عدد القراءات: 1986

مجرد تساؤل.... هل يكافح الإرهاب بالحرية الجنسية ؟

قبل الخوض في مشروعية هذا التساؤل، والتعريف بمفاهيمه التي يتضمنها "عنف - حرية جنسية" ،أود التصريح مالذي دفعني أو حرضني على هذا التساؤل؟  

كنت للتو قد شاهدت مقطع فيديو لأحد المقاتلين و هو يحتضر،  يدّعي في سكراته أنه يقابل حور العين !! ،كنت أشاهد و أفكر "ما الذي يدع شبابنا أن يحلم بالجنس السماوي و يترك ما في الأرض من حور عين ؟  ألا يوجد على الأرض حور عين؟"  أو بتبسيط أكثر، أليس المثل القائل:  " عصفور باليد أحسن من عشرة على الشجرة "  هو من إرثنا الشعبي ؟  ألا تملىء الحسناوات الأرض ونحن نحلم بما وراء الطبيعة؟

على الرغم من تناسل الكتابات المتناولة لمفهوم العنف، والمحللة للدوافع النفسية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية، المكونة لسلوك وعقليات المدبرين والمنفذين لفكر التشدد الإسلامي المتولد عنه الإرهاب، قلّما نجد دراسة تتناول أثر العامل الجنسي في تكوين الفكر والعقلية المتشددة وما يترتب عليها من سلوك على حد سواء..

بعض علماء الإجتماع و الطب النفسي ربطوا ما بين الكبت الجنسي في بعض المجتمعات، و زيادة ظاهرة العنف و الإرهاب و ارتفاع منسوب التوتر و الصراع داخل المجتمع، لذلك نتحدث اليوم عن الكبت الجنسي، أو بتعبير آخر : هل نحن مكبوتون جنسياً ؟ وهل يوجد أزمة كبت جنسي في مجتمعنا إن صح السؤال؟؟  

 

سأنطلق في إجابتي على هذا التساؤل من أكثر من فرضية إجتماعية:

 لنرى أولاً إلى أين سينتهي بنا المطاف، وماهي الفرضيات الأخرى وراء الكبت الجنسي بمجتمعنا ومالذي يتولد عنها؟؟                                             

دعنا نبدأ من فرضية ارتباط الكبت أو الحرمان الجنسي بالظروف الإجتماعية "السكنية" بوجه ظاهر أي مشكلة المسكن، ففيما تتميز هذه الظروف بالإثارة الجنسية فإنها لا تسمح بإرضائها، إذ ينحدر معظم المتشددون و منفذوا العمليات الإرهابية من أحياء فقيرة و مهمشة في ضواحي المدن الكبرى في العالم العربي و الإسلامي، فالأحياء الفقيرة تتميز مساكنها بالضيق والإكتظاظ وانعدام الخدمات الصحية و التعليمية من ناحية أولى، و غلاء تكاليف الزواج وتبعاته الذي يجعل مسألة تكوين أسرة بشكل شرعي و طبيعي شبه مستحيلة عند كثير من الشباب، مما يجعل إمكانية الدخول في نفق الكبت الجنسي و التوتر الإجتماعي أو اللهاث وراء الموت عن طريق العمليات الإرهابية شديدة الإحتمال.

تقول بعض الإحصاءات إن هناك 2.5 مليون شاب و شابة يدخلون كل عام في سن بدء تكوين أسرة، و هناك نسبة 80% لا تتمكن من تكوين هذه الأسرة بسبب صعوبات ارتفاع تكاليف الزواج و تبعاته بعد ذلك.

إن ثقافة الكبت الجنسي ذات المنشأ الإجتماعي و الديني، وثقافة تأثيم الجسد، هي البيئة الحاضنة للعنف في الكثير من أبعاده، بدءاً من ذلات اللسان عند الغضب مستخدماً كل ماله علاقة بأعضاء الأنثى التناسلية، وصولاً إلى أقصى أبعاد العنف و هي التفجير الإنتحاري تحت مسمى "عملية استشهادية " ثمنها الحور العين أي"العشرة على الشجرة "

إن الكبت الجنسي لم يعد مشكلة غربية في أوروبا وأمريكا و الدول الإسكندنافية منذ سنوات خلت، و هذا صحيح إلى حد بعيد، و لكن ليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الكثير من المجتمعات الشرق أوسطية، التي تطبق مبدأ الفصل بين الجنسين، في المدرسة والجامع و الجامعة، وفي قاعات الأفراح وبيوت العزاء وأحياناً حتى في موائد العشاء العائلي.

 

أظنُ أنه بدأت تظهر ملامح الإجابة على تساؤلي الأول، أو بدأت تتجلى مشروعية السؤال:

هل من علاقة بين الكبت الجنسي و العنف؟  و بالأخص في تجلياته الأكثر وضوحاً بالبلاد العربية؛ التحرش و الإرهاب،أو من حيث تصديره للآخر على شكل انتحاريين اسلاميين متشددين.

السؤال إذا مشروع وغيره أيضاً من الأسئلة، كالسؤال البالغ الحساسية، الذي طرحه الصحفي إياد شربجي، من أشهر قليلة على صفحته إبان العمليات الإرهابية التي ارتكبت بحق المسيحيين في مصر، حيث سأل: "لماذا يكون الإرهابي أو مايدعى إستشهادي دائما مسلم ؟!!"

سؤال على الرغم من حساسيته العالية ولكنه مشروع برأيي، وسأحاول الإجابة عليه،   و إجابتي على هذا السؤال ذات شقين: 

-  الأول : هو أن الفهم الخاطئ أو اللامنطقي لنصوص القرآن الكريم، أدى بشريحة واسعة جداً من الناس لعدم الإعتراف بالغريزة كمكون إنساني، فترتب على ذلك ثقافة كراهية وإلغاء للآخر الذي يعترف بالغريزة وقتله أينما وجد " واقتلوهم حيث ثقفتموه"

أما الشق الآخر : فهو الإستبداد السياسي في جميع الدول العربية الإسلامية، فأينما وجد الإستبداد السياسي وجد العنف ضد الجسد و تأثيمه، و حالما إختفى الإستبداد السياسي اختفى معه العنف. إن جاكرتا عاصمة الدولة التي تضم أكبر عدد من المسلمين في العالم تقريباً تكاد تنعدم فيها أشكال التحرش الجنسي في الشارع، و يقلّ فيها العنف الإجتماعي إلى أدنى مستوياته، حيث تمشي المرأة كيفما كان لباسها في معظم الشوارع دون أن تتعرض لأي تحرش أو أذى أو تعنيف ..

هذه المرة لن أتردد بالعودة إلى (وليام رايخ) : " الإشباع الجنسي يقلص من نزوع الإنسان إلى العنف " و الحال أن ذلك الشعب الآسيوي المسلم يشبه الشعوب الأوربية كثيراً، و يتقاطع معها في وضوح الرؤية حيال النص الديني و غياب الإستبداد السياسي. فلا يعاني من عقدة الجنس، و لا تبعث الممارسة الجنسية في وجدانه أدنى شعور بالذنب أو العار.

 

 إن الكبت الجنسي بحد ذاته عنف، عنف على النفس،  فالكبت سواء كان جنسياً أو غير جنسي فهو مولد للعنف، والإنسان أو الناس عدوانيون بطبعهم، و لكن ليس بالضرورة عنيفون، إذ يمكن حل النزاعات بالمفاوضة و غيرها، ما يمنع التحول للعنف، و هنا التفريق مهم جداً بين العدوانية كطبيعة، و بين العنف كثقافة مكتسبة من منابع عدة أهمها الكبت الجنسي..حتى عند بعض الحيوانات "على سبيل الإستطراد "  أحكي قصة، في حوض سباحة مخصص للدلافين، تلك الكائنات الذكية جداً و المحببة لنا كثيراً، قام أحد الدلافين الذكور فجأة بالإنقضاض على مدربته، ملحقاً به جروحاً بليغة، و حين تم تقصي الحالة، وجد أن ذلك الدلفين كان يعاني من كبت جنسي، و تم وضعه بعدها مع إناث من جنسه حتى يعود لحالته و هدوءه الطبيعي.

 

ليس الكبت كله بل معظمه ذو منشأ ديني، و الشرائع الدينية تمنع الحريات معظمها، و لكن بصورة خاصة الجنسية منها!!  حتى في حالة الزواج تمنع المجتمعات الدينية حق الإختيار بالتعرف على الفتاة قبل الزواج، ليس كل المجتمعات الدينية طبعاً بل معظمها، بما فيها المجتمعات المسيحية قبل قلع أنياب الكنيسة و تأثيرها الثقافي، فالكبت الجنسي عند الرجل يولّد العنف، وعند المرأة يولّد تديناً شديداً : " أنا ما بحب أتزوج، أنا تزوجت المسيح " !!.

يمثل العنف نوعاً من التفريغ الجنسي، إنه تفريغ للكبت الجنسي المتراكم على مدى سنوات من الحرمان " اللبيدي " و الشح العاطفي، و شيطنة الشهوة، و تأثيم الإستنماء، و تقديس العذرية، والتخويف من فقد البكارة، و تجريم العلاقات الجنسية.

ولأن الضغط يولد الإنفجار، طبيعي أن تنفجر في وجوهنا تلك الأجساد المكبوتة أو المكتوية بلهيب الشعور بالذنب.. إن أغلب منفذي الهجمات الإنتحارية من غير المتزوجين، و تتراوح أعمارهم ما بين 16 و 30 عاماً، أي ذروة الرغبة الجسدية الجنسية.. للأسف ما زلنا نهمل دور العامل الجنسي في الإرهاب و تجنيد الإرهابين المراهقين، رغم أدبيات التطرف و الجماعات التكفيرية التي لا تخلو من استغلال علني لهذا الجانب عبر ما تقدمه من إيحاءات و إغراءات و دعوات صريحة. 

حيث يقدم الجنس صراحة لشحذ الإرهاب و التجنيد، و تنفيذ العمليات الإنتحارية التي تستهدف و تقتل دون استثناء حتى في المساجد و المصلين.

الكبت الجنسي لدى الشباب أمر ليس بالسهل إطلاقاً، فهو يقود " العزّاب " و المراهقين في مراحل سنية مختلفة إلى اتخاذ قرارات جنونية وانتحارية، وإلى الإنقياد إلى دعوات وأحلام ووعود أدبيات الجماعات المتطرفة الإرهابية و دعاتها و رجال دينها..

لنلتفت سريعاً إلى عودة الجواري، و بيع السبايا، و قبل ذلك طريقة تصوير "الحور العين" و عددهن و تقديم وصف تفصيلي متخيل عنهن، و هو ما يراه المكبوت جنسياً حلاً نهائياً لمعضلته..

 

يقول الطبيب النفسي الشهير"كارل غوستاف يونغ" :

"إن الكبت الجنسي ليس مجرد كبت غريزة، بل إن خطورته تجعل الإنسان يتدهور روحياً و معنوياً، عذاب نفسي و إحساس عميق باليأس و إنعدام القيمة.. الجنس هو طاقة حيوية و إيجابية تعمل على توازن الشخص روحياً و معنوياً، و المكبوتون جنسياً يشعرون أن مرتبتهم الإنسانية قد هبطت إلى مستوى المعوق أو المجنون.. لذا يصبح الكبت المحرك القوي في النظام النفسي لدى الإنسان، و نقطة ضعف ملائمة لتحول الكثير من الشباب إلى الجماعات الإرهابية، بحثاً عن قيمة.  ثم الإعتقاد بالوصول السريع إلى الملذات المنتظرة بعملية انتحارية تختصر العذابات النفسية"

 

أخيراً كما بدأت مادتي بتساؤل ؟؟ أختم بهذا السؤال الذي سأل عنه شيخ وهابي: " هل يجوز وطأ الغلمان المخلدون " ؟؟!! فأجاب هذا الشيخ : " نعم يجوز وطؤهم لأن الذي لم يطأ غلاماً في الدنيا، فإن الله سيكافؤه بهؤلاء الغلمان ليطأهم " !!!!. 

وأترك  للقارئ تفكيك هذه الحالة البسيطة والمعقدة في آنٍ معاً، ربما يتولد عندكم ذات السؤال الذي تولد عندي ؟؟

ترى من المنحرف بينهما السائل أم الشيخ المسؤول؟؟

 

التعليقات

ابدا اﻻصﻻح بنفسك وقدم اهل بيتك اوﻻ فقد تستطيع المساهمة في التحرر من الكبت الجنسي

علِّق