No votes yet
عدد القراءات: 17488

لنتحدث عن حل الدولة الواحدة التي يتساوى فيها الإسرائيليون والفلسطينيون

الكاتب الأصلي: 
Yousef Munayyer
تاريخ النشر: 
28 شباط (فبراير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

تستطيع سماع اللهاث الجماعي في غرفة الصدى داخل دوائر سياسة الشرق الأوسط، التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، عندما صرح الرئيس ترامب بالتراجع عن "حل الدولتين" الذي كان حجر الأساس في سياسة السلام على مدى الأعوام الـ 15 الماضية.

ويبدو ذلك في ظاهره تحولاً خطيراً وربما تطوراً مفاجئاً آخر يصدر عن البيت الأبيض الذي لا يمتلك الكثير من الخبرة  في قضايا السياسة الخارجية الجدية. لكنه في الحقيقة، ليس تحولاً خطيراً، ولا حتى نتيجة إهمال الرئيس الجاهل.

وقد تم الإعراب على نحو متزايد ومستمر عن التشكك في جدوى حل الدولتين من قبل الإدارة السابقة.

ووضح الرئيس أوباما أنه سمح بإنفاذ قرار صادر عن مجلس الأمن مؤخراً يدين المستوطنات الإسرائيلية على ضوء حجم الخطر الذي يواجه حل الدولتين. وقد كانت إدارة أوباما تضع الأساس لدفع العامة إلى قبول وضع يمليه الواقع على الأرض. وبالنسبة للإدارة الثانية _ إدارة ترامب _ فإن البدء بحوار حول البدائل ليس انفصالاً عن ذلك، وإنما الخطوة المنطقية التالية.

وبمناسبة الحديث، فذلك ليس مجرد زلة من زلات ترامب. وقد تراجع البيت الأبيض عن حل الدولتين في البيان الذي صدر في الليلة التي سبقت المؤتمر الذي جمع ترامب ونتنياهو كما لم يأتِ منبر للحزب الجمهوري عام 2016 على ذكر ذلك على الإطلاق. والسؤال هنا، كيف يبدو حل الدولة الواحدة البديل؟

 

وبقدر ما تُعنى الحكومة الإسرائيلية وبنيامين نتنياهو بالمسألة، فإنهم يودّون الإبقاء على جميع الأراضي. وفي تصريحاته مع ترامب، قال نتنياهو إن الإسرائيليين ليسوا محتلين ليهودا، وهو تعبير كتابي لأي جزء من الضفة الغربية المحتلة. كما أعلن بوضوح أن إسرائيل، في أي اتفاقية "ستبقي على السيطرة الأمنية في جميع المناطق الواقعة إلى الغرب من نهر الأردن". وبعبارة أخرى، لا وجود لدولة فلسطينية. ذلك أن إسرائيل لن تقبل إلا بدولة واحدة بين النهر والبحر. أما بالنسبة للحقوق التي سيتمتع بها الفلسطينيون، فالأمر ليس واضحاً بعد، وبالنسبة لنتنياهو، ليس مهماً أيضاً.

 

وقد كانت مثل هذه الأفكار تجول في بال الإسرائيليين منذ أن احتلوا الضفة الغربية وقطاع غزة. كما يريد بعض الإسرائيليين ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية والتخلص من الفلسطينيين غير المنضمين إلى الأردن، التي يعتبرها الإسرائيليون دولة فلسطينية. بينما يأمل البعض بضم جميع المناطق ومنح الفلسطينيين حقوقاً محدودة، ولكن ليس الجنسية. وما زال آخرون يتحدثون عن ضم الضفة الغربية كاملة ومنح الفلسطينيين الجنسية الإسرائيلية، معتقدين أنهم بذلك سيحافظون على وجود أغلبية يهودية. لكن هذا بالطبع لا يشمل غزة، التي تضم مليوني فلسطيني يسعون إلى إرسالهم إلى مصر أو الإبقاء عليهم محاصرين في السجن المفتوح الذي يقبعون فيه في الوقت الراهن.

لكن ما رأي الفلسطينيين في هذا؟ ماذا لو لم يوافق الأردنيون والمصريون والفلسطينيون على ذلك؟ والإسرائيليون الذين يستحضرون كوابيس الفصل العنصري هذه لم يتوقفوا للتفكير في قبول الفلسطينيين والعرب. ونظراً لأن الفلسطينيين لن يقبلوا بإرادتهم بالمزيد من سلب الحقوق، يبقى هنالك عدد قليل من الخيارات؛ التهجير القسري، أو الاستمرار بالوضع الراهن إلى ما لا نهاية أو منح حقوق متساوية للجميع. لكن الخيارين الأول والثاني لن يتقبلهما أي أحد في القرن الحادي والعشرين، وهذا يترك خياراً وحيداً؛ وهو الحقوق المتساوية للجميع.

 

وهذا واقع يصعب على الكثيرين تقبله. فذلك يعني بالنسبة للإسرائيليين قبول فكرة أن الديمقراطية اليهودية في الأرض الفلسطينية ليست ممكنة. وبالنسبة للفلسطينيين، يعني هذا أن تقبل فكرة وجود دولة للفلسطينيين متجانسة إلى حد كبير ليست ممكنة كذلك. وعليه، لا بد من أن يقوم قادة كلا المجتمعين بكسر هذا الواقع الصعب لشعْبَيْهِم، ونظراً للقيام بذلك سيتقبلون فكرة المحاسبة على كل ما تم فقدانه نتيجة السير بالاتجاه الخاطئ.

وبالتالي، ستكون الأسئلة التي يجب علينا أن نواجهها الآن هي كيف سنقوم بجعل هذا الأمر واقعاً؟ ما هو شكل التنازلات التي سيقدمها الطرفان؟ كيف ستبدو عملية الوصول إلى ذلك؟ ما هي الحوافز والعوائق الضرورية لدفع الطرفين للتحرك في هذا الاتجاه؟ هذه أسئلة لا تسهل الإجابة عليها، وذلك يعود جزئياً إلى أن هذه المناقشة الضرورية للغاية قد تم قمعها لمدة طويلة من قبل مجموعة السياسات العالمية التي رفضت الخروج شبراً واحداً عن عقيدة حل الدولتين.

 

لقد أمضينا ساعات طوال وقلبنا الكثير من الصفحات في مناقشة الخط الفاصل بين القرى والمستوطنات التي لا تعد ولا تحصى. لكن الخطوط التي يجب أن نستكشفها الآن في مُضينا قدماً هي تلك التي لا بد من رسمها في اتفاق سياسي، أو في دستور، يوازن بين التطلعات الجماعية للإسرائيليين والفلسطينيين من جهة والإحقاق الكامل لحقوق الإنسان لدى كل الشعوب.

وقد يتساءل البعض ماذا لو لم يوافق الإسرائيليون على الحقوق المتساوية، كما لم يوافق الفلسطينيون على انتزاع الملكية؟ هذا أحد الاحتمالات. وهذا ما حصل عندما تردد البيض والأفارقة في جنوب الولايات المتحدة في قبول الإصلاحات في الأنظمة التي تفضل بعضهم على حساب الآخر. ولن تقبل أي مجموعة، بما فيها اليهود الإسرائيليون، بسرعة بمثل هذه الإصلاحات. وبالتالي، سيتعين على إحدى الجماعات الدولية التي ترفض الفصل العنصري البديل أن ترغمهم على القول بهذا الخيار، كما هو الحال في جنوب أفريقيا.

 

وربما يكون الرئيس ترامب قد فتح الباب أمام هذا الحوار، إلا أنه من المؤكد لن يكون الطرف الذي سيدفع الأطراف إلى المكان الذي ينبغي لهم التوجه إليه. ومن غير المحتمل أن يقوم أيضاً بالاعتراض على الوضع الراهن. وهذا هو بالضبط السبب وراء إعجاب نتنياهو، الذي يعرف ما سبق، بترامب ورهانه بشدة على الحزب الجمهوري في الأعوام الأخيرة حتى وإن كان ذلك على حساب تسييس العلاقة الأمريكية الإسرائيلية. فهو يعلم أن قاعدة الحزب الجمهوري على صلة وثيقة بالصهيونية بما في ذلك كراهية الأجانب، والعداء للمهاجرين والعنصرية، وهو اعتقاد ينص على أن الدولة موجودة لحماية هيمنة مجموعة تنتمي لعرق ديني واحد.

لكن سيأتي يوم، تكثر فيه المستوطنات في وقت لاحق، بعد ترامب. وربما يكون ذلك خلال 8 أعوام أو 4 أو أقل. وماذا بعد ذلك؟ عندما تخرج الولايات المتحدة من هذه اللحظة الهستيرية التي تضم الأغلبية وتعيد التركيز على قيم الاندماج والمساواة التي تجعلها عظيمة بحق، ستجد نفسها مبعدة عن إسرائيل التي ضاعفت من اعتمادها على الفصل العنصري.

 

-------------------------

لمحة عن الكاتب:

يوسف منير (Yousef Munayyer): مدير صندوق القدس والمركز الفلسطيني في واشنطن.

 

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2540379

مقالات المترجم