لاجئا عام 2013  ورغم ذلك لازال من الصعب عليه أن يتحدث عن اللحظات الرهيبة التي عاش فيها حيث ولد.

"ما معنى  الخيارات الصعبة ؟

هو خيار الخطوة هناك اما أن  تكون نحو الموت  أو أن تستمر بالعيش .

يقول " محمد " لم يكن أي شيء في حياتي صعبا،  ولكن فجأة أصبحت أمام خيارات صعبة : خيار صعب ان تستمر  بالعيش الآن في سوريا في رعب الأمن، وان تمارس يومياً خداع الموت بالزحف هربا من القنابل ومن الجوع ومن الأسلحة الكيميائية.

خيار صعب البقاء على قيد الحياة، خيار أن تبقى إنسانا بعد أن تشهد التعذيب في السجون .  وان تبقى انسانا بعد أن ترى وتسمع وتشعر ما يحدث حولك.....في سوريا ليس هناك حدود للخيارات الصعبة .

هناك اسر فقدت أطفالها في السجون والمجازر . هناك أطفال يتامى  ومعاقون مدى الحياة  بسبب وجودهم هناك ..هناك عائلات اختفت بشكل كامل، هناك مجاعات ومظالم ومعاناة وفقدان للملكيات ..

يتابع محمد " فقدت اثنين من أفراد عائلتي ومنزل أجدادي في القصف، ولكنني لاأزال حيا وموجود هنا"

 

 

 

طوال حياته  كان " الزعتري "  يضع أشارات  استفهام

هل من الطبيعي إطاعة الأوامر ؟  

هل من الطبيعي ان يتم اعتقالك لأنك عبرت عن وجهة نظرك ؟

يقول محمد:  في داخلي لم تكن هناك إجابات واضحة عن هذه التساؤلات. في سوريا من السهل جدا ان يتم سرقة كرامتك، وأنت مجبر على القيام بأشياء،  واي اعتراض او تعليق قد يحرمك من حريتك او يفضي بك الى الموت.

عشت مع هذه المخاوف، وكأطفال كنا مجبرين من قبل الحزب على السير في تظاهرات لنعبّر عن حبنا للقائد.. في الحقيقة لم نكن نعي ما نفعله،  ولماذا كنا خائفين . وان كان المعلم يهددنا!  .... كل ما أتذكره انه خوفنا من العقاب .  فالضرب في المدرسة كان اعتياديا.

في بعض الأيام وبعد مشاركتي في تظاهرات " حب القائد " كنت اصل المنزل متجمدا من البرد ومبللا حتى الجلد.  هذه المشاعر حفرت أحاسيس عميقة في الوجدان،  اعتقد أن السوريين والرومان يمتلكون نفس تلك المشاعر  من خلال الأحاسيس والمعاناة المشتركة  للصعوبات التي مرت عليهم .

لقد حرمت من الحرية ... أتذكر يوماً ما نقاشا مع صديق حين سألته  لماذا ؟  لماذا حين يسألك الشرطي عن إبراز هويتك يطلب منك ذلك بلهجة قاسية أمرة متعالية ؟

 

في رومانيا وجد الملجأ والحب

محمد أحس بضرورة مغادرته لسوريا، كانت لحظات صعبة لأنه ترك خلفه عائلة وأصدقاء وقبل تلك الفترة كان قد تعرف  على "ماجدة "  حبيبة العمر.

يقول " محمد " قرار المغادرة كان نابعا من النفس،  وفي حينها كانت معرفتي بماجدة لم تتجاوز السنتين ..ماجدة أرسلت لي دعوة  لزيارة رومانيا، وهنا تناقشنا وقررنا الزواج.

ماجدة هي صديقتي وزوجتي وحبيبتي، نتشارك نفس الأفكار والاهتمامات والصور والعائلة. أتذكر كيف وصلت ليلا إلى بوخارست وبالسيارة توجهت إلى  مدينة " براييلا ".  لاحظت في الطريق وفرة الأشجار، وكثرة المطبات في الطرق الضيقة فشعرت وكأنني في سوريا .

الانتقال إلى بلد جديد ولغة جديدة وثقافة جديدة مختلفة ليس بالأمر السهل، مع رغبتي في الدخول للمعهد الموسيقي كحلم راودني دائما منذ أيام المراهقة، بدأت الطريق ولكنه مازال طويلا لتحقيقه.

اول العقبات في رومانيا عندما اكتشفت انه لا يمكن تعديل شهادتي،  وبالتالي لا يمكنني اجتياز فحص القبول للمعهد الموسيقي، هذا الأمر لم يقلقني بل ولّد لدي تحدٍ،  فقررت الحصول على شهادة الثانوي الرومانية ، لم اكن أفقه ولا كلمة باللغة الرومانية، بدأت التعلم في العائلة  ...أعطتني زوجتي الدروس، وبعدها تابعت الدروس في معهد ثقافي مختص، وحصلت أيضا على دروس خصوصية في المنهاج الروماني، درست كثيرا وبالطبع واجهت صعوبة في اجتياز امتحان اللغة الرومانية  فلجات إلى تقوية لغتي عبر مسرح الكاتب  الروماني المسرحي "كاراجياليه " والسينما الرومانية والكاتب الروائي "مارين بريدا ".

 

محمد فنان معروف في العالم العربي. يعزف على الة "العود"، آلة موسيقية وترية

يتابع محمد : لقد استمتعت دائما بالموسيقى، واستمع إليها مع  عائلتي وأصدقائي في الخارج وفي المنزل". كانت الموسيقى بالنسبة لنا خلفية موسيقية لسيناريو حياتنا اليومي، نستمع إلى فيروز  عندليب لبنان او مادونا الشرق  وعلى انغام صوتها تبدا حياة كل سوري .

تجربتي الأولى في الغناء كانت على مسرح الجامعة في مدينتي حلب في حفل موسيقي اسمه " عود" وكان برفقتي عازفي عود .

في رومانيا  مع صديقي اللاجئ  الإيراني "مهدي امينيان"  اطلقنا ضمن مشروع "احياء الجذور"البوم" اهدأ من الصمت ".  مصدر الإلهام للمقطوعات الموسيقية ضمنه لم تأت من الفولكلور الروماني، وإنما من حياتنا اليومية في رومانيا وفي الشرق الأوسط .

بدا المشروع بعد صداقة مع "مهدي "  حيث عزفنا سويا واقمنا حفلات ، وفي احدى الأيام قررنا ان نأخذ المبادرة  بإطلاق الألبوم ..الألبوم يتضمن  موسيقى جديدة بتأثير شرقي فارسي – حلبي،  وعلى المستوى الفكري هو احتجاج على ضوضاء العالم  . وحث على الإنسانية ووسيلة لإظهار التعاطف مع السوريين في محنتهم .هو تحد فني حقيقي لأنه يجمع ثلاثة أساليب موسيقية مختلفة أوربية وعربية وإيرانية.

 

علِّق