No votes yet
عدد القراءات: 15498

لمحة تاريخية موجزة عن التدخلات الروسية في انتخابات الشعوب الأخرى

تاريخ النشر: 
20 آذار (مارس), 2017
اللغة الأصلية: 

 

روسيا اعتادت إقحام نفسها في سياسات الدول الأخرى.

 

قامت روسيا، على امتداد الأعوام التسع الماضية بغزو جارتها جورجيا وضم الإقليم الأوكراني شبه جزية القرم، كما دعمت المتمردين في شرق أوكرانيا وتدخلت في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وبالتالي، فرضت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات لاذعة على روسيا جزاءً لتصرفاتها في أوكرانيا.

ونظراً لعملي مؤرخاً روسياً، فإني أجد أن أكثر الأسئلة المثيرة للاهتمام هنا، هو: هل تُعدّ هذه التصرفات دلالة على أن روسيا تعود إلى انتهاج سياساتها الخارجية العدوانية، أم أنها جزء من اتجاه جديد كلياً في سياسة روسيا الخارجية؟

والإجابة عن هذا السؤال بالغة الأهمية لكل من الولايات المتحدة ودول العالم أجمع. فإذا كانت هذه السياسات ترجع إلى التقاليد الروسية القديمة، سيكون من الصعب بمكان أن نغير اتجاه العدوان الروسي.

وكي نجد جواباً له، سنلقي نظرة على نماذج للسياسة الروسية التي تمتد إلى 3 قرون.

 

رشوة الأشراف

في بداية القرن السابع عشر، كانت بولندا قوة عظمى لم تتدخل في السياسات الروسية فحسب، وإنما قامت بإرسال جيشها إلى موسكو في العام 1610 ونصّبت كذلك أميراً بولندياً ليستلم العرش. غير أن قوة روسيا قد تنامت في الأعوام المئة التي تلت ذلك، وبحلول أوائل القرن الثامن عشر كانت روسيا تتدخل بصفة روتينية في السياسات الداخلية للانتخابات البولندية. في هذا الوقت، انتُخِب الملك البولندي عن طريق الأشراف؛ ليقوم بطرس الأكبر ومن جاء بعده برشوة الأشراف للتصويت ضد محاولات الملك والحكومة المركزية لتقوية الحكومة والجيش الوطني.

ومع نهاية ذلك القرن، تقاسمت كل من روسيا والنمسا وبروسيا –ثلاث دول قضت على المقاومة البولندية الشريفة وفرضت على رعاياها ضرائب كبيرة لتمويل الجيوش القوية- تقاسمت تلك الدول الدولة البولندية فيما بينها، ومسحتها بذلك من الخريطة تماماً. ولكن بولندا ظلت في حقيقة الأمر جزءاً من الإمبراطورية الروسية حتى استعادت استقلالها أثناء الحرب العالمية الأولى.

وقد كان الاتجاه الآخر لتوسع روسيا هو الجنوب الغربي، ففي عام 1774، انتصرت روسيا على الإمبراطورية العثمانية، وهي إمبراطورية كبرى هيمنت على منطقة البحر الأبيض المتوسط من المغرب مروراً بالشرق الأوسط فتركيا ووصولاً إلى البلقان. وفي السلام التأديبي، احتفظت روسيا بحق التدخل في شؤون الدولة العثمانية الداخلية بالنيابة عن المسيحيين. وفي عام 1814، وبعد أن قام الاسكندر بطرد نابليون خارج روسيا، دخلت قوات القيصر إلى باريس وتوسّطت في السلام الأوروبي. وفي عام 1848، وأثناء تمهيد غريب للغزو السوفييتي في العام 1956، قمعت القوات الروسية ثورة الأشراف المجرية ضد حكم هابسبورغ.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، شاركت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها من القوى الأوروبية في "سباق المستعمرات" الكبير في إفريقيا وآسيا،  ولكن توسع روسيا الإمبريالي في هذه الحقبة كان محدوداً نسبياً. وعلى الرغم من غزوها لأراضٍ قليلة الكثافة السكانية في آسيا الوسطى، إلا أنها عند محاولتها التوسع في الشرق الأقصى، ألحقت بها اليابان هزيمة نكراء في حرب مهينة.

 

الحقبة السوفييتية

منذ بداية مولده عام 1917، سعى النظام السوفييتي إلى تحويل ثورته الشيوعية إلى ثورة شيوعية عالمية. لكن الانتصار في الحرب العالمية الثانية هو ما منح الاتحاد السوفييتي القوة العظمى والقدرة على التدخل في شؤون الدول الأخرى على النطاق العالمي.

ولكن الاتحاد السوفييتي شدد الرقابة وفرض النموذج الشيوعي السوفييتي على كل دول شرق أوروبا ودعم الحركات الشيوعية والقومية الراديكالية والمناهضة للاستعمار في جميع أنحاء العالم. كما حاول الاتحاد السوفييتي أن يخلق بديلاً له عن النظام الاقتصادي العالمي بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وبديلاً عن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

والآن، تدعم روسيا الخصوم القوميين للنظام الاقتصادي العالمي والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وعلى الرغم من أن الشيوعية ومعاداة الهجرة اليمينية الشعبوية اليوم تُعدان من المتضادات الأيديولوجية، في الظاهر، فإنهما في حقيقة الأمر تتشاركان الكثير فيما بينهما. ذلك أن كليهما ترفضان الوضع العالمي الراهن والطرق الاعتيادية لسياسة الحزب والموقف من الوقائع والإعلام. كما تتحرك كلاهما بدافع من العدائية الكامنة تجاه العالم الغربي.

 

على أية حال، يجب أن نأخذ بضعة أشياء مهمة  بعين الاعتبار قبل أن نستنتج أن روسيا موجَّهة بطبيعتها، أو على نحو فريد، إلى تشكيل امبراطورية وتوسيع نفوذها في الخارج.

بداية، قامت أوروبا الشرقية الخاضعة لسيطرة السوفييت بالانفصال عن الاتحاد عام 1989، بأسلوب سلمي لافت للنظر. وبعد ذلك بعامين، تم حل الاتحاد السوفييتي على يد قائد الاتحاد الروسي إلى جانب القادة؛ الكازاخستاني والبيلاروسي والأوكراني دون غيرهم. وبرغم وجود القليل من الاشتباكات وحروب الخلافة الصغيرة، يمكن أن يقال أن ذلك كان أسرع انحلال والأكثر سلمية لإمبراطورية عظمى في التاريخ.

 

وبالنظر إلى التاريخ المليء بالعنف للصراعات بين أكبر 3 تجمعات للسكان في المنطقة؛ البولنديين والأوكرانيين والروس، من الجدير بالملاحظة أن المنطقة لم تنزلق في حروب الخلافة. وقد وضّح الكتاب الشعبي " Armageddon Averted" كيف كان القبول الروسي السلمي لخسارة الإمبراطورية والتأثير العالمي في التسعينات كان نوعاً من المعجزة، لا سيما على ضوء انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في جميع أنحاء المنطقة.

وثانياً، من السهل أيضاً نسيان تاريخ "الغرب الديمقراطي"؛ فقد قامت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال ببناء إمبراطوريات ضخمة في الخارج ومن ثم حكمها منذ القرن السادس عشر وحتى النصف الثاني من القرن العشرين. أما تركيا فقد شيّدت إمبراطورية متعددة الأعراق حول منطقة البحر الأبيض المتوسط ممتدة من المغرب حتى البلقان، كما ضمّت النمسا عشرات القوميين في إمبراطورية أوروبية قارية كبرى.

وقد استعادت الولايات المتحدة الكثير من أراضيها الغربية من يد إسبانيا والمكسيك والأمريكيين الأصليين في القرن التاسع عشر، وقامت بتأسيس منطقة نفوذ في جنوب ووسط أمريكا، التي كثيراً ما تدخلت في انتخاباتها وحتى الانقلابات فيها.

وقد انفصلت تلك الإمبراطوريات على دفعتين: في أعقاب الحرب العالمية الأولى وعلى امتداد العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية. ويُعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانفصال الدول التابعة له في أوروبا الشرقية في الأساس الفصل الأخير في حكاية هذه الظاهرة العالمية. ولم يسبق أن كانت عملية تفكك إمبريالي بهذه السلمية، فقد كانت في أماكن أخرى مثل منطقة الشرق الأوسط صلة وصل بين حروب أهلية عنيفة.

 

والنقطة الثالثة هي أن نأخذ بالحسبان أنه على الرغم من أن التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية ليس له مثيل في تاريخ الانتخابات الأمريكية، وبغض النظر عن أنه قضية تدعو إلى القلق فعلاً، إلا أن ذلك موجود في تاريخ العلاقات الدولية. في واقع الأمر،  للولايات المتحدة سجل طويل في التدخل في جداول الانتخابات لدول أخرى. ووفقاً لقواعد البيانات التي أعدتها "دوف ليفن"، فقد حاولت الولايات المتحدة التأثير في نتائج 81 انتخاب رئاسي حول العالم منذ عام 1946 وحتى العام 2000.

وبعد هذه التوضيحات، نرجع إلى السؤال السابق: هل تعني تصرفات روسيا الأخيرة عودة إلى العدائية الروسية التقليدية بعد عقد غير معهود من التراجع بين العامين 1989-1999؟

ذلك أن التدخلات الروسية، باستثناء تدخلها في الشأن السوري، كانت منذ عام 1991مقتصرة على دول الجوار المباشرة.  وربما يُعد التدخل في الانتخابات ودعم الأحزاب اليمينية في أوروبا والولايات المتحدة إشارة على أن هذا نوع من التغيير.

 

لكن روسيا اليوم ليست قوة عظمى صاعدة كما كانت أواخر القرن الثامن عشر وحتى مطلع القرن العشرين. وكدولة ضعيفة نسبياً ومع تدني قوتها النسبية، من الممكن القول أن مشاريع سياستها الخارجية كانت موجهة على نحو أكبر تجاه اكتساب الدعم المحلي لنظام يفتقر إلى الشرعية الانتخابية. وفي هذا الإطار، من المحتمل أن سياسة روسيا مؤخراً أشبه بالتصرفات البريطانية في فلاكلاند وسياسات الولايات المتحدة في غرناطة في الثمانينات أكثر من اقترابها من السلسة الطويلة للأعمال الروسية في التوسع والتدخل الخارجي أثناء عهد التطور كقوة عظمى والذي امتد 3 قرون.

فقد كافحت كل إمبراطورية سابقة للتعامل مع خسارة الإمبراطورية، ولا تختلف روسيا في ذلك.  والسؤال الكبير في العلاقات الدولية في الأعوام القادمة سيكون حول ما إذا كانت سترجع روسيا إلى أساليب التوسع والتدخل الخارجي التي اتبعتها منذ 300 عام، أو ما إذا كانت ستتخلى عن تقاليدها.

 

--------------------------

الكاتب:

إيريك لور (Eric Lohr): أستاذ التاريخ الروسي في الجامعة الأمريكية

علِّق