No votes yet
عدد القراءات: 3669

مترجم: بعد استمرار قوافل جثث أبنائهم، العلويون باتوا يعتقدون أن الأسد لن يربح الحرب

الكاتب الأصلي: 
Analysis
تاريخ النشر: 
7 حزيران (يونيو), 2015

العنوان الأصلي
طرطوس أم الشهداء


تعتبر مدينة طرطوس ثاني أكبر ميناء في سوريا بعد مدينة اللاذقية، تطل هذه المدينة على السهول الساحلية لسوريا، وتعتبر أهم مركز للأقلية العلوية في البلاد والمعروفين بالنصيرية. سكن العلويون الساحل السوري تحت حكم الدولة الحمدانية، وعند سقوطها تحولت الطائفة إلى أقلية مسلحة نتيجة اضطهاد الحملات الصليبية لها من جهة، كما و سلاطين المماليك السنة والعثمانيين من جهة أخرى.
فضل المستعمرون الفرنسيون هذه الأقلية للحفاظ على موازين القوى لصالحهم في البلاد في وجه الأكثرية السنية ومؤيدي الدولة العثمانية، أدى ذلك الامتياز الذي حظي به العلويون إلى خطر الانتقام منهم بعد زوال الاستعمار من العام 1960م، إلا أنهم استطاعوا استعادة مراكزهم عن طريق الانخراط في الجيش ودعم حزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1971 م، بعد فترة من الانقلابات والاضطرابات السياسية استطاع العلويون الإمساك بزمام الأمور في الدولة بعد ترؤس وزير الدفاع السوري حافظ الأسد للبلاد حتى عام 2000، كما والبقاء على رأس السلطة عن طريق ابنه بشار الأسد.
تصنف اليوم المدينة كمكان كئيب بعد أربع سنين من الحرب الأهلية العنيفة واللا متناهية، التي استطاع بشار الأسد خلالها الحفاظ على بقائه، إلا أنه احتجز واضطر إلى التراجع حتى إطار منطقته العلوية كما ومدينة دمشق  بسبب الثوار الغاضبين، عموما يعتبر ذلك مؤشرا على نهاية الحكم العلوي العنيف بلا منازع.
حيث تصاعدت موجة من الاحتجاجات القوية ضد نظام بشار الأسد  في العام 2011 مما دفع مؤيديه من العلويين إلى النزول إلى الشوارع والتهديد بالقول (إما الأسد أو نحرق البلد)، أي أنهم توعدوا بإحراق البلد بأنفسهم، وعلى ما يبدو بأن النظام استطاع البقاء إلا أن تهديداتهم أصبحت جوفاء في ظل الدمار الحاصل،  وبعد أربعة أعوام من الحرب الأهلية المدمرة، يعاني علويو طرطوس من كثرة القتلى بين الشباب في صفوفهم، حيث قتل أكثر من سبعين ألف شاب بينما جرح 120 ألفاً جراء الحرب، كما واعتبر عشرة آلاف في عداد المفقودين، هذا العدد لا يغطي القتلى بين غير العلويين بالتأكيد، أدى ذلك بالنتيجة إلى تسمية المدينة بأم الشهداء حيث قتل أكثر من ثلث العلويين وغطت نعواهم أغلب شوارع المدينة.
في داخل المدينة وفي مركز إعلان العلويين عن تأييدهم للأسد في العام 2011، تنتشر إشاعة مفادها بأن الأسد سيقاتل كي يبقى في السلطة مهما كلفه الأمر، هذا أدى إلى تراجع شعبيته بين مؤيديه لا وبل بالدعاء عليه (إن شاء الله أن ترى أطفالك قتلى كما قتلت أبناءنا)، بالإضافة لشعور الطائفة بنبذ الطوائف الأخرى لها والتي رفضت إرسال أبنائها للقتال مع الأسد. هذا الموضوع مهم بالنسبة لتاريخ سوريا التي ادعت الأقليات فيها توحدها والأكثرية السنية المشكلة لثلاثة أرباع السكان في سوريا، فها هي ميليشيات الشيعة والمسيحيين والدروز والإسماعيليين تتراجع أمام تقدم الجيش الحر، فيما ترك العلويون ليشعروا بأنهم يقاتلون لوحدهم أمام الثوار.
أما في الآونة الأخيرة فقد تحولت الجنازات في مدينة طرطوس إلى مواكب غضب، حيث يتم تلقي 20 جثة في اليوم من قتلى الحرب، بينما وفي أيام أخرى قد يصل العدد إلى 80 جثة. في هذه الأثناء، وحرصا من النظام على هدوء المدينة فإنه لا يتم السماح للعائلات باستلام أكثر من خمس جثث في اليوم، فيما تنتظر بعض العائلات الأخرى ما يزيد عن 10 أيام لاستلام جثامين أبنائها في عملية بطيئة ومؤلمة.
نهايةً، ووسط هذه المعارك الدامية، توصل العلويون إلى استنتاج مفاده بأن الأسد لن يربح الحرب، أخبرني أحد السكان المحليين بأن النظام قد خسر، وبأن سياسته الرعناء هي من سمحت للدولة الإسلامية بالظهور، حيث شكلت معركة الطبقة نقطة التحول الفاصلة في المعركة بموت المئات من الجنود العلويين وهروب البقية منهم، مما أدى بالنظام إلى إجبار العديد من المعفيين من الخدمة العسكرية بالذهاب إلى الحرب عوضا عمن فقدوا، أدى ذلك أيضا بالعائلات الأخرى إلى الهروب لتركيا وذلك طلبا للجوء إلى أوروبا، أو هربا من الموت إلى جبال لبنان للاختباء هناك حيث فقدت تلك الأسر ثقتها بهذه الحرب الانتحارية الخاسرة.
ولكن وبالرغم من كل هذه المعاناة التي تمر بها المدينة، فإن العلويين لم يتوصلوا إلى حقيقة الأمر بعد، حيث أن الوضع يبدو خطيرا جدا الآن، ولكن و بسقوط النظام فمن المستبعد جدا أن يكون هنالك أي تقارب بين المجتمعين السني والعلوي، فالجيش الحر لا يثق بهم ومن المستحيل للعلويين الانضمام لهم، أما إذا توقف العلويون عن القتال مع الأسد فإن الدولة ستفتك بهم.
بالنسبة لسكان هذه المدينة فإن خياراتهم تبدو محدودة، وعلى أرض الواقع فإنهم مضطرون لأن يتعاملوا وبكل أسف مع وصول جثامين أبنائهم المحملة إليهم كل يوم.

علِّق

المنشورات: 27
القراءات: 193043

مقالات المترجم