No votes yet
عدد القراءات: 1684

مترجم: استعار الحرب الباردة بين السعودية وإيران

الكاتب الأصلي: 
Kim Ghattas
تاريخ النشر: 
15 تموز (يوليو), 2015

بينما تأمل إدارة أوباما أن يُمهد الاتفاق النووي الطريق لشرق أوسط أكثر أمناً، قد يحمل الرياض على القبول بتصعيد الصراع مع إيران.

قبل أيام من توقيع الاتفاق النووي مع إيران، بدا وزير الخارجية الأمريكي جون كيري متحمساً بشأن إمكانية أن يمهد هذا الاتفاق الطريق أمام إنجازات دبلوماسية أخرى في المنطقة، ففي مقابلة مع صحيفة مسقط رأسه "بوسطن غلوب"، وصف كيري الصفقة بأنها فرصة لتحفيز الناس، ولفتح المجال لتعاون مستقبلي في المنطقة.
فبعد عودته خالي الوفاض من عملية السلام في الشرق الأوسط، حقق كيري المكسب الأهم أثناء رئاسته لوزارة الخارجية، ولكن على صعيد الإنجازات الإضافية فلا بد أن يكون رهينةً لخيبة الأمل، فمن شأن هذا الاتفاق أن يفاقم من حدة التوترات على المدى القريب، وذلك بسبب تصعيد الحرب الباردة بين السعودية وإيران.
ومن الجدير بالذكر أن أول انفتاح للرئيس الأمريكي باراك أوباما مع إيران كان في عام 2009، إلاّ أنّ مفاوضات القنوات الخلفية لم تبدأ حتى عام 2012، عندما بدا مشهد المنطقة مختلفاً جداً، وكان ذلك قبل أن تُغرق إيران وحزب الله رجالها ومواردها لدعم الرئيس السوري بشار الأسد، وقبل أن تنشر الميليشات الشيعية في العراق قواتها لمحاربة ما أصبح يعرف بالدولة الإسلامية (داعش)، وبالطبع قبل تنامي شعور الحرمان من الحقوق الذي تفشى بين المسلمين السنة بحق أو بدون حق، بسبب شعورهم بالهزيمة أمام إيران في عموم المنطقة.
وصلت المفاوضات في فيينا إلى نتيجة مفادها، أن التنافس بين طهران والرياض تستعر نيرانه في الشرق الأوسط، وأن هذا الاتفاق سيزيد من صعوبة التحكم بزمام الأمور، وبينما تعلن الرياض ترحيبها بالاتفاقية، يبقى عمق العداء مع طهران نفسه، ولا نبالغ إن قلنا إنّ أيّ اتفاق ترى السعودية فيه تقارباً بين أهم حلافائها وألد أعدائها، سيعمل على تأجيج حرب الوكالة ليس إلاّ.
ومن نافل القول إن السعودية تعمل على التصدي لإيران، حتى فيما يتعلق بأدق المسائل، بدءاً من حظر بيع السجاد الإيراني في مكة، إلى تتبع حركات وأعداد الشيعة في بلدان مثل مصر، وصولاً إلى عزل رئيس جامعة في إسلام أباد.
كما تعتبر الدبلوماسية السعودية فعّالة وعملية للغاية، وذلك بفضل قوتها الاقتصادية وسعيها الدؤوب لتحقيق هدفها، وهو مجابهة الجمهورية الإسلامية والقوة السياسية للشيعة بشكل عام، تلك هي الصورة التي تظهر معنا بعد التدقيق في برقيات الدبلوماسية السعودية المسربة في حزيران من قبل ويكيليكس، حيث تم تسريب 60 ألف برقية حتى الآن من أصل 450 ألفاً، علماً أن معظم البرقيات المسربة التي نشرت، تم تحريرها ما بين عامي 2010 و2013، هذا ولم يقم السعوديون بتأكيد أو نفي صحة هذه البرقيات.
إلا أنّ التدقيق في الوثائق العربية ذات التقويم الهجري بعناوينها وطوابعها وخربشاتها، هو أمر شاق ويستغرق وقتاً طويلاً، ولكن إن تجاوزنا فواتير رحلات الطيران ونسخ جوازات السفر، ستُفتح لنا نافذة مدهشة نحو العالم السري للدبلوماسية السعودية، ونحو الحرب الباردة بين السعودية وإيران والتي تستعر نيرانها في الشرق الأوسط.
لا يجب أن يفاجئنا هوس الرياض بطهران، فنحن نعلم من تسربيات ويكيليكس لمراسلات الدبلوماسية الأمريكية، أنه في العام 2008 كانت هناك نداءات سعودية للأمريكيين بضرب إيران وقطع رأس الأفعى، أما في المراسلات السعودية فلا يوجد نداءات لقطع رأس أحد، إلاّ أنها تُظهر بتفصيل شديد الدقة، مدى حرص السعودية المهووس على وقف النفوذ الإيراني، فالسفراء السعوديون حول العالم يرصدون كل حركة يقوم بها الإيرانيون، ويبلغونها لوزير الخارجية السعودي حتى فيما يتعلق بأصغر وأتفه التفاصيل، فعلى سبيل المثال، في أحد البرقيات غير المؤرخة أعلم قسم العلاقات الاقتصادية والثقافية لوزارة الخارجية آنذاك سعود الفيصل، أن هناك صانع سجاد مشهور عبّر عن رغبته بحياكة سجاداً يدوياً للحرمين الشريفين في مكة والمدينة، بالنسبة للسعوديين الأمر ليس منوطاً بتزيين الحرمين ولكنه مشحون بدلالة الجغرافية السياسية، فلقد ناقشت السفارة السعودية الموضوع وكتبت:
"إن الأمر يتعدى كونه مسعى تجارياً إلى كونه حيلة سياسيةً ودينيةً واضحةً، تتفق مع طموح إيران العلني والقديم، للحصول على موطئ قدم لها في البقعتين المقدستين في الإسلام".
وقد أشارت عليهم السفارة برفض الطلب الإيراني وطُلب من السفير رفضه، إلا أننا لا نعلم ماذا كان رد سعود الفيصل عليه، ولكن يمكن القول إن السجاد الإيراني لم يصل إلى مكة.
وفي عام 2012 أرسلت السفارة السعودية في باكستان إلى الرياض برقية معنونة بصفة  "عاجل جداً"، وذلك لتخبر وزير الخارجية أن عميد الجامعة الإسلامية الدولية في إسلام أباد ممتاز أحمد، قد ارتكب خطأً فادحاً بدعوته السفير الإيراني كضيف شرف لحفل استقبال يقام في الجامعة ومن ثم رفضه سحب الدعوة، هذا وقد حثت السفارة وزارة الخارجية على إرسال رئيس الجامعة الإسلامية الإمام محمد بن سعود إلى إسلام أباد، للقاء مجلس إدارة الجامعة الباكستانية لاختيار عميد آخر أكثر انسجاماً مع الرؤية السعودية، لكنني لم أجد البرقية التي تعرض رد وزارة الخارجية، إلاّ أنّ العميد الحالي للجامعة الباكستانية يحمل الجنسية السعودية، أما العميد السابق ممتاز أحمد والذي كان قد شغل المنصب في العام 2010 فقط، أصبح الآن رئيساً لأحد أقسام الجامعة.
تعتبر معظم تلك الجهود المنصبة على كبح جماح إيران ثانوية، لأن المسائل الكبرى مثل تمويل جماعات الثوار في سورية هي الشغل الشاغل للاستخبارات، وقد تم مناقشتها في العديد من البرقيات ذات الأهمية الأكبر.
كما تعتبر عملية قرصنة المراسلات هذه في حد ذاتها جزءاً من الحرب الباردة بين السعودية وإيران، فهناك بعض التخمينات التي تقول إن قراصنة إيرانيين متورطون فيها، بالإضافة إلى أن هذه البرقيات حظيت بأكبر تغطية من قبل الإيرانيين، أو من والاهم من وسائل الإعلام مثل جريدة الأخبار اللبنانية، والتي قامت بحذف أي تفاصيل تتعلق بسلوك إيران العدائي في المنطقة والمذكور في المراسلات نفسها.
فعلى سبيل المثال تتضمن هذه البرقيات خطاباً غير مؤرخ من السفارة السعودية في طهران، تبلغهم أن الإيرانيين حذروا تركيا من مغبة استخدام أي قاعدة تركية للقيام بعمليات عسكرية ضد سورية، لأن طهران سترد بالعدوان عليهم.
ومن الجدير بالذكر أن طهران لا تواري تفاخرها من تنامي قوتها في المنطقة، معيّرة السعودية جهاراً بنفوذها في بيروت ودمشق وبغداد، غير أن التتبع الدقيق لتحركات إيران الذي تقوم به وكالات الاستخبارات، بالإضافة إلى العقوبات الأمريكية والأوربية المفروضة على مسؤولين ومؤسسات إيرانية، تدل على أن أعمال إيران الأكثر عدوانية تحظى بتغطية أكبر، مما يعطي صورة تفصيلية أوضح لما تعتزم إيران القيام به في المنطقة.
من ناحية ثانية تعتبر جهود السعودية لدعم  نفوذها الإقليمي أكثر هدوءاً وأشد غموضاً، وذلك قبل أن تشن حرباً في اليمن، إلا أن تلك الجهود لم تكن أقل فعالية، وقد شملت تمويل مساجد ومنظمات إسلامية ومدارس دينية من المغرب إلى مصر ومن الباكستان إلى جزر المالديف.
حيث تحتل السعودية المرتبة الثانية بعد الولايات الأمريكية فيما يتعلق بنجاحها في تصدير ثقافتها، فلقد أظهرت التسريبات مدى صبرها وعملها الدؤوب لتوقف ما تظنه الرياض مداً شيعياً أو فكراً تابعاً لأي طوائف أقلية مسلمة أخرى، وقد يكون ذلك عن طريق الضغط على جامعة الأزهر في مصر لمنع الإيرانيين من الدراسة فيها، أو عن طريق العمل مع وزارة الشؤون الدينية في أندونيسا لرفع الوعي حول حقيقة الطائفة الأحمدية من الأقلية المسلمة، والتي لا تعتبرها السعودية مسلمة أصلاً، وبينما ينصب اهتمام الرياض على توسيع نفوذ جغرافيتها السياسية، فإن من شأن مثل ذلك الامتداد والسيطرة الدينية أن تُنمّي مشاعر العداء الخطرة ضد المسلمين الشيعة.
هذا وتعتبر الطائفية وسيلةً فعالةً لأهداف دنيوية، فهي ليست سجالاً دينياً أو حتى صراعاً محضاً بين السنة والشيعة، بل إنها حرب نفوذ وصراع على قيادة العالم الإسلامي بدأت فعلياً عام 1979 عند عودة آية الله روح الله الخميني إلى إيران، واندلاع ثورة إيران الإسلامية التي كان لها أشد العواقب على الوضع الداخلي في السعودية، وأحدها أنها حفّزت الشيعة في شرقي السعودية ليثوروا ويطالبوا بحقوقهم، إلاّ أنّ هذه الاحتجاجات تم قمعها بسرعة وقسوة.
أما من وجهة نظر الرياض فإن صعود قوة دينية في بلد مجاور له طموحات منها القيادة المرحلية لعموم المسلمين، يعتبر تهديداً مباشراً لدور السعودية كوصي على الحرمين الشريفين، لذا شرعت في مهمة شديدة الصرامة تتمحور حول الحفاظ على الإيمان الخالص.
تسبب إسقاط الرئيس العراقي السابق صدام حسين بإطلاق العنان لنفوذ إيران في المنطقة، مما أدى إلى اختلال ميزان القوى سريعاً، واليوم يبدو أن توقيع اتفاق دولي مع طهران سيُطلق العنان لنفوذ السعودية، فمهما بلغ حد تورط إيران في اليمن، فإن الغاية من شن حرب السعودية هناك هو إيصال رسالة لطهران، مفادها أن الرياض قادرة ومستعدة لنشر طائراتها، أما مسألة أن الحرب هناك لا تسير على ما يرام هي قصة أخرى.
من شأن كل تلك العوامل أن تقرر مدى نجاح الاتفاقية الموقعة في فيينا أم فشلها في المستقبل، فقد رأى أوباما أن هذه الاتفاقية ستُضعف نفوذ إيران ليس فقط عن طريق نزع خيارها النووي، وإنما أيضاً بتقويض دورها كزعيم للمعسكر المعادي للغرب، كما أن إنهاء العداء مع طهران يُتيح الفرصة للولايات المتحدة لتغيير تموضعها العسكري في الخليج العربي، والذي دعت الحاجة إليه عند تهديد إيران منذ العام 1979.
وعلاوةً على ذلك فقد تسببت محاولة تصليح الوضع الراهن قلقاً شديداً لدى الدول العربية ودول الخليج، وأضعفت العلاقات مع حلفاء أمريكا من اسرائيل، وحتى الإمارات العربية المتحدة التي شعرت بالخيانة بسبب انعدام شفافية إدارة أوباما أثناء المفاوضات، فهم يعتبرونها خطوة في المجهول بدءاً من تصعيد العنف في سورية، إلى شن حرب في اليمن وقصف الميليشيات في ليبيا، حيث حافظت إدارة أوباما على مسافة أمان بينها وبين قضايا المنطقة المناهضة لإيران عندما كانت مفاوضات الملف النووي تجري على قدم وساق، أما الآن فقد أشارت إدارة أوباما إلى أنها تريد التعامل بحزم أكبر مع الصراعات في العالم العربي، بما في ذلك القضاء على داعش وإنهاء الصراع في سورية، إلاّ أنه يتوجب عليها العمل بسرعة وبجد أكثر، لإقناع السعوديين بأنها جادة بشأن تقويض نفوذ إيران بعد الاتفاق النووي.
وعلى الرغم من مخاوف السعودية من تهديدات الجهاديين، تستمر المملكة في تجاهل توسع داعش طالما أنها مستمرة في قتال حزب الله، وفي تقليص المناطق التي تقع تحت سيطرة الأسد مهدرةً الدم الشيعي والإيراني ومقدراتهم.
أما على المدى القريب فإن غاية ما سيحققه الاتفاق النووي الإيراني، هو تشجيع كلاً من إيران والسعودية على رفع وتيرة حربهما الباردة، فلدينا تصور لما يمكن للإيرانيين فعله، ولما قد يفعلونه بالأموال التي سيحصلون عليها من الاتفاق النووي، إلاّ أنه لا تصور لدينا لما قد يفعله السعوديون بعد الاتفاق، ولكن مهما كان ردّ فعل الرياض كونوا على ثقة بأن همها لن يكون حظر السجاد الإيراني أو طرد رؤوساء جامعة.

علِّق