No votes yet
عدد القراءات: 8265

لماذا تُحدد خُرافة الصراع السنّي-الشيعيّ سياسات الشرق الأوسط – ولِمَ لا ينبغي عليها فِعلُ ذلك

الكاتب الأصلي: 
Steven A. Cook
تاريخ النشر: 
9 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

الصورة: آية الله علي خامنئي؛ الأمير محمد بن سلمان

 

هل العالم الإسلامي منقسمٌ حول صراعٍ طائفيّ قديم؟ كلاَّ؛ إنّما يتعلّق الأمر بسياسة القوّة في القرن الواحد والعشرين

 

صرّح نائب ولي العهد ووزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان يوم الثلاثاء الماضي، بأنَّ تحسين العلاقات بين بلاده وإيران كانت مسألةً مستحيلة وتساءل بن سلمان مستغرِباً بقوله: "كيف تُجري حواراً مع نظامٍ يقوم على أيديولوجية متطرّفة...تقول بأنّه ينبغي لهم الهيمنة على بلاد المسلمين ونشر مذهبهم الإثنا عشري في أرجاء العالم الإسلامي؟" وتأتي الإشارة إلى "المذهب الإثنا عشريّ" بمثابة طريقة أخرى للحديث عن "الشيعة،" وهي مذهب إسلامي يعتنقه الإيرانيون.

 

باستفهامه الاستنكاريّ هذا، قوّض بن سلمان ما اعتُقِدَ أنّها إشارات محتملة لحلحَلَةٍ في الحرب الباردة بين القوّتين البارزتَين في الخليج الفارسيّ. للمرة الأولى منذ عامين، سوف يُسمح للإيرانيين بالمشاركة في الحجّ إلى مكّة وهي قِبلَةُ جميع المسلمين. وتبذل القيادة الكويتية - وهي أحد شركاء السعودية الصغار في مجلس التعاون الخليجي - جهوداً حثيثة لتخفيف التوتر بين الرياض وطهران. ويبدو أن الأمير الكويتي كان يتصرّف على مسؤوليته الشخصية، ويبدو أنَّ التركيز على مسألة مشاركة الإيرانيين في الحج قد برزعلى خلفيّة أنَّ 500 منهم لقوا حتفهم في حادث تدافع خلال موسم الحج في عام 2015.

 

لا يبدو أنّ ثمّة نهاية تلوحُ في الأفق للصراع بين السعوديين والإيرانيين، على الرغم من أنّ كلا الجانبين تجنّب بشكل صارم الدخول في حربٍ بين بعضهما البعض، إلاَّ أنّهما يستمران إلى حدٍّ كبير في فعل ذلك على حساب الدم اليمني. لم يكن في خطاب بن سلمان ما يثير الدهشة. إذ أنّ مسألة القوّة الإيرانية في المنطقة هي الشاغل الأكبر بالنسبة للأشخاص الخمسة الذين يديرون المملكة العربية السعودية. كما أنّه لم يكن مفاجئاً أن يضع نائب ولي العهد السعودي الصراع في صيغة طائفية صريحة. والمشكلة هي أنّ بقيّة دول العالم قد قبلت بوجهة النظر هذه، حتى أنّها طبّقَتها داخليّاً، ويبدو أنَّ وجهة النظر هذه تُبلي حسناً مع السعوديين وغيرهم من الأنظمة الاستبدادية في المنطقة.

 

على مدار العقد الماضي على الأقل، كان ما يسمّى بالانقسام السنّي الشّيعي سمةً مميّزة للشرق الأوسط بالنسبة إلى لنقاد وغيرهم من المراقبين غير الضالعين في شؤون المنطقة. لهذه الفكرة جاذبيّتها من جانبين مهمَّين؛ فبالنسبة إلى البعض، لا بدَّ وأنّها فكرة محبّبة للغاية حيثُ تعلّموا أن يقول أو يكتبوا عنها أشياء من قبيل أنّها "انشقاق كبير حدث في معركة معيّنة في سهل كربلاء عام 680 م"،  ويبدو أنَّ مساعد ترامب الجاهل والفاقد للمصداقية سباستيان غوركا أقرب إلى هذه الفكرة من آرنست غيلنر. بالتأكيد، تشكّلت جذور الإسلام الشيعي مع العام 680 م، عندما قَتَلَ جنود الخليفة الأموي حفيد النبي محمد وابن علي بن أبي طالب وهو الحسين بن عليّ. لكنّ هذا الحدث لا ينبغي أو لا يعني ضمناً أنَّ أتباع الطائفتين الإسلاميتين الرئيسيتين محتّمٌ عليهما البقاء في حالة حرب مع بعضهما البعض. فهذا هو بالضبط ما يبتغيه العازفون على وتر الانقسام السني الشيعي.

 

ذلك يقود بمنتهى البساطة إلى السبب الثاني في كونِ هذا المفهوم يحظى بالقوة والتأثير في الخطاب الأمريكي حيالَ الشرق الأوسط؛ فإذا ما كان هنالك تعارض بين السنّة والشيعة، وإذا ما اعتقدنا بأنَّ لهذا الصراع طبيعته الأصيلة، ليس على الولايات المتحدة أن تتدخل فيه ولا ينبغي أن يكون لها أي علاقة به. وإذا كان هذا الصراع بالفعل واحد من "الصراعات التي تعود إلى آلاف السنين" – وفق تعبير الرئيس السابق باراك أوباما - فإنّ واشنطن لا يمكنها أن تفعل الكثير إزاء العنف وعدم الاستقرار الذي يهزُّ الشرق الأوسط حاليّاً.

 

ليس الأمر بهذه السهولة، فعلى الرغم من أنَّ بغداد، على سبيل المثال، لم تكُن أبداً جنّةً متعددة الثقافات والأديان كما قد يتصوّرُ بعض المعارضين لغزو العراق؛ إلاَّ أنّها لم تكن مدينة تقتضي وجود جدران من الإسمنت المسلّح وغيرها من الحواجز لحماية السنة والشيعة من بعضهم البعض. كان من بين العواقب غير المقصودة العديدة لعملية تحرير العراق أن سلّطَت الضوء على الاختلافات داخل المجتمع العراقي وعمَّقَتها، وهي اختلافات كانت طائفية ولكنّها لا تتعلق جوهرياً بالدين. بل كانت تتعلّق بالسياسة، وهي المنافسة في السيطرة على الموارد وتوزيعها.

كان الرئيس العراقي صدام حسين سنّياً، وكذلك جميع أولئك الذين سيطروا على الحياة السياسية العراقية على حساب الأغلبية الشيعية. أمّا بعد الغزو، فكان أولئك الذين جاءوا إلى السلطة في العراق من الشيعة، ممّا قوّض وضع النخب السياسية والاجتماعية السنية السابقة الذين كانوا عازمين على حماية مصالحهم في عراق ما بعد صدام، وسعى بعضهم إلى القيام بذلك عن طريق العنف.

 

وعندما يتعلَّق الأمر بإنشاء نظام سياسي جديد، ساعد الأميركيون في إنشاء نظام من الأنفال العرقية والدينية التي أملوا في أن تضمن الحفاظ على السلم الاجتماعي. غيرَ أنَّ تلك الطريقة لم تنجح، فقد اشتبكت جماعات وفصائل مختلفة حول من يحصل على ما في العراق الجديد. فما علاقة هذه الاشتباكات بالمعارك القديمة بين الجماعات المتنافسة من المسلمين على السلطة قُربَ كربلاء؟ لا شيئ أبداً. هي صراعات تتعلق بالسلطة السياسية في القرن الحادي والعشرين. ربما ليس هناك ما يمكن للولايات المتحدة القيام به لحل الصراع السياسي في العراق. ومن الممكن أيضا أن يكون هنالك طريق يقود إلى الأمام، لكنَّ الإصرار الأمريكي على رؤية تحديات العراق إلى حد كبير من زاوية الطائفية يجعل من الصعب التفكير  في الحلول بشكلٍ خلاّق.

 

أمّا المشكلة الأخرى في قبول مسألة الانقسام السنّي-الشّيعي التي تشبه "الهمروجة" فهي قبولها الضمني بالنّظرة العالمية للقوى الاستبدادية الإقليمية التي تستخدم الفكرة لأغراضها السياسية الخاصة. وكان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني قد حذَّر منذ أكثر من عقد من ظهور "الهلال الشيعي" الذى يهدد استقرار المنطقة. وانتقد الرئيس المصري حسني مبارك، بعد ذلك، الفكرة وأثار مخاوف مماثلة. وفي الآونة الأخيرة، أخذ السعوديون على عاتقهم مسؤولية تقويض المحور الشيعيّ الذي تعتبره الرياض تهديداً خاصّاً لأمنها. أرسل السعوديون 1200 جندي إلى البحرين في عام 2011 للمساعدة في إنهاء انتفاضة ضدّ عائلة آل خليفة الحاكمة وهي الانتفاضة التي يعتقد السعوديون أنها من تدبير عملاء يعملون لصالح إيران. وقد شنّت السعودية مؤخراً حرباً لا يمكن كسبُها في اليمن على أساس أنّ طهران كانت تُحرِّكُ فرعاً يمنيّاً من فروع الشيعة الدولية لتقويض حكومة عبد ربه منصور هادي.

 

ومن الواضح أنَّ إيران تسعى إلى توسيع وتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، ولكن ما أقنَع السعوديون أنفسهم به وأقنعونا نحن أيضاً هو أنَّ ما يواجهونه يرتبط بمعركة كربلاء في القرن السابع، وليس بسياسات القوّة الحديثة. حتّى قبل الثورة الإسلامية، سعت إيران إلى دورٍ أكبر في الشؤون الإقليمية بما يتناسب مع ما اعتبره قادتها الموقع المركزي للدولة شبه المملكة. وعلى عكس ما كانت عليه الأوضاع أيام الشاه، يتمتع المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي ببيئة سياسية إقليمية أكثر ملاءمة لمحاولة تحقيق هذه الأهداف التي طال أمدها، ويرجع الفضل في ذلك إلى حدٍّ كبيرٍ لعدم استقرار الولايات المتحدة في العراق وفشل الانتفاضات في سوريا واليمن.  

 

وبالطبع من المعقول لنا أن نتساءل، ما الذي يعنيه ذلك كلّه؟ ما الفرق إذا كان الصراع طائفيّاً أو كان نتيجةً للمنافسات السياسية الإقليمية؟ ربّما يجيب المرء بأنَّ إيران قوة ثورية تشكّل تهديداً للمصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن الإقليميين. وهذا صحيح، ولكن من المهم بمكان أن نعلم كيفيّة تعريف الصراع. لا شك في أنَّ الإيرانيين من العناصر الفاعلة السيئة، وأنَّ المخاطر في التنافس الإقليمي السعودي الإيراني مخاطر مرتفعة. إلاَّ أنَّ التعبير عن تلك المخاطر من خلال سياسات القوة، يزيد من فُرصِ تصعيد الصراع وجعله يبدو أكبر مما لو كان صراعاً مؤطَّراً بالهوية. إنَّ بيان محمد بن سلمان عن إيران يوضح ذلك بكشلٍ جليّ. وينبغي على الأميركيين أن يكونوا حذرين من هذا الخِطاب. إذ في نهاية المطاف، فإنَّ ما ينطوي عليه بيان نائب وليّ العهد السعودي هو إمَّا الصّراع إلى ما لا نهاية لها أو تغيير النظام الإيرانيّ. ألم يكن لدينا ما يكفينا من ذلك في الشرق الأوسط؟

 

----------------------

الكاتب:

ستيفن أ. كوك (STEVEN A. COOK) هو زميل إيني إنريكو ماتي البارز  في دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية. وسيصدر كتابه الجديد "الفجر الكاذب: الاحتجاج والديمقراطية والعنف في الشرق الأوسط الجديد" من قبل مطبعة جامعة أكسفورد في شهر يونيو / حزيران القادم.

علِّق

مقالات المترجم