No votes yet
عدد القراءات: 3683

مترجم: السبب الحقيقي لإرسال بوتن مقاتليه إلى سوريا

الكاتب الأصلي: 
Stephen Blank
تاريخ النشر: 
27 أيلول (سبتمبر), 2015


كما هو متوقّع فقد تفاجأ الغرب بالتدخل العسكري للرئيس  الروسي فلاديمير بوتن  في سوريا، وإذا جاز لنا القول بأننا ندرك الآن مآرب بوتن من وراء هذا التدخل، فإنّه من غير الواضح بالنسبة لنا كيف نضع هذا التدخل في سياقه الاستراتيجي الأوسع بالنسبة لروسيا، إلاّ أنّه يتوجّب علينا الشروع بمناقشة تلك الاستراتيجية الأشمل حتى وإنْ كانت التحليلات ما تزال منقوصة.

إلى جانب دعم الرئيس السوري بشار الأسد لأطول فترة ممكنة يأتي هذا التدخل بناءً على جهود روسية على المدى البعيد لتموضع قوّتها العسكرية البحرية والجوية في أوروبا وليس في الشرق الأوسط وحسْب، فلطالما سَعَت موسكو لإيجاد قاعدة بحرية لها في قبرص ومونتينيغرو.

يعكس التصعيد العسكري الروسي في سوريا الدلالة الاستراتيجية لهيمنة موسكو المفترضة على البحر الأسود وجعله منطلقاً لقوّتها والحفاظ على نفوذها الاستراتيجي وفرض دبلوماسية السفن الحربية في البلقان والمشرق عبر توليفة من الأسلحة والعمليات البرمائية الخارجية.

 

كذلك تحاول موسكو إنشاء تحالف- إن لم يكن جبهة- من أنصار الرؤية الروسية-الشيعية أو لنقل جبهة علوية مناهضة للسنّة لمواجهة الولايات المتحدة وحلفائها وإرغام واشنطن على الإقرار بروسيا كلاعب ندّ في المنطقة وتفويضه بحق النقض تجاه سياسة الولايات المتحدة وحلفائها فيما يتعلق بسياسات الشرق الأوسط. 

وليس من قبيل المصادفة أنّ هذا التحالف الذي يضم كل من إيران والعراق وسوريا ينسجم مع الجبهة الرافضة لاتفاقية كامب ديفيد 1979 والتي كانت آخر المبادرات الشرق أوسطية التي عاصرها الاتحاد السوفييتي.

إن الشراكة التي تؤسسها موسكو مع إيران في مواجهة الاتفاقية النووية التي صاغتها واشنطن ترمي إلى توسيع مفهوم المواجهة في صراع متجمّد ومألوف بالنسبة لنا من أوراسيا وحتى الشرق الأوسط.

 

عليه فإنّ السياسات الروسية الحالية المتمثّلة في بناء القواعد والمساكن لآلاف الجنود إنّما تمثّل عزمَ الكريميلن إبقاء الأسد في السلطة لكنها ليست في الواقع عملية موجّهة ضد الدولة الإسلامية حيث سبق لبوتين التأكيد بأنّ قواته لن تحارب داعش، بدلاً من ذلك فإنها ستحارب أعداء الأسد الآخرين.

تقتضي خطة بوتين للتحالف المنشود ضرورة أن تعمد الدول السنيّة إلى محاربة المتطرّفين السنّة لصالح إيران وحلفائها الإرهابيين -الأسد وحزب الله- وقد كشفت مصادر روسية وغربية بأنّ موسكو تسهّل حركة الإرهابيين من شمال القوقاز باتجاه سوريا والعراق بحيث تتجنب محاربتهم في روسيا-مايمكن اعتباره إشارة لمدى التزام بوتين في مواجهة الإرهاب. 
وفي الواقع فإن موسكو مستمرة في إمداد سوريا وإيران وحزب الله بالسلاح بالرغم من علاقتها بإسرائيل، كما أنها تصرّ على دعم حماس في الضفة الغربية وجعلها قوة موازية للسلطة الفلسطينية وتنكر أنّ حماس منظمة إرهابية.

غيرَ أنَّ سياسة موسكو الشرق أوسطية لا تقتصر على الاستراتيجية العسكرية، إنّما تتناغم تجارتها بالأسلحة مع جهودها الحثيثة للهيمنة على مشاريع الطاقة في الجزائر وإيران والعراق وليبيا وسوريا وتركيا وحتى في قبرص، ومن الواضح أنّ روسيا ترغب في التأثير على إمدادات الغاز والنفط لأوروبا وهي تحاول إقناع السعودية للتعاون في رفع أسعار الطاقة لإنقاذ اقتصادها المضطرب.
هذه العناصر المجتمعة من تجارة الأسلحة واتفاقيات الطاقة والقوة العسكرية تشكّل جميعها استراتيجية أشمل بحيث يمكن لنا تمييز أهدافها الجيو-سياسية.

كذلك تشعر تركيا الدولة العضو في حلف الناتو بالضغط الروسي حيث أنّ روسيا ستكون القوة الأبرز التي تهيمن على البحر الأسود فورَ انتهائها من بناء قواعدها في سوريا لتصبح تركيا بين فكّي كماشة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الإمكانات البحرية والجوية جنوباً، وبعد تعثّر مباحثات الطاقة بين الطرفين وتوتّر علاقتهما، يبدو أنّ موسكو آخذة بممارسة وسائل ضغط جديدة على تركيا.

ويمكن إلقاء نظرة على المشتريات الدفاعية التركية لإدراك أنّ أنقرة بدأت تستشعر التهديد القائم، إلاّ أنّ أحداً لا يرغب بمناقشة هذا التهديد لعضو زميل في حلف الناتو.
كما يظهِر التدخل الروسي في سوريا استعداد روسية لاغتنام الفرص الراهنة تكتيكيّاً حيث يمكن لهذه الفرص كذلك تعزيز مبادراتها أوروبياً، فنحن نعلم بأن موسكو كانت على استعداد للضغط على إيران إن كان ذلك سيقود إلى تنازلات أمريكية على الصعيد الأوروبي.

يأمل بوتين أن يستغلّ الفكرة المزيّفة للتحالف ضد داعش للإفلات من العقوبات والحرب المتعلّقة بها والدائرة في المستنقع الأوكراني الآخذ بالاتسّاع.
ربما يدرك الدبلوماسيون الأمريكيون والغربيون هذا العامل في الاستراتيجية الروسية غيرَ أنّهم على ما يبدو مايزالون غير قادرين على الاستجابة الفعّالة –سواء عسكرياً أو سياسيّاً- أكانَ ذلك في البلطيق أو في الشرق الأوسط.

التصريحات التي أطلقها الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والتي مفادها أنّ على الغرب رفع العقوبات عن روسيا في حال تطبيقها لبنود اتفاقية مينسك2 – بالرغم من أنّ ذلك سيكون بمثابة وثيقة انتحار لأوكرانيا- إلى جانب تصريحات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حول ضرورة إشراك روسيا في الشرق الأوسط، جميعها تعكس هذا الإدمان المستمر على التفكير الرغبوي بدلاً من التحليلات الراسّخة.

بالنظر إلى كل ذلك هل لنا أن نستغرب لماذا تستمر موسكو بأخذ الغرب على حين غرّة؟
 

علِّق

مقالات المترجم