No votes yet
عدد القراءات: 2147

مترجم: طريقة بوتين في مكافحة الإرهاب

الكاتب الأصلي: 
Ana Maria Luca
تاريخ النشر: 
5 تشرين اﻷول (أكتوبر), 2015

 في الأول من أيلول (سبتمبر) عام 2004، اقتحم 32 جندي من لواء شهداء رياض الصالحين بقيادة رئيسهم الشيشاني شامل باساييف مدرسة في بيسلان شمال أوسيتيا، وهي جمهورية مستقلة من جمهوريات الاتحاد السوفيتي في شمال القوقاز، اتخذ المسلحون 1100 رهينة وكان من ضمنهم 700 طفل ذهبوا إلى المدرسة يومها لبدء عام دراسي جديد.

استمرت المواجهة على مدى ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث نجح المفاوضون في التوصل إلى اتفاق مع المسلحين لاستبدال الأطفال السبعمائة بعدد مماثل من الشخصيات الروسية المعروفة التي أبدت استعدادها لحل محلهم. كان يفترض أن يتم التبادل في الثالثة عصراً، لكنه لم يتم أبداً. فقبل ساعتين من الموعد حدثت أمور غريبة، إذ داهمت قوات الأمن المدرسة وأنهت الحصار مخلفة 394 قتيلاً بينهم 200 طفلاً. وبعد انفجارين على سطح المدرسة التهمت النيران المبنى وانهار السقف على الرهائن تحته، فبقوا عالقين وماتوا حرقاً.

وقد بين تحقيق أجرته لجنة في مجلس الدوما الروسي (ما يعادل مجلس النواب في البرلمان) بأن الحدث المؤلم بدأ مع إطلاق عيارين ناريين من خارج المدرسة، وقال شهود أن أحد قناصة القوات الفيدرالية الروسية قد أطلق النار على مقاتل كانت قدمه على زناد سلاح  أحد المقاتلين القتلى، وأنه قد أصاب عدداً من الرهائن بفعلته تلك. لكن الرواية "الرسمية" عن الحكومة الروسية قالت بأن المسلحين فجروا قنابل وسط الرهائن، مما "فاجأ المفاوضين والقادة الروس".

هكذا تتعامل روسيا مع الإرهاب. بطريقة أو بأخرى ينتهي الأمر بموت العديد من المدنيين الأبرياء خلال محاولتها القضاء على بعض المسلحين، ويبدو أن الغاية دائماً تبرر الوسيلة عند الكرملين، والأمور دائماً واضحة وضوح الشمس ولا تكون ضبابية أبداً، وما من اعتذارات، بل فقط محاولات حثيثة لإخفاء الحقائق.

لم يكن هذا الحدث فريداً من نوعه، فقبل عامين من حادثة بيسلان، وتحديداً  في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2002، وقعت حادثة رهائن مسرح دوبروفكا السينمائي، حيث قام قرابة 40-50 مسلحاً موالياً الحركة الإسلامية المسلحة الانفصالية في الشيشان، قاموا باتخاذ 850 رهينة في المسرح مطالبين روسيا بالانسحاب من الشيشان. بعد يومين وصلت قوات الأمن القومي الروسي إلى الموقع وضخت مادة كيميائية في نظام التهوية التابع للمسرح، مما أدى إلى مقتل المسلحين على الفور بعد غيابهم عن الوعي، ومعهم 130 من الرهائن، وعندما طلب الأطباء اسم المادة المستخدمة ليعالجوا المصابين رفضت وكالات الأمن الإفصاح عنها.

كانت المشاهد التي عرضتها وسائل الإعلام مروعة. جثث صُفت تحت المطر أمام المسرح تنتظر الأقارب للتعرف عليها، ولخصت الرواية الرسمية سبب الوفاة بـ "الإرهاب".
 

بوتين وورقة الإرهاب

يمكن لأي مطلع على أمور روسيا الداخلية وعلى كيفية عمل إدارة بوتين أن يستنبط الهدف من دخول بوتين إلى سوريا، أولاً ليبدو وكأنه البطل الذي أنقذ الشرق الأوسط وليؤكد على كون روسيا قوة عظمى، وبعمله ذلك يحافظ على كرسي القيادة في الكرملين ويرفع من شعبيته. وهي حتماً ليست المرة الأولى التي يلعب فيها بوتين هذه الورقة.

وبالعودة إلى أحداث روسيا قبل عام 2000، نرى أن فلاديمير بوتين قد تقلد الرئاسة  بعد سلسلة تفجيرات في أيلول (سبتمبر) 1999 طالت بنايات سكنية في بايناكسك في موسكو وفي فولجودنسك في الحرب الثانية على الشيشان. وبعد محاولة تفجير فاشلة أبلغ عنها سكان بناية مستهدفة في ريازان، ألقى بوتين -وكان حينها رئيساً للوزراء- بلائمة التفجيرات على القوقاز مصنع الثوار الإسلاميين، وأصدر أمراً بقصف جروزني عاصمة الشيشان.

إلا أن قوات الشرطة الروسية اعتقلت مرتكبي التفجير الفاشل بعد مرور 36 ساعة، ولعل المفاجأة (أو انعدامها) تكمن في أنهم كانوا من قوات الأمن. وسمَته الحكومة الروسية يومئذ بـ "التدريب"، إلا أن العديد في الإدارة الروسية تساؤلوا عما إذا كانت تلك التفجيرات مفبركة لإسباغ الشرعية على الحرب ضد الشيشان ولإيصال بوتين إلى الكرملين. تم إطلاق تحقيق رسمي في الأمر تولته هيئة مستقلة من مجلس الدوما، إلا أنه تم اغتيال اثنين من أعضائها لاحقاً.

وعلى صعيد آخر تعد روسيا جمهورية شبه رئاسية يتقاسم فيها الرئيس والمشرعين السياسيين السلطة. ومن المفارقة أن بوتين كان المرشح الأضعف في آب (أغسطس) عام 1999 ليخلف بوريس يلتسن كرئيس للدولة، فشعبيته لم تكن تتجاوز نسبة 31% بينما 37% من الشعب الروسي لم يسمع به من قبل. أما بعد التفجيرات وحرب الشيشان الثانية فقد ارتفعت شعبية بوتين إلى 84%، وهكذا أوصل الإرهاب بوتين إلى السلطة عام 2000 وسيبقيه فيها طالما أجاد لعب هذه الورقة. جدير بالذكر أن روسيا مقبلة على انتخابات تشريعية في 2016 يرجح أن يفوز فيها حزب بوتين "روسيا الموحدة".
 

موقف روسيا الملتوي بشأن سوريا

لكل من لم يفهم جدوى الغارات الروسية على مناطق لا علاقة لها بالحرب على إرهاب الدولة الإسلامية، نقول أن التدخل الروسي في سوريا سيكون أشبه بأزمتي بيسلان ودوبروفكا، حيث سيُقتل بعض مقاتلي الدولة الإسلامية ومعهم الكثير الكثير من المدنيين الذين سيُعلن أنهم توفوا نتيجة الإرهاب. وسيؤكد بوتين على عدم وجود أي مجموعات للثوار في سوريا سوى الدولة الإسلامية، ورواية روسيا الرسمية ستكون أنها تلتزم بضرب مواقع الدولة الإسلامية فقط، ولن تعترف قط بقتل المدنيين ولن يكون هناك أي تحقيق في قصف ما أعلنته الأمم المتحدة كموقع تراث عالمي، بل سيكون دوماً قاعدة للدولة الإسلامية أو مخزن أسلحة، فالغاية تبرر الوسيلة.

حرب روسيا ليست ضد داعش، وداعش ليس عدواً لروسيا بالتحديد ولا يشكل خطراً داهماً على موسكو كما يفعل مع الدول الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا وهولندا. لكن أهمية داعش بالنسبة للكرملين تكمن في شهرته، فالشعب الروسي قد سمع به ويعلم أن الولايات المتحدة مترددة في مواجهته. ودخول روسيا في عرض البحر المتوسط بكامل عتادها (رغم عدم لزوم الأسطول البحري لمحاربة داعش) يستحضر حقبة كانت فيها موسكو تتصدر مسرح الأحداث عندما كانت عاصمة الاتحاد السوفيتي، وهذا سيكون في صالح بوتين وحزبه.. روسيا المتحدة.

في النهاية لا تعدو الضربات الروسية في سوريا كونها جزءاً من حملة بوتين الانتخابية، وهي مكسب لكل الأطراف، فمصانع الأسلحة الروسية تغتنم الفرصة لتفاخر بقنابلها الذكية وطائرات السوخوي Su-34 التي تدك معاقل داعش، وكلما زادت وتيرة الضربات كان ذلك للأفضل. وكما تفضل خبراء الأرصاد الجوية الروسية: الطقس ممتاز لشن غارات جوية في سوريا.

علِّق

مقالات المترجم