No votes yet
عدد القراءات: 1985

مترجم: تبعات صفقة سلاح إيران النووي على الشرق الأوسط وسوريا والعراق

الكاتب الأصلي: 
Samir Altaqi
تاريخ النشر: 
20 تموز (يوليو), 2015

لن يكون لصفقة سلاح إيران النووي تأثير نوعي على مجريات أحداث الأزمة الإقليمية في الشرق الأوسط، بل سيكون تأثيرها كمياً بطبيعته.

إذ إنه سيحمى وطيس الحروب في المنطقة وستلجأ الأطراف المتنازعة إلى المزيد من العنف وستتضاءل فرص إنهاء تلك الحروب، كما لا ينبغي الاستخفاف بالتأثير النفسي الذي تركته تلك الصفقة، فهو سيترجم إلى أفعال حاسمة على الأرض جراء حصول إيران ووكلائها في المنطقة على دفقة كبيرة من الدعم. وستبدو الصفقة بالنسبة لهم نصراً على "الشيطان الأكبر".

أما الآن فقد جاء دور النصر الأسهل على "الشيطان الأصغر" المتمثل بالدول العربية، وستأتي التحضيرات له بهيئة الدعوات المزيفة المعتادة إلى السلام والخطابات التصالحية من قبل القادة الإيرانيين، تماماً كما انتشرت التأكيدات من قبل بأن الإيرانيين لم يكونوا يفكرون حتى بتصنيع قنبلة نووية وأن ذلك ليس من الإسلام بشيء، مما جعلنا نتساءل عن جدوى كل هذه البلبلة.

 

ستزداد طهران عدوانية وجرأة بعد إبرام الصفقة. وسنتعرض هنا للتبعات المحتملة لها في الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة القادمة:

-  تكاثر البرامج النووية: من المتوقع أن يتجه عدد من الأطراف الإقليمية إلى ذلك رغم التوقعات التي تخفف من شأن خطر حدوثه. فالدول العربية تدرك أن الصفقة لم تمنع إيران عن إمكاناتها النووية العسكرية بأي حال من الأحوال، بل إنها فقط أبطأت إيران في سباقها لتصنيع القنبلة (النووية). وإن لم تكن كذلك الآن، ستتحول إيران فعلاً إلى دولة ذات سلاح نووي في وقت ما في المستقبل، ولن تنجح أي مراوغات أو تلاعب بالألفاظ في إخفاء ذلك. فقد كان الإيرانيون على بعد أشهر (إن لم نقل أسابيع) من تصنيع قنبلتهم. أما الآن فقد توقفوا عن عمليات التصنيع لفترة محدودة إلى أن يقووا دفاعاتهم. لكن مختبرات الأبحاث وكل البنى التحتية ما زالت قائمة، والدول العربية مصممة على استغلال فترة العشرة إلى خمسة عشر سنة تلك للنهوض ببرامجها ومهاراتها النووية وبناها التحتية، وسنكون شاهدين على ذلك قريباً.

- العلاقات الأمريكية-الإيرانية: لا تبدو الوقائع على الأرض متماشية مع الآراء القائلة بأن طهران ستتبنى سياسية "محابية" لاستراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة. فإيران ترى نفسها كقوة عظمى إقليمياً وتتصرف بناء على ذلك فعلاً، إذ تدعم بشار الأسد في سوريا بلا تحفظات، وتصنع ميليشياتها الخاصة في العراق، وتدعم الثوار الحوثيين في اليمن للإطاحة بالحكومة، وتعد حزب الله امتداداً لجمهوريتها الإسلامية في لبنان. وذلك كله يعاكس موقف الولايات المتحدة الرسمي من تلك المجموعات.

إضافة إلى ذلك لا تعتبر إيران دورها سياسياً في المنطقة، بل تكتبه بلغة طائفية. فهي لم تتدخل في ليبيا مثلاً والسبب عدم وجود أي شيعة هناك، بينما تتدخل في البحرين لوجود الشيعة فيها. ولا تظهر خطاباتها عن حماية "المستضعفين" إلا في الدول التي تحوي الشيعة.

إذاً ترى إيران نفسها كـ "قوة عظمى" إقليمياً في إطار محدد. بدايةً ستعمل جاهدة على مد الجسور مع القواعد التي تزعم الدفاع عنها (الشيعة) وذلك من منطلق رؤيتها المذكورة، دافعة الشرق الأوسط بذلك إلى هاوية الحروب الطائفية. ثانياً ستكون سياستها المتبعة مع العرب مبنية على الابتزاز والتهديد أو على ما هو أسوأ: الحروب غير المتكافئة كما نرى اليوم. والسنة العرب هم بالنهاية سنة، ليس بالإمكان اختراقهم بواسطة قوة تعرف عن نفسها كطائفة مغايرة لهم.

أما بالنسبة لعلاقاتها مع الولايات المتحدة، فلن يكون هناك سبب يدعو طهران لتدَع الأمريكان يهددوا دورها كقوة عظمى وحيدة في المنطقة. فحلم الإيرانيون هو أن تطرق الولايات المتحدة بابهم لتستأذنهم قبل القيام بأي عمل في المنطقة، وقد بات هذا الحلم قريباً إذ تحقق فعلاً في العراق، لكن الإيرانيين يطمحون لتحقيقه في كل المنطقة.

وجدير بالذكر إعلان الولايات المتحدة أنها تعد حزب الله مجموعة إرهابية، وأنها تريد من الأسد التنحي، وأنها ستسلح عشائر العراق السنية لمحاربة داعش. لكنها ابتلعت كبرياءها إثر رفض طهران لكل ذلك، وهرعت لإرضاء آيات الله فيها برفع العقوبات مقابل تجميد أنشطتهم النووية فقط. فهل نتوقع من إيران أن "تسمح" للولايات المتحدة بالحصول على مبتغاها الآن بعد أن رفضت ذلك قبل رفع العقوبات؟

- علاقة الولايات المتحدة بحلفائها الإقليميين: لقد هددت الميليشيا الإيرانية في العراق المعروفة باسم قوات الحشد الشعبي بقتل جنود أمريكان في العراق فيما إذا تبين لها أن الولايات المتحدة تمد عشائر السنة بالسلاح لمحاربة داعش. فبالنسبة لقوات الحشد وزعمائهم في طهران، الشيعة هم من يجب أن يسيطروا على وسط وغرب العراق، وليس سكان تلك المناطق أو الأمريكان وحلفائهم قطعاً.

أما في سوريا، فقد انشغل الروس والأمريكان بفحص الحلول السياسية لإنهاء أو اختصار حكم الأسد، والسبب واضح: فلا يمكن للأسد أن يحكم دولة قتل 300 ألف من شعبها وتسبب بتهجير نصفه تقريباً ودمر معظمها. لكن وبالرغم من ذلك رفضت طهران الأمر. والسبب أن الأسد أصبح حبيس اعتماده على طهران، فقد كان مخيراً بتحالفه معها في السابق، إلا أنه مرغم على ذلك اليوم. الأمر الذي يروق لطهران أكثر، فهو أيضاً الجسر الواصل بينها وبين حزب الله.

وفي لبنان يعد حزب الله دولة داخل الدولة. ولم يعد للكلام عن دولة لبنانية مستقلة ذات سيادة أي معنى. فجيش حزب الله أكبر بكثير من الجيش اللبناني، يتلقى الدعم الإيراني (وهو شيعي بالطبع) تحت زعم محاربة إسرائيل، لكنه اليوم يحارب الشعب السوري وليس إسرائيل، وذلك بحسب أوامر إيران للشيخ حسن نصر الله بدخول سوريا للدفاع عن مصالحها هناك.

وبالعودة إلى العراق، نجد أن مشروع تحويل جيش الحشد الشعبي إلى "حزب الله" عراقي قيد التنفيذ، كما يتم ذلك أيضاً مع حوثيي اليمن. ما الذي يدعونا إذاً إلى الاعتقاد بأن إيران ستزداد مرونة في تعاملها مع الولايات المتحدة أو مع العرب؟ العكس هو ما سنراه بالتأكيد. فالسياسة الإيرانية الإقليمية تتلخص بأن إيران، بعد أن أثملها "النصر" على "الشيطان الأكبر" وأعمت غطرسة السلطة بصيرتها، لن تدرك أن مشروعها في الشرق الأوسط بالنهاية محدود بالوقائع، فلا يمكن لطهران أن تنتصر في سوريا مهما طالت الحرب، ولم يتمكن حزب الله من تحقيق المكاسب في الزبداني رغم الموارد التي أغدقتها عليه من أجل ذلك، ولا يمكن للأسد الاستيلاء على الغوطة، فقواته بالكاد تدافع عن نفسها في مناطقها في حلب. ستبقى رحى الحرب السورية دائرة على مدى عقود قادمة.

أما لبنان فهو يغلي وسينفجر في أي لحظة، وربما يكون في طريقه إلى حرب أهلية جديدة. وفي العراق تبدو فكرة سيطرة قوات شيعية على أراضٍ سنية سخيفة. فقد واجهت الولايات المتحدة خياراً صعباً بين مساعدة قوات الحشد الشعبي الشيعية لهزيمة داعش أو التخلي عنها، فأجرت بعض العمليات التجميلية لتضفي مظهراً أكثر "وطنية" على قوات الحشد لتدعم حجتها الهزيلة بمساعدتها، أشبه بعملية شد للوجه لحفظ مائه. إلا ان تلك ليست الطريقة الصحيحة لهزيمة داعش. فسيطرة الشيعة على الأراضي السنية ستولد مجموعة سنية مسلحة جديدة، على أمل أن تكون أكثر تمدناً بقليل، لمقاومة إخضاع القوات الطائفية علانية للسنة وإعداماتهم لهم عند غياب عين المراقبة، إذاً ستستمر رحى الحرب في العراق بالدوران أيضاً على مدى العقود القادمة.

هل يبدو ذلك مبالغاً فيه؟ ماذا كان أحدنا ليعتقد قبل خمس سنوات إن سمع تنبؤاً بقيام حروب أهلية في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن، علاوة على أخرى وشيكة في لبنان؟ أيبدو ذلك مغالاةً في التوجس من نوايا إيران؟ لقد أصبح أمراً واقعاً في المنطقة نشهده يومياً، والواقع لا يخدم السذج أو من يتظاهرون بالسذاجة.

إن كان ما يجري في الشرق الأوسط اليوم عاصفة، فالمنطقة على وشك الدخول في إعصار،  فبتوقيع الاتفاق وتطبيع العلاقات مع إيران، هربت الولايات المتحدة من النحل إلى وكر الضباع، وستدفع الثمن لاحقاً. لكن العبء سيقع على أكتاف أولئك الذين طالما وقفوا في صفها.

إذاً.. هنيئاً للجميع بالنصر العظيم، أتمنى أن تستمتعوا به. أما الشرق الأوسط فلن يكون له ذلك للأسف.

علِّق

مقالات المترجم