No votes yet
عدد القراءات: 5829

مترجم: هل الحضارة الغربية في تراجع؟

الكاتب الأصلي: 
Robert Skidelsky
تاريخ النشر: 
30 تشرين الثاني (نوفمبر), 2015


حسبما أوضحت البحوث الغربية مؤخراً، فإن الافتراض التلقائي القائل بأن مستقبل المواطن الغربي سيكون الأفضل قد بدأت تضمحل.

لفت هجوم باريس الإرهابي الانتباه مرة أخرى إلى الغيوم التي تلبد سماء القرن الحادي والعشرين والتي تحجب شعاع الأمل الذي بدا لأوروبا والغرب بعد انهيار الشيوعية، مؤكدة أنه من الأفضل أن نعيد التأمل بما قد يحدث مستقبلاً نظراً للأخطار المتنامية يوماً بعد يوم.
فعلى الرغم من تلك النبوءة الوهمية، إلا أنه من المتوافق عليه أن التوقعات قد بدأت بالتراجع، فوفقاً لمعهد البحوث الاجتماعية ايبسوس موري ( فإن الافتراض التلقائي القائل بتوافر مستقبل أفضل للجيل القادم قد بدأ بالتراجع في أغلب الدول الغربية). ففي عام 1918، نشرت أوزوالد شلينغر بياناً  يتبأ بهذا تحت عنوان (تراجع الغرب). هذة الكلمة أصبحت من المحرمات في الوقت الحالي حيث تنكر لها ساستنا لصالح كلمة التحديات كما استبدلها اقتصاديونا بمفهوم( الكساد العلماني).عموماً، فإن المصطلحات قد تتبدل لكن الاعتقاد القائل بأن الحضارة الغربية تعيش في الوقت المستعار وعلى الدين مازال نفسه.
ولكن ما السبب الحقيقي وراء ذلك؟


الحكمة التقليدية تقول: بأن الأمر ببساطة هو مجرد رد فعل على مستويات المعيشة الراكدة. ولكن السبب الأكثر إلحاحا ًوالذي تسرب إلى رأي الجماهير هو فشل الغرب في إنشاء بيئة دولية آمنة حاملة للقيم والمبادئ  التي قامت عليها الحضارة الحالية، وذلك بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. يُعتبر المثال الأكثر وضوحاً على ذلك هو تصاعد الإرهاب الإسلامي، حيث لايُشكل الإرهاب بحد ذاته خطرا ًوجودياً،  إلا أن الأمر الأكثر كارثية هو تفكك الدول الحاضنة له. 
فالعالم الإسلامي يحتوي على 1.6 مليار شخص، أو 23٪ من سكان العالم.و قبل مئة عام فقط، كان واحدا ًمن أكثر المناطق سلمية في العالم؛ أما اليوم فهو الأكثر عنفاً. لكن هذا الوضع لايُشبه الرؤيا السطحية للكاتب فرانسيس فوكوياما-1989- والتي أشار إليها في بيانه- نهاية التاريخ، عندما تنبأ بتدفق أعداد هائلة من اللاجئين بسبب الاضطرابات في الشرق الأوسط والتي  ستضرب قلب أوروبا.


مايحدث هنا يرتبط بشكل أو  آخر بنظرية صدام الحضارات للكاتب صاموئيل هنغتون، لكن الواقع هو بأن الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والعثمانية، البائدة، لم تُوجد لها بديلاً مستقرا ًفي العالم الإسلامي. كما أن المستعمرات الأوروبية تتحمل  المسؤولية الكبرى نتيجة لإيجادها دولاً سطحية قابلة للاضمحلال خلال نهاية فترة تواجدها في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الوريث الأمريكي لم يقم بدور أفضل، فقد شاهدت مؤخراً فيلماً يُدعى حرب شارلي ويلسون يحكي كيف قامت الولايات المتحدة بتسليح المجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وفي نهاية الفيلم يقول العميل السابق للولايات المتحدة والسياسي –ويلسون- عند عودته للقاء الطالبان وبحوزته المال بأنهم قد فازوا فوزاً عظيما ً،إلا أن النهاية لم تتم كمايجب. ( النهاية غير كاملة) سببها التدخلات العسكرية المستمرة للولايات المتحدة الأميركية في شؤون الآخرين منذ حرب فيتنام، حيث تقوم الولايات المتحدة بإشعال الحرائق هنا وهناك عن طريق التدخل العسكري المباشر أو بتسليح القوات المعارضة للحكومات ومن ثم تقوم بتدمير هيكلية تلك الدول لتنسحب بعد ذلك تاركة تلك الدول في حالة من الفوضى.
من غير المرجح أن السياسات الأمريكية تعكس النظرة المثالية لهذا العالم والتي تعتبر صناعة الديمقراطيات بسهولة التخلص من  الديكتاتوريات، الحقيقة هي أنها تقوم باستخدام هذة الأسطورة للتغطية على عدم الرغبة باستخدام القوة بشكل دائم وبحنكة كبيرة للوصول إلى الأهداف المرجوة. على كل حال فإن أغلب المعدات العسكرية التي تمتلكها القوى العظمى تنتهي فاعليتها عن انتهاء دورها .


لهذا السبب اقترح روبرت كاغان اقتراحه المضلل و المحافظ الجديد في العام 2003  " الأمريكيون من المريخ والأوربيون من الزهرة"... المقولة صحيحة إلى حد ما كون الأوروبيين قد اختاروا الطريق السلمي أكثر من الأمريكان، إلا أنه طريق مشلول ومترهل وغير قادر على الدفاع عن حدوده التي تتواطأ من خلاله أكذوبة الإنسانية. وعلى الرغم من ذلك لا يُعد الطريق الأمريكي المتقطع وغير المنتظم  في القيادة  ذا جودة مريخية.
وعموماً، من الملاحظ بأن تراجع الغرب يسير جنبا ًإلى جنب وصعود الشرق ولاسيما الصين( من الصعب معرفة ما إذا كانت روسيا في مرحلة صعود أو هبوط، في كلتا الحالتين يُعتبر الأمر مقلقاً) فالتأقلم مع قوى صاعدة في ظل تراجع النظام العالمي نادراً مايحدث بشكل سلمي. إلا أن الحنكة الغربية والصينية قد تستطيعان تفادي الحرب: وسيكون ذلك مكسبا ًعظيماً للتاريخ.   
وفي ظل هذا الوضع، فإن التزايد في هشاشة النظام السياسي الدولي سينعكس سلبا ًعلى آفاق الاقتصاد العالمي. فهذا التعافي يُعتبر الأبطأ في تاريخ الأزمات الإقتصادية الكبرى. أسباب ذلك معقدة، إلا أن جزءاً من التفسير يكمن في ضعف التجارة الدولية. ففي الماضي، اُعتبر التوسع التجاري المحرك الرئيسي للنمو في العالم، إلا أنه الآن يتخلف وراء انتعاش الإنتاج( الذي يُعتبر بطيئاً بحد ذاته).وسيكون هذا النظام العالمي السياسي المضياف في طريقه إلى الزوال. أحد أعراض هذا الفشل هو عدم القدرة على اختتام جولة الدوحة للمفاوضات التجارية بعد 14 عاماً. فالاتفاقات التجارية والنقدية مازالت قائمة إلا أنها تتخذ منحىً إقليميا ًوثنائياً بشكل متزايد عوضاً عن الترتيبات المتعددة الأطراف، وبالتالي فإن الهدف من ورائها هو خدمة الأهداف الجيوسياسية بشكل أوسع. على سبيل المثال: فإن الشراكة التي تقودها الولايات المتحدة عبر المحيط الهادئ موجهة ضد الصين ومبادرة طريق الحرير الصينية الجديدة هي عبارة عن رد فعل لاستبعادها من التي بي بي المؤلف من 12 دولة.


لعل هذة المساومات الإقليمية خطوة نحو تجارة حرة على نطاق أوسع، إلا أنني أشك بالأمر. فعالم تحكمه الانقسامات السياسية هو عالم مقسم تجارياً ومصاب بوسواس الحماية والتلاعب بالعملات. وللأسف، فإن السياسيين لايزالون يحثون الشعوب على الاستعداد لمواجهة تحديات العولمة بالرغم من تسييس العلاقات التجارية، وبالتوازي يتم طرح أسئلة خجولة هنا وهناك عن مدى الفائدة المرجوة من خفض التكاليف عبر الأتمتة. في كلتا الحالتين، يحاول السياسيون إجبار السكان التواقين للأمان على التكيف. هذة الإستراتيجية ليست يائسة فقط وإنما هي وهمية أيضاً، فمن الواضح أنه كي يبقى هذا الكوكب صالحا ًللسكن فإنه من الواجب إفساح المجال للتنافس على كافة الأصعدة.
وباختصار، فإننا بعيدون كل البعد عن تطوير نظام ذي مبادئ وسياسات موثوقة يقودنا نحو مستقبل أكثر أمناً. فلا عجب إذاً أن يتطلع سكان الدول الغربية إلى المستقبل بتشاؤم.    

علِّق

المنشورات: 27
القراءات: 188849

مقالات المترجم