عدد القراءات: 8353

ليلة الهروب من سجن "الثوار"... قصة أرويها للمرة الأولى

 

هذه ذكرى مؤلمة من ذكريات الثورة أحجمت عن كتابتها طيلة الفترة الماضية لاعتقادي أنها مجرد تجربة شخصية يجب أن أحتفظ بها لنفسي. لكن استمرار شلال الدم السوري بالتدفق طيلة هذه السنوات وما تمخض وتكشف من أحداثٍ وأسرارٍ مهولة دفعني لتغيير رأيي، فنحن في أمسّ الحاجة لاستخلاص الدروس والعبر، وصرت أشك أن سكوتي عن الحادثة وحوادث غيرها سأرويها في قادم الأيام هي بمثابة "كتم الشهادة" التي يجرّم القانون صاحبها.

كتبت مقالاً في شهر كانون الثاني عام 2013 انتقدت فيه تصرفات لجنة أمنية تابعة للثوار في ريف حماه، وعلى إثر ذلك تعرضتللغدر، حيث تم اختطافي في سيارة تابعة لإحدى فصائل الثوار واقتيادي إلى سجنٍ تابعٍ للفصيل في أحراشٍ من الزيتون في جبل الزاوية في إدلب.

 

كنت أعمل في تلك الفترة كناطقٍ باسم لجان التنسيق المحلية في حماه، وكان دوري مهماً خصوصاً من خلال الظهور في وسائل إعلام عالمية مثل CNN  و BBC  وغيرها للحديث عن جرائم النظام السوري وآلته الحربية في حق السوريين، كما كنت أكتب متطوعاً في نفس الخصوص باللغة الإنكليزية لموقع "أصوات من الشرق الأوسط" التابع لإذاعة صوت أميركا في الولايات المتحدة.  

كان السجانون من أبناء منطقتي أعرفهم ويعرفوني جيداً. ولذلك فقد ارتبك مسؤول السجن والحراس في التعامل معي. وضعوني أولاً في الزنزانة الصغيرة التي تحوي أشخاصاً سجنوا بتهمٍ شتى على رأسها السرقة، وكان هناك في الزنزانة جنود من جيش النظام إضافة إلى مواطنين من الطائفة العلوية دخلوا مناطق المعارضة، معتقدين أن أحداً لن يعترضهم، ولكنهم اعتقلوا وأودعوا السجن بتهمة أنهم "شبيحة علويون".
 
شعرت بالمرارة لأني في هذا السجن تحديداً لأسبابٍ كثيرة.

فأولاً، هذا سجن "ثوري" وقد وضعني الثوار – وأنا منهم - في نفس السجن الذي يضعون فيه اللصوص والجنود بالإضافة لمن هم برأيهم شبيحة النظام.

وثانياً، كان القائمون على السجن معروفون لدي تماماً وينتمون إلى أدنى طبقات المجتمع الريفي المحافظ الذي ترعرعت فيه. أحد السجانين كان لصاً مشهوراً، والآخر عميل للأمن الجوي تاب عن عمالته بعد الثورة وصار سجاناً.

أما آمر السجن فهو ضابط في المخابرات الجوية يزعم أنه انشق عن النظام، مع أنه لم يعلن انشقاقه في أية مناسبة علنية، وبقي مختفياً عن الأنظار منذ انشقاقه في هذا السجن حيث اعتقَلَ وعذبَ، بل وقتل الكثير من الأبرياء دون أن يردعه رادع.

سايرني الضابط "المنشق" المسؤول عن السجن في البداية لأنني برأيه "مثقف" و"من عائلة محترمة".

 

دعاني لشرب الشاي معه في غرفته لكنه لم يتكلم كثيراً بل استأذن وانصرف موصياً الحراس أن لا يسمحوا لي بمجاوزة باب غرفته، وبعد فترةٍ قصيرة من مغادرته دخل شاب من المنطقة أعرفه جيداً إلى الغرفة حيث كنت لوحدي. كان الشاب من أوائل المتظاهرين ضد النظام، لكنه كان طائشاً و"أزعر" بلغة الشارع، وكان مدمن للمشروب ونادراً ما شوهد غير مخمورٍ ولا تتملكه نشوة السُّكر. أخرج الشاب من تحت ثيابه مسدساً وقال لي بلهجةٍ مترنحة:

"أستاذ مصعب ... أعطوني هذا المسدس وطلبوا مني أقتلك، لكني أعرفك جيداً وأحبك. أنت من أوائل الثوار وهم ليسوا كذلك. لن أقتلك، لكن أرجوك ألا تتحداهم فهم أقوياء جداً!"

خفق قلبي من الخوف والصدمة لأول مرةٍ في الثورة. لم أكن أتخيل أن الأمر قد يبلغ بهؤلاء "الثوار" لحد تصفيتي وهم يعرفون من أنا ودوري في الثورة منذ اليوم الأول.

قررت الهرب! قلت لنفسي: "يجب ألا أنام هنا ليلةً واحدة. سوف أموت ولن يعرف بمكاني أحد."  

طلبت من الحراس أن يسمحوا لي بالخروج إلى الحمام، وقد عزمت على استكشاف تضاريس المنطقة من أجل التخطيط للهرب. لحسن الحظ لم يكن هناك تواليت للسجناء، وكان السجين إذا أراد الخروج للخلاء يرافقه حارس مسلح يقف على بعد بضعة أمتار منه ينتظره حتى ينتهي ثم يعود به إلى السجن.

هنا كانت مدة الضيافة قد انتهت عند مسؤول السجن وأعادوني إلى الزنزانة حيث اللصوص والجنود و"الشبيحة".

وما إن حل الظلام وجنّ الليل، حتى قلت للسجان أني بحاجة الخروج للحمام. أحضر بندقيته وفتح باب السجن وقادني إلى حيث قادني نهاراً. كان الظلام دامساً والبرد شديداً وتراب الأرض الأحمر مبلل بالمطر الذي تساقط غزيراً في ذلك اليوم القاسي من فصل الشتاء.

كالعادة، وقف الحارس على بعد بضعة أمتار بعد أن أعطاني مصباحاً كهربائياً "بيل" حتى أبقى تحت مرآه في العتمة. كان المكان مرتفعاً قليلاً، ودوني حيث أقف وادٍ مزروع بأشجار الزيتون بكثافة. كنت مصمماً بكل الإباء والفخر الذي زرَعَته فيّ الثورة على أن أهرب. فهؤلاء ليسوا بثوار. هؤلاء مخبرون للنظام ولصوص ومرتزقة يعملون لصالحه وليس لصالح الثورة. وإلا ما معنى أن يعملوا على سجني وتصفيتي في هذه البقعة النائية عن أي تجمع بشري؟

استجمعت كل الشجاعة التي وهبَتها لي الثورة، فوضعت المصباح في اتجاه الشرق لتضليل السجان ثم ركضت باتجاه الشمال أسفل الوادي. كان البرد شديداً والظلام دامساً لدرجة أني كنت أصطدم بأشجار الزيتون الصغيرة وأقع أرضاً دون أن أراها.

كانت الجولة الأولى التي عليّ أن أقطعها تنتهي عند طريقٍ مرصوفٍ للسيارات آخر الوادي. كنت أخطط أن أتجاوز الطريق إلى حقل الزيتون الواقع بعده ثم آخذ أول استراحة، وإلا فإلقاء القبض عليّ قبل بلوغ الطريق سيكون سهلاً على الحراس.

كان الرصاص ورائي مثل حبات المطر. فالسجان فتح بندقيته نحوي بشكلٍ مباشر غير أني ركضت في طريقٍ متعرج واختفيت في العتمة فكان من المستحيل أن يصوب نحوي بدقّة، هذا إذا كان أصلاً عرف الاتجاه الذي ركضت فيه. لكن الطلقات كانت صيحة إنذارٍ لحراس السجن وباقي مقرات الثوار في الجبل.

استنفرت المنطقة بكاملها وامتلأ الطريق الذي كان ساكناً قبل دقائق بسيارات الثوار التي انطلقت للإمساك بي. كنت انتهيت من الوادي وقطعت الطريق المرصوف وركضت حوالي مئتي متر في حقل الزيتون الثاني حتى بلغت شجرةً كبيرة استلقيت وراء جذعها بشكلٍ يساعدني على الاختفاء على طريقة الحرباء في الظلام لأني لم أعد قادراً على الركض خطوةً واحدة.

كنت أسمع الثوار ولا يسمعوني وأراهم عبر عتمة الزيتون ولا يروني. كان هناك تعميم على قبضاتهم اللاسلكية يقول "هروب شبيح علوي من السجن. نداء للأهالي من يجد الشبيح يقتله فوراً!"

 

كان السجن يقع في منطقةٍ فاصلة بين قريتي "كرسعة" و"معرة حرمة" في جبل الزاوية وشعرت ليلتها أن كل أهالي جبل الزاوية تحركوا بآلياتهم طمعاً بأن يحظوا بفرصة قتل "شبيح علوي". في لحظةٍ من اللحظات اقتربت مجموعة من الأشخاص من الشجرة التي أختبئ وراءها. سمعت صوت أقدامهم وتفاصيل حديثهم، لكني لم أظهر لهم كوني مستلقٍ في ظلمة الجذع العريض لشجرة الزيتون.  

بعد نصف ساعة هدأ المشهد قليلاً وقمت متابعاً السير في غابات الزيتون. كان الضباب شديداً وخشيت من خروج الضباع التي يناسبها هكذا طقس في شتاء الجبل، ولذلك كنت كلما مشيت مسافة أحاول استكشاف الطريق المرصوف لأرى إن كنت أستطيع الانتقال للمشي عليه. ولكن الثوار والأهالي كانوا لم ييأسوا بعد واستمرت عملية البحث أربع ساعات أوشكتُ فيها على التجمد في غابات الزيتون التي لا تعرف نهايةً في جبل الزاوية.

مشيت مسافةً طويلة حتى أشرفت على قرية اسمها "الملاّجة". شعرت أن الفرج اقترب ولكن عندما صرت على مشارف بيوت القرية هاجمتني مجموعة من الكلاب الضالة ومنعتني من التقدم خطوة واحدة. بقيت في مواجهة حوالي عشرة كلاب أكثر من نصف ساعة ثم يئست من وضعي وقررت أن ألتجئ إلى الطريق المرصوف لأوقف أحد المارة حتى لو كان سجاني. كنت وصلت لمرحلة من اليأس والإرهاق والانهيار لدرجة أني أصبحت مستعداً لأي شيء.

كانت الساعة قد جاوزت منتصف الليل وخفّت الحركة على الطريق كثيراً. بعد انتظار دقائق اعترضت سبيل أول دراجة نارية تمرّ في الطرق. توقف السائق وأشهر بندقيته في وجهي وصاح من مسافة أمتارٍ:
"ارفع يديك وعرف عن نفسك."
قلت ببراءة: "مظلوم هارب من السجن." سألني: "سجن من؟" فأخبرته باسم الكتيبة واسم السجّان الذي كان ينتمي للجيش الحر.

هنا أنزل الشاب بندقيته وتغيرت نبرة حديثه وقال لي مطمئناً:
"أبشر يا أخي. والله أعرف هؤلاء الفاسدين جيداً. أنا أخوك في جبهة النصرة. تأتي معي الآن وتبيت الليلة في بيتي، ولن يجرؤ أي كان على مسّ شعرةٍ منك."  

ركبت الدراجة مع عنصر النصرة الذي أخذني إلى بيته في قرية "الفطيرة" غرب جبل الزاوية. أعطاني الشاب – واسمه سرور – ملابس من عنده وهيأ لي الماء الساخن حيث استحممت وبدلت ثيابي التي كانت اصطبغَت بالطين الأحمر.

في بيت سرور شعرت بالدفء والأمان وأكلت طعام العشاء بنهمٍ لم أعرفه من زمان. لن أنسى شجاعة سرور ومروءته في حياتي!

في اليوم التالي طلبت من سرور إيصالي لبيت زميلي في لجان التنسيق المحلية فادي ياسين في قرية "كفرعويد" في الجبل.
وصلت بيت فادي الذي سارع بتقديم وجبة الفطور لي، بينما انشغل هو بطمأنة الزملاء في لجان التنسيق الذين كانوا علموا بأمر اختفائي منذ الليلة الماضية.  

أوصلني فادي بأمان إلى بيتي في قلعة المضيق في سهل الغاب، وتلقيت في ذلك اليوم اتصالات من كثيرٍ من وسائل الإعلام – بعد أن شاع الخبر - تطلب مني الحديث عن واقعة "اختطافي" لكني رفضت الإدلاء بأي تصريح عن الموضوع واكتفيت بالقول: "هذه حادثة عرضية بين أهل البيت الواحد وانتهت بخير."

وها أنا الآن أضع الحادثة بين أيدي القراء والتاريخ لأني لم أعد أعتقد أنها عرضية ولا أرى أنها بين أهل البيت الواحد.
 

علِّق