No votes yet
عدد القراءات: 10092

لماذا قد لا يكون التغيير الديموغرافي من أهداف الحرب في سوريا؟

الكاتب الأصلي: 
Aymenn al Tammimi
تاريخ النشر: 
22 آذار (مارس), 2017
اللغة الأصلية: 

 

لربما يكون موضوع "التغيير الديموغرافي" أحد أكثر أوجه الصراع السوري إثارة للجدل: وهي ادعاءات بأن النظام السوري يحاول هندسة توازن طائفي جديد بدعم ومشاركة من حليفته إيران. وبحسب هذا الجدل المعلن بصورة بارزة في طيف واسع من القنوات الإعلامية، فإن النظام السوري يحاول تقليل نسبة السكان من السُنة الذين قد يمثلون تهديداً لحكمه ويعيد توطين الشيعة الأجانب أو المحليين في المناطق ذات الغالبية السُنية ــ بالترافق مع جهود إيرانية لنشر التشيع على نطاق أوسع: وهو اعتناق المذهب الشيعي في الإسلام في أوساط السكان ككل.

واعتادت بعض المزاعم إثبات هذه النظرية، من قبيل أن التطهير الطائفي والتَشَيُع هي أمور متأصلة في الواقع التجريبي. غير أن هذه المزاعم لوحدها لا تكفي لإثبات هندسة متعمدة لسياسة التغيير الديموغرافي، وربما يكون هناك تفسيرات أخرى. فمثلاً، إن مزاعم أن النظام السوري يوطِنُ الشيعة في المناطق السُنية ــ تدعم هذه الرواية عن قرب أكثر، غير أنها ليست مدعومة بالأدلة والبراهين أيضاً. وتعكسُ بعض الحالات، مثل اتفاقيات نقل السكان، تداخلاً بين هاتين الخصلتين.

 

ولنبدأ أولاً بالنقاط الملموسة:  كان التطهير الطائفي ـــ تهجير السكان العرب السُنة من مناطق متنوعةـ جزءاً من الحرب منذ عام 2012 على الأقل. ويدعم أيضاً شراء إيران للعقارات في سوريا وتأسيس مكاتب التجنيد لصالح فيلق الحرس الثوري الإيراني  وحزب الله اللبناني، رواية التغيير الديموغرافي على نطاق أوسع.

وفي هذا السياق، ظهر على السطح حزب الله السوري وهو مجموعة من المسلحين السوريين الشيعة المرتبطين بإيران وتعمل بصورة مشابهة لحزب الله اللبناني. وتظهر هذه المجموعة غالباً في المجتمعات السورية الشيعية اليوم مثل قريتي نُبُل والزهراء شمال مدينة حلب، ومناطق في محافظة حمص والمدينة، وبعض ضواحي مدينة دمشق. وأحد الأمثلة على ربط حزب الله السوري مع هدف التشيعُ الواسع، هو تأسيس لواء الباقر، وهو ميليشيا يبلغ تعدادها ثلاثة آلاف مقاتل تعود أصولها إلى العام 2012 بين رجال عشيرة "البَقَارة"  الذين تَشَيعوا. لعبت هذه المليشيا دوراً مهماً في معارك حلب وتلقت التدريبات من قوات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني.

وجَندَ حزب الله السوريين أيضاً في المناطق غير الشيعية، حتى في محافظة دير الزور شرقي البلاد، حيث يحاول تنظيم الدولة الإٍسلامية السيطرة على آخر مقرات ومعاقل قوات النظام. في يناير/ كانون الأول، قُتِلَ سوريان على الأقل من دير الزور وهما يقاتلان في صفوف حزب الله  أثناء التصدي لهجوم شنه تنظيم الدولة. ويوجد في دير الزور أيضاً مجموعة تابعة لحزب الله السوري تحت اسم "لواء الإمام زين العابدين". وفي حديث له مطلع شهر شباط الماضي، أكد  أبو عبود القائد العسكري للجماعة والذي يعمل مهندساً بترولياً،أن المليشيا لا تزال تقاتل في المحافظة.

واندمجت بعض المليشيات الأجنبية المدعومة إيرانياً، في صفوف جهاز القوات المحلية: فمثلاً، إن لواء "ذو الفقار" العراقي جزء من "درع الوطن" وهو عبارة عن مجموعة من المليشيات المرتبطة بمؤسسة البستان وهي منظمة خيرية يمولها رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد. ويَشغَل قائد المليشيا حيدر الجبوري دوراً عسكرياً قيادياً في "درع الوطن". ويتداخل لواء "الإمام الحسين"، لواء شيعي عراقي آخر، مع الفرقة الرابعة المدرعة وهي وحدة النخبة في الجيش السوري. وأقامت بعض المجموعات العراقية أيضاً علاقات عمل وثيقة مع ميليشيا "صقور الصحراء" الخاصة، وعملت ضمن صفوفها.

 

مهما يكن، وحتى مع دمجها، لا توضح هذه الحقائق بشكل حاسم، خطة للتغيير الديموغرافي. وغالباً ما حدث التطهير الطائفي على طول الحدود الفاصلة بين المناطق السُنية والعلوية. العلويون هم مجموعة أقلية ينحدرُ منها الرئيس الأسد. ولكن خلافاً للمفهوم الشعبي، فَهُم مميزون عن الشيعة. شارك المسلحون العلويون في عمليات التطهير الطائفي في مناطق مثل حمص وبانياس، غير أن سبب مشاركتهم تلك كان لأنهم رأوا  في السُنة الثائرين تهديداً أمنياً لأهم المناطق العلوية، وليس بهدف هندسة عملية  واسعة من التغيير الديموغرافي تدعمها إيران.

ويعكسُ تَطَورُ جماعة حزب الله السوري ودمج المليشيات الشيعية، أهدافاً إيرانية في سوريا بالفعل ــ بيد أنها لا تشير بالضرورة إلى التغيير الديموغرافي. ويمنح هذا التطور إيران نفوذاً دائماً في الشؤون الأمنية السورية، وبذلك يخفف من مخاطر أن يستاء السوريون مما يرونه احتلالاً من جانب قوىَ أجنبية منفصلة. منطقياً، تريد إيران حضوراً طويل الأمد أو دائماً في سوريا وبالأخص من أجل المقاتلين الشيعة الأفغان في لواء "الفاطميون" والذين يقدر عددهم بعدة آلاف ممن عاش غالبيتهم كلاجئين في إيران في ظل ظروف معيشية قاسية قبل أن يجندهم الحرس الثوري الإيراني. كان أربعة على الأقل من مقاتلي لواء "الفاطميون" يتواجدون على خط الجبهة في المنطقة المحيطة بمدينة تدمر عندما أعاد تنظيم الدولة سيطرته عليها شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، من المحتمل أن إيران تخطط لإنشاء قواعد كبيرة لها في سوريا تكون متكاملة مع القوات المسلحة السورية بحيث ستصبح مستعمرات لأولئك المقاتلين.

إن صعود النسخة السورية من جماعة حزب الله في أوساط المجتمعات الشيعية السورية المتواجدة اليوم، والروابط الناتجة مع إيران تلائم بلا أدنى شك رغبة طهران بدعم إيديولوجيتها وسط هذه المجتمعات وإظهار نفسها بمظهر المدافع عنهم والضامن لمصالحهم. وعلى أيَ حال، فإن أشد الأمثلة وضوحاً عن التشيُع، في حالة لواء الباقر، هو في الحقيقة ليس ظاهرة في زمن الحرب: إن حالات اعتناق المذهب الشيعي بين رجال عشيرة "البقارة" المدفوعين بتبشير إيراني، إنما كانت تحدث قبل الحرب، وكانت مبادرات التَشيع هذه ناجحةَ بسبب الروابط بين أصول القبائل والإمام الشيعي الخامس "الإمام محمد الباقر".

وتلائم الأمثلة الأخرى المأخوذة لدعم رواية التغيير الديموغرافي هذا الموضوع بشكل أفضل، لكنها أقل إثباتاً. ولنأخذ مدينة داريا الدمشقية مثالاً على ذلك. أدت أربع سنوات من حصار النظام للمدينة إلى تناقص كبير في سكانها الأصليين بلغ ذروته مع توقيع اتفاقية نهائية لإجلاء ما تبقى من المدنيين والثوار في المدينة في أغسطس/ آب الماضي. زعمت صحيفة الغارديان البريطانية أن النظام السوري وَطَنَ فيما بعد أكثر من 300 عائلة شيعية عراقية في داريا التي تحضن نفسها مزاراً شيعياً. ونسبت الصحيفة زعمها إلى الإعلام السوري الحكومي، في الوقت الذي يشكل فيه هذا الزعم  سلعة لوسائل الإعلام الممولة سعودياً مثل صحيفة "الشرق الأوسط – العدو العلني للنظام السوري وإيران ـــ،  وكشف بحث أجرته إحدى وسائل الإعلام الداعمة للنظام تقريراً واحداً فقط أعده موقع "دمشق الآن" الداعم للنظام هو الآخر، ويذكر التقرير وصول عائلات عراقية إلى مدينة دمشق وليس إلى داريا هرباً من تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة الموصل، ولم يحدد التقرير الطائفة التي تنحدر منها تلك العوائل.

 

وفي حديثه إلى موقع "سيريا ديبلي"  شهر كان الأول/ يناير الماضي، أنكر مصدر في موقع "دمشق الآن" وجود أي سكان في داريا في الوقت الراهن. وكان المدعو أبو حيدر الحربي، العنصر العراقي في قوات حزب الله في سوريا، قد أيد هذه المزاعم واصفاً المدينة بأنها منطقة عسكرية. وبحسب دليل من مصدر مفتوح، فإن هناك نقاشات جارية داخل دوائر النظام حول عودة المدنيين إلى داريا، مع اتخاذ خطوات نحو السماح للمزارعين بالذهاب إلى المناطق الزراعية بقصد الزراعة لا غير.

وتتحول مناقشات التغيير الديموغرافي بصورة متكررة إلى اتفاقية "المدن الأربعة" والتي تربط مصير مدينتي الفوعة وكفريا الشيعيتين في محافظة إدلب الشمالية مع الزبداني ومضايا السُنيَتين ،غرب دمشق قرب الحدود اللبنانية. ولطالما حاصر الثوار الفوعة وكفريا منذ طرد قوات النظام من معظم مناطق محافظة إدلب في ربيع وصيف العام 2015، بينما حاصر النظام وحلفاؤه من بينهم حزب الله، الزبداني ومضايا منذ تموز من العام ذاته. وتحت بنود اتفاقية لوقف إطلاق النار يعود تاريخها إلى سبتمبر/ أيلول من عام 2015، يُسمح بدخول المساعدات الإنسانية إلى مدينة واحدة فقط تزامناً مع دخول قافلة مشابهة إلى المدن الأخرى التي يحاصرها الثوار.

خلال المفاوضات الأولى، أفادت تقارير أن إيران عرضت مقايضة سكانية بحيث ينتقل سكان الفوعة وكفريا للعيش في مناطق سيطرة النظام، بينما يحل محلهم سكان الزبداني ومضايا.ورغم أن هذا العرض مثير بالتأكيد، فإنه لا يدعم بالضرورة الجدل حول التغيير الديموغرافي، وإنما يمكن ربطه مع اهتمامات إيران آنفة  الذكر في الترويج لنفسها كحامية الشيعة والضامنة لمصالحهم.

وذكرت التقارير أيضاً أن هذا العرض عاود الظهور مجدداً عندما تم إجلاء آخر المدنيين والثوار من أحياء حلب الشرقية شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ولكن بالرغم من بعض الاعتقادات الخاطئة بعينها، فإنه لم يتم التوصل إلى أي اتفاق حينها. وخلال حديثهم السري لموقع "سيريا ديبلي" بين الثامن والتاسع عشر من يناير/ كانون الثاني، نفى مؤسسو صفحة "شبكة أخبار الفوعة وكفريا المحاصرة" على موقع الفيسبوك، وجود أي خطة لإجلاء سكان البلدتين اللتين يبلغ تعداد السكان الأصليين فيهما  20 ألف نسمة. آنذاك، لم يُسمح إلا بخروج ألف مدني فقط كجزء من اتفاقية لإجلاء 4 آلاف من النساء والأطفال والجرحى والمرضى.

 

وحتى لو تم إجلاء جميع السكان، فإنه من غير الواضح كيف لأرقامٍ كهذه أن تُحدِثَ تغييراً ديموغرافياً حقيقياً وذا معنى في سوريا. من المرجح جداً أنه وبدل إجلاء تام لسكان الفوعة وكفريا، سوف تحاول قوات النظام وحلفاؤها كسر الحصار عبر التقدم إلى محافظة إدلب، وهي نظرية ناقشتها المليشيات الشيعية المدعومة إيرانياً. كما وجرت هناك مظاهرات متكررة  تدعو لكسر الحصار المفروض على البلدتين.

وبعبارة أشمل، فإن سردية التغيير الديموغرافي لا تفسر نهج النظام المتعدد الأوجه ،الهادف لإعادة السيطرة على مناطق الثوار وإدارتها، والذي يتنوع وفقاً للحاجات والظروف. وأيضاً، إن النظام ليس في موضع تجاهل حقيقة أن أغلبية سكان البلاد هم من العرب السُنة. وبينما يسعى لإعادة السيطرة على مزيد من الأراضي ولاسيما أنه يقاتل في ظل عجز في القوى البشرية في وجه عزوف الكثير من الشباب السوري عن أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، والفرار من صفوف الجيش، سيحتاج النظام إلى مستوىً من القبول والإجماع والمشاركة من جانب الأغلبية السنية. ولهذا السبب، فإن التزايد الأخير للمليشيات الساعية إلى تجنيد السكان المحليين في المناطق التي يستعيد النظام السيطرة عليها، والسعي وراء اتفاقيات "المصالحة" في مناطق سيطرة المعارضة هو أمر ليس مفاجئاً أبداً.

وبهذا الخصوص، فإن ادعاءات صحيفة الغارديان بأن سوريا وإيران لا تريدان حضوراً للسُنة على طول الحدود السورية مع لبنان من دمشق وصولاً إلى حمص ـ والتي لا تستند إلا إلى اقتباسات من حديث مسؤول لبناني مجهول الهويةــ ليست ذات مصداقية، ولا تعطي هذه الادعاءات أهمية للمليشيات المؤيدة للحكومة في منطقة القلمون، التي كانت تجنّد عناصرَها في مناطق السُنة منذ بداية العام 2014. مؤخراً، ومع سعي الحكومة لإعادة السيطرة على آخر معاقل الثوار في ريف دمشق الغربي في محيط جبل الحرمون قرب الحدود مع لبنان ومرتفعات الجولان المحتل، فقد أسست مليشيا فوج الحرمون لتجنيد السكان المحليين ـ بما فيه ثوار سابقون ـ في القرى التي وافقت على اتفاقيات "المصالحة".

وإذا ما استمرت الحكومة في السيطرة على الأرض، والمُضي بثبات على طريق الهيمنة السياسية، فإن التحليل الـدقيق للأحداث والاتجاهات داخل مناطق سيطرتها سيصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. قد تبدو سردية التغيير الديموغرافي مغرية للوهلة الأولى، بيد أنها ستفشل بالنهاية في أن تدعم فحصاً عميقاً.

 

----------------

الكاتب:

أيمن التميمي (Aymenn al Tammimi): هو زميل باحث في منتدى الشرق الأوسط وهو مجموعة أمريكية للتفكير الإستراتيجي  

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 718912

مقالات المترجم