عدد القراءات: 5061

لماذا حوَّل المسلمون بلدانهم إلى حجيم لا يطاق...؟!

يظنُّ كثيرٌ من المُسلمين أنَّهم على طريق الله القويم الذي سيُوصلُهم إلى الجنَّة حتماً مع أنَّهم يعيشون اليومَ في جحيمِ الدُّنيا، فهم لا يعتبرون هذا الجحيمَ الدُّنيويَّ الممتلىءَ قتلاً وذبحاً وظُلماً وإفساداً وقهراً سوى ابتلاءً من الله لهم ليُثبتوا له حُسنَ نيَّاتهم وصِدق إيمانهم !

حربٌ في سورية تستمرُّ منذ 5 سنوات وقد حصدتْ إلى الآن أرواح 400 ألف إنسان على الأقل، حربٌ في العراق على أسسٍ عرقيَّة ومذهبيَّة قتلت مئات الآلاف وقسَّمت البلدَ الواحدَ، حربٌ في اليمن حصدتْ إلى الآن آلاف الضحايا، حربٌ كلاميَّةٌ في لبنان بين طوائفه المختلفة بعد سنوات من حربٍ أهليَّة قتلت مئات الآلاف، حربٌ دامية في ليبيا على السُّلطة، ظُلمٌ وقهرٌ في مصر من فرعونٍ جديد لا يُجيدُ صياغةَ جملةٍ مُفيدة ويحكم أُمَّةً كاملةً عددُ سُكَّانها 80 مليوناً على الأقل، مجاعاتٌ في بلدانٍ تركتها الحروبُ للتوِّ وبزخٌ في بلدانٍ أُخرى ابتلاها اللهُ بأن أكرمها بكثيرٍ من الثروات فراحتْ تدعمُ بها أعداءَها إلى أن وصلتْ إلى حالةٍ اقتصاديَّةٍ غيرِ مُبشِّرة بخير كما يحدث في السعوديَّة وقطر مثلاً.

 

لقد صار حُلمُ كثيرٍ من شباب المُسلمين يقتصرُ على ترك بُلدانهم الإسلاميَّة ولو عبر المُخاطرة في قوارب صغيرة تعبر البحار للوصول إلى الجنَّة التي يتصوَّرون وجودَها في أوربة أو أمريكا أو كندا مُقارنةً ببلدانهم التعيسة.

 

السؤال :

لماذا حوَّلَ المسلمون بلدانَهم إلى حجيمٍ لا يُطاق مع أنَّهم يُصرُّون على أنَّهم يعبدون الله بذلك ؟ ! لماذا يحاولون إلصاقَ فشلهم في الوصول إلى مقوِّمات حياةٍ آمنة بالله وكتابه تحت حُجَّة الابتلاء ؟!

ألم يقل اللهُ في كتابه :"كتابٌ أنزلناه إليكَ لتُخرجَ النَّاسَ من الظلمات إلى النور بإذن ربِّهم إلى صراط العزيز الحميد".

هل يستطيعُ واحدٌ منَّا الادَّعاءَ بأنَّ النُّورَ يُضيئُ حياةَ المُسلمين اليوم ؟ إن كان القتلُ والظُّلمُ والفسادُ والذَّبحُ نوراً فماالظَّلامُ إذاً ؟

وماذا نفهمُ إذاً من قول الله :

" وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ ".

وعدَ اللهُ مَن آمنَ به وعملَ صالحاً بثلاثة أشياء :السيادة والحاكميَّة في الأرض، التمكين في الدِّين عبر فهمه فهماً صحيحاً يُنير حياة المسلمين، والأمن فلا خوف ولا خشيةَ ولا هروب ولا لجوءَ في بلدانٍ غير إسلامية.

لكنَّ الآيةَ اشترطتْ شرطاً واحداً لتحقُّق الوعد :"يعبدونني لا يُشركون بي شيئاً".

ليس للمسلمين اليوم حاكميَّةٌ في الأرض بل هم أدواتٌ في أيدي الآخرين، ولا يعنيهم من الدِّين إلَّا ما يُناسب أهواءهم فيقتلون باسم الله ويأكلون الربا باسم الله ويتحالفون مع أعدائهم باسم الله والدَّين، وامتلأتْ أرضُهم خوفاً وقهراً ورعباً، فأين وعود الآية الكريمة ؟ !

لم تتحقَّق الوعود لأننا لم نُحقق الشرطَ الوحيد لها "عبادة الله دون شرك وعملُ الصالحات".

 

لو سألتَ مُسلماً اليوم عن معنى قوله "أشهدُ أن لا إله إلَّا الله" لَمَا وصلتَ إلى جوابٍ مُقنع، فهو يقول ذلك لأنَّه يُريد أن يُصبح مسلماً فقط ولو شهدَ زوراً، أي ولو شهدَ على وحدانية الله بلا عقلٍ ولا تفكُّرٍ ولا معرفةٍ حقيقية لله.

لا يُولَد أحدٌ منَّا مُسلماً لكنَّنا جميعاً نُولدُ على الفطرة السليمة "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصارَ والأفئدة"، أي أنَّ الله جعل لنا سمعاً وبصراً وفؤاداً لنشهدَ حقَّاً بوحدانيته دون تقليدٍ واتباع للآباء، فلا إسلامَ دون تفكيرٍ وعقلٍ وسمعٍ وبصرٍ وفؤاد، ولنا في إبراهيم عليه السلام المثال الأفضل عن حالة الوصول إلى الله والتسليم له.

سأضربُ ثلاثة أمثلة فقط عن ابتعاد المُسلمين عن عبادة الله ، وبالتالي ابتعادهم عن وعوده لهم :

 1 

نهى اللهُ نهياً قاطعاً في آياتْ كثيرةٍ عن تفريق الدِّين وتحويلِ المُسلمين إلى مذاهب وفرقٍ مختلفة، فهو يقولُ مثلاً : "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا" "وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" لكنَّ المُسلمين أصرُّوا إصراراً عجيباً على الابتعاد عن الوحدة التي أُمروا بها وانقسموا إلى طوائف تقتتلُ فيما بينها، فهذا شيعيٌّ وذلك سُني وأخرُ صوفي ورابعُ سلفيٌّ، فكانب النتيجةُ أن لبست هذه الطوائف والمذاهبُ لباساً غيرَ لباس التقوى وأذاقَ بعضُها بأسَ بعضٍ وفي هذه الحالة قال الله : " قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ".

ضربَ المسلمون بأمر الله عرضَ الحائط لأنَّهم استخدموا الدِّين للغايات والمنافع الشخصيَّة.

 

 2 

توعَّدَ اللهُ آكلي الربا بحربٍ لا تُبقي ولا تذر حين قال : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ".

" فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ"

لم يُعر المسلمون تهديدَ الله لهم اهتماماً لأنَّهم يظنون أنَّ حياتَهم الاقتصاديَّة لا يُمكن أن تسير بغير ربا، أي لأنَّهم يظنون أنَّ الله لا يعرفُ المنهجَ الأمثلَ الذي يجبُ عليهم اتباعُه في حياتهم، ومع ذلك يقول هؤلاء إنَّهم عبادٌ لله سلَّموا زمام أمورهم إليه !

هل بقي لقولهم :"نحن مُسلمون" من معنى ؟

هل عجزوا عن إيجاد بديلٍ للنظام الرَّبوي في تعاملاتهم المالية ؟

 

 3 

اتَّخذَ كثيرٌ من المُسلمين شيوخَهم ومُعلِّميهم أرباباً مع الله أو من دون الله أو من فوقه حتى، فسمعٌ وطاعةٌ مُطلقةٌ للشيوخ ولو خالفوا كتابَ الله والعقلَ وسُننَ الحياة الفطرية، ولا يعودُ ذلك إلَّا لكون هؤلاء المُسلمين بعيدين عن معرفة الله، فحين لا تعرفُ إلهاً واحداً ستعرف بكلِّ تأكيدٍ آلهةً كثيرةً، لذلك تبتدئ شهادتُنا بوحدانية الله بنفي وجود إلهٍ معه.

"اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ"

فكتابُ الله يقول وضوحاً أنَّ الحقيقةَ المُطلقة هي كلامُ الله وأنَّ كلَّ اختلافٍ يجب أن يُردَّ إليه " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ"

فالتنازعُ مع ولاة الأمر واردٌ، وولاة الأمر هم أصحابُ التأثير في قضيةٍ ما، فالمعلم وليُّ أمر طلابه، والأبُ وليُّ أمر أولاده، والمدير وليُّ أمر مؤسسته، والحاكم وليُّ أمر شعبه.

 

أريدُ أن أقول إنَّ أمام المُسلمين اليوم خيارين لا ثالث لهما للخروج من الجحيم الدنيوي الذي يعيشون فيه :

- إمَّا أن يتركوا كتابَ الله جانباَ بوضوحٍ تامٍّ ويُعلنوا بصراحة أنَّه غيرُ مؤهَّلٍ لقيادتهم إلى النَّور والسعادة وأنَّهم يُريدون منهجاً بعيداً عنه.

- أو أن يلتزموا التزاماً كاملاً لا يقبل التردُّدَ بما وردَ في كتاب الله من أحكامٍ تضمنُ لمن يلتزم بها سعادة الدَّارين، وهذا لا يحتاجُ إلَّا إلى أن يكونوا مسلمين حقيقيين سلَّموا أمرهم لله على  قناعةٍ كاملة وشهدوا حقَّاً "لازوراً" بوحدانيته.

 

علِّق