No votes yet
عدد القراءات: 4436

مترجم: سوريٌّ في غرفة الضيوف.

الكاتب الأصلي: 
Vanessa Schneider
تاريخ النشر: 
19 كانون اﻷول (ديسمبر), 2015

بالنسبة لبعض العائلات الفرنسيَّة فإنَّ الالتزامَ الأخلاقيَّ يقتضي ببساطة فتحَ أبواب المنزل أمام اللاجئين، وهذا ما فعلتْه عائلةُ   Gerrierالمُقيمة في إقليم "هوت دو سين" التي لم تأسفْ على استقبالها الشابَّ "هادي" ذا التسعةَ عشر عاماً..

تُمسكُ الأمُّ "نتالي" بعصا القيادة في هذه العائلة، فهي التي تردُّ على هاتف المنزل، وهي التي تفتحُ بابَه للزائرين وتقترحُ عليهم فنجاناً من القهوة أو كأساً من الماء، وهي التي تقترحُ أيضاً المكان المُناسبَ لجلوس كلِّ زائرٍ وتقتسمُ معه الأحاديث.
إنَّها تُعبِّرُ عن نفسها بصوتٍ جهوريٍّ مرحٍ ومُتوتِّرٍ في نفس الوقت، وقد قَبِل زوجُها كريستوف وأولادُها الثَّلاثة "تيموثي وماران وملكيور" هذه الهيمنةَ كما يبدو لنا.
لكنَّ هذه الهيمنةَ لم تمنعْ أفرادَ الأسرة من قول كلمتهم في الاجتماع العائلي الذي انعقدَ قبل أشهرٍ وقرَّر استقبالَ بعض اللاجئين السوريِّين.


في مقاطعة "كولومب" الواقعة في إقليم "هوت دو سين" حيث تمتلكُ عائلة "ناتالي" منذ اثني عشر عاماً منزلاً واسعاً ومُريحاً مع حديقةٍ وحمَّامِ سباحةٍ ساخنٍ ومُغطَّى، كانت العائلةُ قد استقبلتْ أوَّلاً فتاةً لاجئةً شابَّةً اسمُها "رشا".
وفي زيارتنا هذه وجدْنا الشابَّ هادي ذي التسعة عشرَ عاماً وقد نزلَ ضيفاً في الغرفة المُخصَّصة للضيوف منذُ أسبوعٍ تقريباً.
جاء هادي من دمشق حيثُ ماتزالُ عائلتُه هناك، لقد عاشَ رعبَ الحرب، لم يأتِ إلى هنا عبر القوارب الصغيرة التي تُصارعُ يوميَّاً أمواجَ البحرَ المتوسِّط، بل سعتْ أسرتُه "أبواه، أبناءُ عمومته، أعمامُه وأخوالُه" في وصوله إلى فرنسا عبر بيروت جوَّاً.
وصلَ إلى باريس في أيلول وتوجَّهَ بناءً على عنوانٍ وتوصيةٍ من أصدقائه السورييَّن إلى بعضِ أتباع الكنيسة، فحظيَ بعد ذلك بعناية مؤسسةٍ اسمها Welcome "أهلاً وسهلاً"، فهي التي تتُابعُ طلبَه للحصول على إقامة اللجوء السياسي وتهتمُّ بالإجراءات الإداريَّة اللازمة لذلك، وقد ألحقتْه بجامعة السوربون لاتباع بعض الدَّورات من أجل تعلُّم اللُّغة الفرنسيَّة، وكانتِ الدَّليلَ الذي جاءَ بهادي ليعيشَ مع أفراد هذه الأسرة الفرنسية.

 

يبستمُ هادي كلَّ الوقت، لذلك طلبَ منه المُصوِّرُ بلباقةٍ التوقُّفَ قليلاً عن الضحك، إنَّه يرتدي ملابسَ مُتَّسقة مع الجوِّ الذي يعيشُ فيه، وهي تبدو أنيقةً ومن نوعٍ جيِّدٍ "بنطالٌ من الجينز، سترةٌ خضراء تعتلي قميصاً بنفس اللون".

يُمضي نهارَه في باريس مُلتزماً بدروس تعلُّم اللغة الفرنسيَّة، وفي المساء وأيَّام العطلة يكونُ مع عائلة   Gerrierويلعبُ مع أولادها، يُرافق أحياناً السيدة نتالي إلى السوق، ويدعوه الجيرانُ إلى طعام العشاء معهم أحياناً.
"إنَّه يبدو واحداً من أفراد العائلة ويحتفظُ في جيبه بمفتاح البيت"، قالت نتالي ذلك بحماسٍ، هذه المرأة التي تُضفي حضوراً جميلاً مع عينيها الخضراوين الجائلتين في كلِّ مكان، وملابسها الأنيقة فهي ترتدي سترةً جلديَّةً ورديَّة اللون، وقميصاً طُبِعَ عليه اسمُ "فرقة الرُّوك"، مع عقدٍ من اللؤلؤ يُزيِّنُ تلك الملابس.
تبدو الحياةُ بسيطةً إذا نظرنا إلى علاقة هادي مع عائلةGerrier   ولا أدلَّ على ذلك من سرعة الاستغناء عن استخدام الكلمات الرسميَّة التي يتوجَّبُ استخدامُها حين الالتقاء بغرباء عنَّا .
الشابُّ اللاجئ له غرفتُه مع الحمَّام الخاصِّ بها، ويُسهمُ في الأعمال المنزليَّة متل الآخرين، يجلسُ على إحدى كنبات الصّالة ليُشاهدَ التلفاز ويحاولُ الانسجامَ مع النقاشات من حوله.
"لم أكن أعتقدُ أنَّ العائلات الفرنسيَّة تحتملُ استقبالَ شخصٍ مثلي وتُكرمه بهذا الشكل

نحنُ في سورية استقبلنا كثيراً من اللاجئين اللبنانيين وقبلهم استقبلنا أيضاً اللاجئين الفلسطينيين، لكنَّ هؤلاء مسلمون مثلنا، لذلك لم أكن أنتظرُ من عائلةٍ غيرِ مسلمة أن تفتحَ أبوابَ بيتها لشخصٍ من دينٍ آخر". قال الشابُّ السوريُّ

 

لا تنظرُ عائلةُ Gerrier إلى كون "هادي" مسلماً أو غيرَ مسلم، هذا الأمرُ لا يعنيها وطرحُه قد يزعجها "أنا كاثوليكيَّة لأنَّني وُلدتُ في فرنسا، ولو أنَّتي وُلدتُ في بلدٍ مُسلم لكنتُ مُسلمةً، هذا غيرُ مُهم، الشيءُ الذي يعنيني هو الحالةُ الرُّوحيَّة للإنسان". هذا ما قالتْه ناتالي.
لا تعتبرُ عائلةُ  Gerrier  أنَّها تقومُ بعملٍ استثنائي كما يقولُ كريستوف : "أجدادي كانوا يستقبلون اليهود الذين فرُّوا من بطش الألمان خلال الحرب العالمية الثانية".
تعتبرُ العائلةُ ما تقومُ به من قبيل الالتزام الأخلاقي لأنَّها بنتْ مبادئها على أساس الانفتاح على الآخرين ومساعدتهم.
قبل ٢٠ عاماً أسَّسَ الزوجان شركةً تجاريَّةً تحت اسم  Handirect تقومُ على تقديم الخدمات والاستشارات الإداريَّة، وقد حقَّقتْ الشركةُ نجاحاً كبيراً، ويعملُ بها اليوم ١٠٠ موظفٍ ثمانون منهم من أصحاب الإعاقات الجسديَّة، "نريدُ أن نتعاملَ مع ظروف الحياة كما هي". قال كريستوف وأضاف : "هذه الحياة ستكونُ لهم يوماً من الأيَّام".
إنَّ الابنَ الثَّاني للعائلة ماران ذا الخمسة عشر عاماً هو فتىً مُبتهجٌ وجميل، وقد ولِدَ مُعاقاً.


في كلِّ عامٍ تزورُ الأسرةُ بلداً بعيداً مثل الإكوادور، إندونسيا، الهند، جنوب إفريقيا، كمبوديا ... لأنَّ"الغِنى الفكريَّ لا يكونُ إلَّا بلقاء الآخرين" كما قال كريستوف.
يجلسُ أولادُ العائلة الثلاثة بهدوء في قاعة الطعام حول الطاولة الكبيرة، ونتلمَّسُ فيهم قيمَ والِدَيهم ذاتها، وهم كوالدَيهم لا يهتمُّون بالسياسة وليسوا من القارئين المواظبين للصحف اليوميَّة، لكنَّ المهاجرين بالضرورة يجب أن يتحدَّثوا لهذه العائلة عن الحالة التي عاشوا بها، فتُجيبُهم العائلةُ بأنَّ "العالَم كلَّه قلقٌ بسبب قضيَّتهم" كما قالت نتالي.
لكن حين قُلنا لها إنَّ كلامَها غيرُ دقيق، وأنَّ العالَمَ لا يهتمُّ بمعظمه لقضيَّة المهاجرين، وأنَّ غالبيَّة الفرنسييِّن ينظرون للمهاجرين على أنَّهم مصدرُ خطرٍ عليهم ويخافون منهم بدا أنَّ السيدة نتالي لم تفهم جيَّداً ما قلناه لها.
تقول نتالي بحماسها المعتاد: "لدينا منزلٌ كبيرٌ وجميل، ونستضيف فيه دائماً أبناء إخوتنا وأصدقاءنا، وفي بيت جدَّتي نُحضِّرُ وجبةً خاصَّةً لإطعام المحتاجين، لكنَّ هذا غيرُ منتشرٍ مع الأسف، مع أنَّ الوجبةَ التي تُعدُّ عادةً لخمسة أشخاصٍ مثلاً فهي تكفي ستَّةً".
بدأتْ العائلةُ في مساعدة اللاجئين قبل عامٍ تقريباً، يقول كريستوف : "كان لدينا رغبةٌ لفعلِ شيءٍ ما قبل ذلك، لكنَّنا لم نكن نعرف كيف يجب أن نبدأ".


يُضيف كريستوف أنَّ أصدقاءَ لهم دَعَوْهم إلى حضور اجتماعٍ في مؤسسة "أهلاً وسهلاً" التي كانت قد أطلقتْ عام ٢٠٠٩ برنامجاً لمساعدة اللاجئين، وقد ساعدَهم ذلك الاجتماعُ في القفز خطوةً إلى الأمام في مشروعهم الهادف لمساعدة اللاجئين، حيثُ تهتمُّ هذه المؤسَّسةُ باستقبال العائلات اللاجئة وإدارة شؤونها".

توفِّرُ المؤسَّسةُ كفيلاً مُتطوِّعاً يهتمُّ بشؤون كلِّ عائلةٍ لاجئة ويُعينُها على تمرير المعاملات الإداريَّة، ولا يستمرُّ ذلك إلَّا لفترةٍ محدودةٍ "ستة إلى ثمانية أسابيع" من أجل تجنُّب الدُّخول في علاقات وروابط شخصيَّة بين الأسرة اللاجئة والمتطوِّع.
تقول نتالي : "وظيفتُنا هي إعادة الإحساس بوجود عائلةٍ للاجئ توفِّرُ له إطاراً حميميَّاً وتجعله يشعرُ بالاسترخاء قليلاً في مكانٍ آمنٍ لا يرى فيه الكوابيسَ المُرعبة، وهذا يُطلعُ اللاجئَ على كيفيَّة جريان الحياة اليوميَّة في الأسرة الفرنسيَّة لاكتشافِ ثقافةٍ جديدة والابتعادِ قليلاً عن حديث الحرب في سورية".
في حالة وجود مُشكلةٍ ما أو حدوث خلافٍ مع اللاجئ فإنَّ المؤسَّسة هي المعنيَّةُ بحلِّ هذه المشكلة.

في هذه البلدة القريبة من باريس فإنَّ كلَّ شيءٍ معروفٌ للنَّاس، لكنَّ عائلة    Gerrierلا تهتمُّ بنظرات الآخرين "نحنُ لا نهتفُ من على الأسطح بأنَّ لاجئاً يسكن معنا، لكنَّنا نُقدِّم هادي ونتحدَّث عنه للمعارف والأصدقاء، لا لشيءٍ سوى تشجيعُهم على القيام بما قمنا به، والآن يوجد في مقاطعتنا أربعُ عائلاتٍ تستضيف في بيوتها لاجئين سوريين". قال كريستوف.
إنَّ التزامَ هذه العائلة يُثيرُ الاستفهام والتساؤلات الكثيرة، يقولُ الابنُ البكرُ للعائلة : "في ثانويتي يقول لي بعضُ الأصدقاء إنَّ صفوفَ المهاجرين تحتوي على بعض الإرهابيين، لكنَّني أُجيبُهم بأنَّ هؤلاء لاجئون سياسيون لأنَّ بلدَهم في حالة حربٍ، فلا يقولون لي شيئاً".
ويقول الأب : "يتحدَّثُ لي بعضُ النَّاس عن الحالة الاقتصاديَّة، ويقولون إنَّ إمكانات فرنسا لا تسمح لها باستقبال أعدادٍ أُخرى من اللاجئين، فأجيبُهم قائلاً إنَّ المسألةَ الاقتصادية ليست هي العامل المُهمَّ، ما يهمُّ اللاجئين هو السماحُ لهم بأن يكونوا في المكان الذي يريدون لأنفسهم".
وتقول نتالي : "يسألونني لماذا تفعلون ذلك ؟ فأجيبُهم : ولِمَ لا نفعل ؟ ! هذا شيءٌ بسيط".
وتُضيف : "هادي سيغادرنا نهاية كانون الثاني، وهذا هو الجانبُ المُحبط، حيثُ نعيشُ سويَّاً بعضَ الوقت، ونكتشف فيما بيننا كثيراً من الأشياء الجديدة، ثمَّ يغادروننا ليتابعوا حياتَهم كما يريدون، إنَّهم يطيرون".

 

قطعتْ العائلةُ الفرنسيَّةُ عهداً باستقبال لاجئٍ آخر، لكنَّها يجب أن تنتظرَ قليلاً قبل ذلك، فالمؤسسةُ الفرنسيَّة "أهلاً وسهلاّ" حققتِ النجاحَ في عملها، فهناك ثلاثة آلاف عائلة مُستعدةٌ لاستضافة اللاجئين في بيوتها لكن لا تستطيعُ إلى الآن إجابةَ كلِّ الطلبات لأنَّه لا يوجدُ الآن أعدادٌ كبيرةٌ من اللاجئين في الجزيرة الفرنسية.
 

علِّق