عدد القراءات: 3964

ماذا خبأت لنا... يا صحفنا المطبوعة ؟

 

 

خلال وجودي في إحدى بلدات الريف الإدلبي القريبة من مدينة إدلب و مع رشفات من فنجان القهوة التي قدمها لي أحد الناشطين تشعّب بنا الحديث ليصل إلى موضوع الصحف والمجلات المطبوعة في الشمال السوري

قلت لهذا الشاب بينما أقلب إحدى الصحف الموجودة أمامي على سطح المكتب كم عدد من يقرأ هذه المجلات في بلدتكم ؟

أجاب : لا أحد تقريباً

كانت إجابة موجعة، و استرسل صاحبي في كلامه قائلاً: مطلوب مني توزيع هذه الجرائد على الناس، و بما أن أحداً لم يعد يطلبها من أجل القراءة صرت أبيعها بالكيلو ... لا تستغرب ... يباع الكيلو الواحد ب 200 ليرة سورية إنه رقم جيد و مقبول !

 

منذ اليوم الأول لقدومي من داريا إلى إدلب مهجراً مع المهجرين حاولت تحقيق حلمي الذي طالما صاحبني في سنوات الحصار، وهو احتساء فنجان من القهوة الحلوة و مطالعة صحف المعارضة المطبوعة الموجودة بكثرة في الشمال السوري

صحف عديدة استطعت الحصول عليها بكل سهولة لشد ما جذبتني بجمالية تصميمها وأناقة خطوطها والملمس الناعم لورقها، حقاً إن طباعتها أنيقة ومميزة تلفت الانتباه و (تغذي النظر) وفقاً للتعبير العامي الدارج.

 

من بين الصحف التي قرأتها جريدة " طلعنا على الحرية " وهي جريدة نصف شهرية سياسية ثقافية، مؤلفة من عشرين صفحة ومليئة بمقالات الرأي و هو الطابع العام للجريدة

ذكرتني " طلعنا ع الحرية " بمجلة الرسالة التي كان يديرها أحمد حسن الزيات في القرن الماضي، مع الفارق الشاسع بين مستوى هذه وما قدمته تلك على المستوى الثقافي والفكري والأدبي

 

جرائد مثل "عنب بلدي" و "صدى الشام" تصفحتها باهتمام زائد نظراً للشهرة المستفيضة لهاتين الجريدتين

هل وجدتهمتا مخيبتين للآمال ؟ أكون غير منصف فعلاً إذا أجبت بنعم، كما أبتعد عن الواقع و أدبيات المهنة إن كان الجواب : لا !!

 

جريدة " تمدن " الأسبوعية لفتت انتباهي بعنوانها الأصيل، و حاولت المقارنة بينها وبين مجلة "التمدن الإسلامي" التي كان يقوم عليها "أحمد مظهر العظمة" و التي كنت أداوم على قراءة أعدادها القديمة التي تباع في بسطات الكتب العتيقة على الأرصفة المؤدية إلى حي الحلبوني في العاصمة دمشق

لست في محطّ الكلام عن المقارنة البسيطة التي عقدتها بين المجلتين الحاملتين لنفس العنوان تقريباً، لأن البون شاسع بينهما سواء في مستوى الكتابة أو اللغة أو النضج الفكري

 

جريدتان أعجبت بهما و أسعى للمداومة على قراءتهما و إن كانتا دون المستوى المطلوب، ولكن الأداء الصحفي لكلتيهما مقبول لا سيما في ظروف مجتمعنا الثقافي والفكري الذي يعتمد في الغالب على اللاخبرات في مختلف مجالات العمل العام

- " سوريتنا " كانت غنية بموادها الصحفية و تغطياتها الميدانية، إنها تشكل بذرة صالحة لصرح الصحافة السورية الذي لم يكتمل تأسيسه بعد حتى يكتمل بناؤه المنشود

تنوعت تغطيات الجريدة الشهرية لاسيما في تغطيتها لأعمال المجالس المحلية و الفعاليات المدنية العاملة في المناطق المحررة، كما يعثر القارئ خلال تجواله السريع في صفحات الجريدة على مقالات جيدة مثل زاوية " سرديات " و " كنا عايشين "

 

- أما المجلة الأخرى التي قلت إنها مقبولة فهي "مبادر" و هي كما تقول المجلة "الأولى من نوعها التي تهتم بشؤون المبادرات السورية الموجهة لأهلنا في الداخل "

حقا إن مهنية المجلة من حيث الصياغة والتزامها بالقالب الموحد في صفحاتها و هو "القصة الخبرية " واضحة من أول مشاهدة

كما أن مفرداتها الرشيقة وأسلوب كتابها في عرضها لقصص المبادرات الفردية والجماعية التي تطلق في الداخل السوري جاء في غاية الروعة

تبقى نقطة غير مقبولة تلتزم بها "مبادر" و هي أن قلم مدير التحرير يمتلك حرية كبيرة في تعديل وحذف ما يراه مناسباً في القصص التي يرسلها كتاب المجلة، وهذا واضح من اتباع نفس الأسلوب الكتابي لمعظم المواد المنشورة ولا يخفي ذلك على كل متذوق لأساليب الكتاب و الأدباء

 

هذا ما استطعت قراءته من أصل 40 أو 50 جريدة معارضة تطبع في الخارج وتوزع في الداخل السوري

و يجدر بي أن أشير إلى جوانب مهمة أغفلتها الصحف المذكورة، مثل بعدها عن الواقع السوري إن في الشمال السوري المزدحم بالأفكار الإسلامية من جهادية و سلفية و وسطية  أو في الجنوب السوري الغير مؤدلج في الغالب

و تستطيع الصحف من خلال مقالات الرأي و التغطيات الميدانية والحوارات الصحفية  تسليط الضوء بكل حيادية على جميع المؤسسات و الأفكار المتراكمة في المنطقة و بإمكانها أيضا فتح أبوابها لعرض كافة الآراء والأفكار على صفحاتها ليتسنى للسوريين معرفة الحقيقة من خلال الاطلاع على الرأي و الرأي الآخر أو الآراء الأخرى

كما في إمكاننا تسجيل نقطة في غاية الأهمية بالنسبة لعملية البناء الصحفي الذي ننشده و هي غياب الصحافة الاستقصائية بشكل شبه تام ... و هذا ما يبعد الصحافة  عن دورها في الرقابة والمحاسبة وإيصال الحقيقة للسوريين ...

 

تحدثت في هذا المقال بشفافية أستطيع أن أخمن أنها كبيرة، و أغفلت الدخول في التفاصيل حول العديد من صحفنا المطبوعة لأن هذا المقال هو بداية الحديث في هذا الملف الشائك و المهم

و لتقبل الصحف التي انتقدتها، مقالي هذا برحابة صدر .. أو لترد عليه مبينة الأخطاء التي وقعت فيها ... و علي تحمل كافة الشتائم و بالمجان ....

علِّق